النــمــر


قصة قصيرة بقلم : محب الله زغم


الدكتور محب الله زغم طبيب قلب وكاتب ومترجم أفغاني معاصر ، وهو مسؤول عن لجنة النشر في مؤسسة الفنانين التي تعمل من أجل الأطفال وتدير صفحة عنوانها " طفل واحد، عالم واحد " على الفيس بوك . أصدر عدة أعمال أدبية منها مجموعتان قصصيتان الأولى اسمها " الجحيم في الرجل " والثانية بعنوان " فلسفة " إضافة إلى رواية اسمها "الانتحار" ترجمت إلى اللغة الأوردية ، وعدد من قصص الأطفال وكتاب " تشخيص وعلاج الأمراض الباطنية " .


كان ذلك اليوم يوم السوق . ملأت الشاحنة بعشرات الأكياس من البطاطس وانطلقنا بها إلى مدينة كندوز . لقد مضى وقت طويل منذ أن ذهبت إلى هناك لآخر مرة . السفر عبر صحراء شوراو الشاسعة يجعل الشاحنة تثير سحابات من الغبار . الصحراء كانت مسطّحة جداً لدرجة إنه من الصعب أن نصدّق إننا على قمة جبل ، ولم أشاهد عربات أخرى منذ ساعة واحدة .

حين انحدرنا إلى كندوز ، أشار لنا بعض الرجال المسلحين ، المرتدين قمصاناً مخملية بنية ، بالوقوف في نقطة تفتيش . جاء أحدهم بشعره الطويل المربوط من الخلف بمنديل وحام حول الشاحنة لبرهة ثم توقف ومسح جبينه المليء بالعرق بكُمه الوسخ .

" من يملك هذه البضاعة ؟ " سأل وهو يحوّل بصره خلال رموش صغيرة .

" أنا " قلت له .

" تعال " قال .

ترجلتُ من الشاحنة وتبعته إلى معقل قديم حيث يتدفق جدول خلال ساحة . سجادات حريرية كانت منتشرة أسفل أشجار قطبية كبيرة . خمسة رجال كانوا جالسين على فراشات مخملية ويلعبون النرد على رقعة شطرنج .

عشرة أو خمسة عشر رجلاً مسلحاً ، بقمصانٍ بنية ، جلسوا بعيداً عن اللعبة . أحدهم كان يدخن سيجارة حشيش بشراهة . " انفث بصورة أقوى ، أقوى " شجعه رفاقه . نفث السيجارة مرة ثانية وسعل ست أو سبع مرات ، ولوّح بيده ليشكرهم ، ثم ناول السيجارة لشخصٍ آخر .

أصبح الرجل المسلح ذو الشعر الطويل منحنياً على السجادة الآن ويراقب اللعبة .

" لديك يد محظوظة " قال حينما أخذ أحد اللاعبين يجمع ما كسبه من نقود من على الرقعة. الرجال الآخرون ، على ضفة الجدول ، أداروا رؤوسهم وكرروا كلماته .

" وزّعها على الأولاد " قال الفائز ورمى حزمتين من الأوراق النقدية من فئة العشرة آلاف أفغاني تجاه الرجل المسلح ذي الشعر الطويل . ثم حينما رآني سأل : " من هو هذا الرجل يا كليش ؟ " .

" سيدي ، إنه مالك البضاعة " .

" ماذا ينقل في الشاحنة ؟ " .

" بعض البطاطس " رددت .

" إلى أين ؟ " .

" إلى السوق ، لبيعها " .

" إذن يجب عليك دفع الضريبة " .

" ضريبة ماذا ؟ لقد زرعت هذه الخضروات في حقلي الخاص " .

" كليش ، هذا الرجل يبدو غريباً . هل تعتقد إنه جاسوس ؟ " .

" بحق الله لم أره من قبل " قال كليش وهو يركّز نظره عليَّ .

رحت أتساءل أين شاهدت هذا الرجل من قبل . شعره الطويل ، وجهه الأبيض الجميل ، شفتاه الحمراوان ، العينان المظللتان بالكحل ببراعة ، والصوت الأنثوي الناعم ، كل هذا كان مألوفاً جداً لدّي . ثم تذكرت . إنه فيروز . شاربه الخفيف ، الشعرات القليلة من اللحية على خده ، القميص الطويل وحزام الذخيرة حول خصره ، جميعها غيّرته بالكامل .

كان فيروز حارساً لحاجي مراد بيه والصبي الراقص له . مضت فترة طويلة منذ أن شاهدته . قبل سنوات كان حاجي مراد يدعونا إلى منزله ، حيث يظهر فيروز لابساً أجراس الكاحل وزيّاً نسائياً ، البودرة على وجنتيه وأحمر الشفاه على شفتيه ، والحناء على يديه ، وعيناه مظللتان بالكحل ، يقوم بالرقص لنا .

قبل خمس سنوات ، انتشرت اشاعات بأن فيروز أطلق النار على مراد بيه وأرداه قتيلاً ، ثم فرّ مع زوجته الأصغر التي تربطه معها علاقة غرامية . كان مراد قد ظفر بزوجته الأصغر ، التي في نفس عُمر ابنته ، في منافسة قتال بالحجل . وكنت قد سمعت اشاعات بأن فيروز حينها أصبح قائداً لمنظمة متمردة ، لكنني لم أعرف أية تفاصيل أخرى .

" إنني أسألك ، من أنت ولأجل من تتجسس ؟ " صوت فيروز أعادني من أفكاري .

" أنا قادوس " قلت . " صديق مراد بيه ، ألا تتذكرني يا فيروز ؟ " .

فوجئت بضربة عنيفة على كتفي قبل أن أنهي جملتي . وبصورة مباغتة أصبحت ممدداً على الأرض ثم تعرضت للرفس والضرب بأعقاب البنادق .

بعد بضع دقائق ، سحبني المسلح ذو الشعر الطويل من شعري إلى أعلى ، لكي أواجه فيروز ، لكنني لم أستطع . كان الألم شديداً جداً . نظر فيروز إليًّ بغضب وغمغم بكلمات ليجعل صوته خشناً .

" من أنا ؟ " سألني .

" أنت فيروز " قلت .

لكمني على فمي بكل قوته . " لا ، أنا القائد " صرخ في وجهي . " أنا النمر !" .

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email