القبض على المياه وظلالها قراءة في رواية “المياه وظلالها” لـ أمين صالح



لنتفق مبدئياً؛ أنّ أمين أمينٌ لتفلته وتشظيه، وبالتالي تجد أن نصوصه تشبههُ. بقصد أو دونه؛ هي على تماسٍ مع أنساق كتابية مختلفة، تتشابك وتتواشج ووتماهى. هذا التماس هو جزء لا يتجزأ من هندسته وتجربته السردية. عندما تفتح الرواية نوافذها على الشعر والنثر والسينما والمسرح في الوقت ذاته. وعليه، لا يمكن قراءة أمين بمعزل عن أمين ككل (الشاعر/ الناثر/ القاص/ السينمائي/ الكاتب المسرحي/ المترجم/ الناقد). خصوصاً وأن فعل الكتابة لديه فعلٌ تراكميٌ بامتياز، بمعنى أن كل نصٍ يتمم الآخر، يستحضرهُ ضمنياً أو ومضياً، ولا يهدمه. لذلك، أجد ألّا فائدة من قراءة “المياه وظلالها” قراءة معتادة وكلاسيكية. قراءة تقف عند عناصر بناء الرواية التقليدية (الشخصيات/ الحبكة/ الزمان والمكان …إلخ). وأنّه قد يكون مفيداً أن ننجو بقراءةٍ تُبادل التشظي بالتشظي، والإنفلات بالإنفلات، والبادئ أظلم.

الكاتب والروائي حسين عبدعلي


ما الذي يجعل من منجزٍ ما، بغض النظر عن ماهيته فيما لو كان مسرحاً، أو قصيدة، أو رواية، أو فيلماً سينمائياً، أو حتى لوحة تشكيلية. ما الذي يجعل من هذا المنجز قريباً إلى القلب؟ ما الذي يمنحه المقدرة على التسرب إلى روحك والتمكن من مرافقتك لفترة طويلة والبقاء في الذاكرة؟ ببساطة شديدة -أظنّ- الأمر معقودٌ بما يتركه هذا المنجز من أثر فيك. بقدرته على مدّك بأدوات تمنحك الفرصة لقراءة ذاتك من جديد واكتشاف ما حولك والمحيط بك بدهشة طفل. ببساطة أشد -أظن- أن يكون هذا المنجز خبيثاً، أشبه بفايروس يتسلل إلى خلاياك، من ثم ينسخ اسئلته في جيناتك، اسئلة تنمو وتتكاثر إلى أن تصبح (موروماً) به.


Bertolt Brecht


في “الأم الشجاعة” لـ بريخت، على سبيل المثال، ثمة بائعة متجولة تستغل عدم خوفها من قصف المدافع وأزيز الرصاص، وغدت تجر عربتها مع ولديها نحو كتائب الجيش لتعرض على الجنود بضاعتها. يلتحق ابنها الأكبر بالحرب، فيموت. تقع الأم في أسر جيش العدو، فيقتل ابنها الآخر. يعرض العدو جثة الابن على أمه فتنكر معرفتها به، خشية أن تفقد عربتها وبضاعتها. لاحقاً، يغتصب الجنود ابنتها لكن الأم تتشبث بصبرها لا سيما أنها بلغت عندئذ ذروة النجاح في تجارتها. يحل السلام، فتنزعج الأم الشجاعة فهي ليست بحاجة إلى السلم بقدر حاجتها إلى الحرب كمصدر للرزق. في نهاية المسرحية يقتل الجنود الإبنة، مع هذا تجر الأم عربتها الفارغة من البضاعة وتقول: “عليّ أن أذهب للتجارة”.


والسؤال هنا: ما هو الأثر الذي يبطنّه بريخت في أمه الشجاعة؟ ما هو الفايروس الذي يوّد أن يتسلل إلى خلايا المتلقي ويكون مهووساً به؟ لو افترضنا جدلاً أنّ المتفرج يخرج من العرض بخلاصة مفادها: أن الحرب سيئة وآثارها مدمرة. فالسؤال الذي سيقفز لحظتها: وماذا في ذلك؟ أليس المتلقي ملم هذه الخلاصة وهو يعيش الحرب وقتذاك؟ أليس آثار الحرب ودمارها قائمة أمام ناظريه قبيل دخوله صالة العرض؟


يدّس بريخت أمه الشجاعة سؤالاً مفصلياً: لماذا -كبشر- نلجأ للحرب باعتبارها ذات فائدة وجدوى ومكسب ومنفعة؟!. هذا السؤال تحديداً إلى جانب أمور أخرى -لا يسع المقام لذكرها- منها استخدامه لمفهوم التغريب على سبيل المثال، هو ما يجعل المتلقي موروماً بالنص أو العرض، وما يضفي للنص ديمومته. هذا السؤال هو أثر “الأم الشجاعة”، وما أسميه “أثراً” يسميه بورخيس “الموضوع”، ويطلق عليه أورهان باموق “المحور”. وقراءة الرواية حسب باموق هو فعل تحديد المحور الحقيقي والموضوع الحقيقي.


الآن؛ هل يحق لنا أن نسأل: ما هو الأثر الذي تتركهُ مياه أمين وظلالها في داخل المتلقي/ القارئ؟! لكي نقف على ضفاف هذا الأثر، ونقبض على مياه أمين وظلالها، دعونا نجر السؤال نحو مفاصل هذه الرواية في بنائها وشكلها ومضمونها.


لعبة العنوان


بالمناسبة، الظل في أدب فيكتور هيجو لا يكتمل حضوره دون أن يكون مقترناً بالماء. ظل هيجو يتمدد إلى الليل والظلام بمقابل الماء باعتباره البحر أو المحيط. وما يجمع بين الظل والماء هو معركة النضال. ولذلك هو يعنون أحد فصول روايته “البؤساء” بـ (الموج والظل). هنا أمين -بقصدٍ أو دونه- يتقاطع مع هيجو عندما يزج بسفينته المحملة بالنازحين قِبال البحر باعتباره باب المعركة الكبرى نحو خلاصهم من مدينة تلفظهم وترشقهم بالموت. هذا العنوان لا يبتعد كثيراً عن مفهوم أمين للعناوين ووظائفها المتنوعة، التي إما أن تكون: إيضاحية، إيحائية، رمزية، دلالية، أو تفسيرية وغيرها. “المياه وظلالها” عنوان له رنين شعري، جمالي. ففي الوقت الذي يلمّح عن جوهر النص يكون مفتوحاً على عدد من القراءات والتأويلات. عنوان يأتي ضمن مختبر أمين واشتغاله على الكتابة بوصفها موضوعاً.


اللعبة ذاتها يمارسها أمين في اختيار عناوين فصول روايته الممتدة إلى خمسة فصول، بدءً من الفصل الأول: “النزوح.. أمام كل رحيل ينحني الأفق”. الذي يبدأ بروح سينمائية، وكأنما ثمة كاميرة من خارج الكرة الأرضية تهبط شيئاً فشيئاً ثم تتخلل الغيوم، ثم تتضح ملامح الموج في البحر، إلى أن يصل بعين المتلقي إلى سفينته القرمزية. في الفصل الثاني المعنون بـ “ما قبل النزوح.. محنة المخلوقات الوديعة” ثمة استحضار لتقنية “الفلاش باك”، ويحيل بالقارئ إلى ما قبل المشهد الافتتاحي إن صح التعبير. وقبل أن يعيدنا أمين للبداية من جديد يزج بفصل تحت عنوان “المياه.. المياه.. على أرضٍ تحاذي القيامة”، هو أشبه بمشهد تمهيدي قصير يمهد للفصل الرابع “النزوح.. وجهاً لوجه أمام السرمدي” وهو أشبه بعودة إلى تكملة المشهد الإفتتاحي. ثم يختتم بفصل قصير جداً “النهاية قد تكون البداية”، فصل شعري مكثّف يكمل الدائرة التي تعيدنا لنقطة البداية.


بذكاء شديد جداً، تحضر السينما عند أمين عندما يصيّر لغته كوادراً سينمائية.. يقول:

“يتضرّج العشب بصراخ أنثى.

شمعة تضيء مقدمة جزمة مخضّبة بقطرات دم.

هراوة ترفع بطشها عالياً لتهوي على عضل نافر،

عينان مفتوحتان على رعب لا وجه له.

فم فاغر كالهاوية أمام جمع يتشح بغضب لا مبرر له”


إلى آخره؛ هنا أنت لا ترى الصور التي يراها أمين وحسب، لكنك بشيء من الخيال تخلق صورك الخاصة بك، تضيف لها الموسيقى والمؤثرات الصوتية في ذهنك، كوادرك الخاصة بك. وبالتالي، تكون مساهماً بشكل غير مباشر في عملية كتابة هذا النص.



ضحكة منير سيف


في فيلم “خمسة” لعباس كياروستمي، يصدّر عباس فيلمه بإهداء خاص إلى أوزو. لاحقاً؛ تدرك أن هذا الإهداء ليس مجرد إهداء وحسب، بل هو أشبه بمفتاح لقراءة الفيلم. وأظن دون هذا الإهداء قد تكون ثمة اشكالية في عملية التلقي. في “المياه وظلالها” يهدي أمين هذا المنجز إلى صديقه منير سيف. هل الإهداء هنا له دلالة ما؟ أو هو إهداء عفوي وعابر؟!.


قد يكون هذا الإهداء شخصي جداً، باعتبار الإهداء مساحة خاصة يمتلك الكاتب كامل الحرية في ملئها بما يريد، لذلك يمكن أن يهدي الكاتب كتابه إلى زوجته أو أحد أفراد عائلته. وبالمقابل هناك من يرى أن هذه المساحة جزءا تكوينياً من النص أو عتبة من عتبات النص، وأن ثمة وشائج وروابط بين النص والإهداء من حيث الموضوع والتشكيل أحياناً.


العارف أو المحتك بمنير سيف سيدرك أن هذا المساحة من الكتاب والذي لا يتجاوز الـ ١٨ كلمة هو بمثابة تشبّث أمين ببارقة الأمل الوحيدة في خضم كل هذا الوجع والعذابات الممتدة في ١٧٤ صفحة. الأمل الذي يراه أمين في وقت المحن في ضحكة “منير” الحلوة كما يصفها.


المياه وهي تتسرب


متأخرٌ جداً الحديث عن تمكّن أمين من أدواته السردية، ولكن لا ضير هنا من التذكير من معاصرة هذه الأدوات وتجددها بما يتناسب للوقت الراهن على مستوى البناء والشكل والمضمون. نحن على بعد رمية حجر، من كل هذه الميليشيات التي تولد هنا وتموت هناك، فتولد أخرى. حتى غدت خريطة العالم العربي في العشرين سنة الأخيرة تدل على أن عصر الميليشيات كان في ازدهار مقابل تراجع مشروع الدولة وتفكيك مؤسساتها الشرعية والرسمية. هذا على مستوى الفكرة أما على مستوى البناء والشكل فإن “المياه وظلالها” جاءت وفق ما حذر منه كونديرا في روايته “الخلود” حول كتابة الرواية.

واحدة من أهم التحذيرات التي ينوّه بها كونديرا عند كتابة الرواية هي في قوله: “على كل من يتوافر لديه القدر الكافي من الجنون لكي يستمر اليوم في كتابة الروايات، أن يكتبها بطريقة تجعل أقتباسها متعذراً، حماية لها. بعبارة أخرى، طريقة تجعلها غير قابلة لأن تروى”. وهنا، لو سألك أحدهم عمّا تتحدث عنه “المياه وظلالها” سيكون الأمر عصياً أو سطحياً عند محاولة اختصارها أو روايتها بشكل موجز ومختصر. وبالتالي الإجابةعن سؤال: عمّا تتحدث عنه “المياه وظلالها” يستدعي قراءتها كإجابة وحيدة ويتيمة على هذا السؤال.


من التحذيرات التي يسوقها كونديرا أيضاً: “جميع الروايات المكتوبة هذه الأيام تقريباً، تتقيّد أكثر من اللازم بقاعدة وحدة الفعل. أعني أنها جميعاً قائمة على تسلسل سببي وحيد للأفعال والأحداث. هذه الروايات تشبه شارعاً ضيقاً تلاحق الشخصيات على طوله بضربات السوط. التوتر الدرامي هو اللعنة الحقيقية للرواية لأنه يحوّل كل شيء، حتى أجمل الصفحات، وحتى المشاهد والملاحظات الأكثر مفاجأة إلى مجرد مرحلة تقود إلى الخاتمة النهائية حيث يتركز معنى كل ما سبق. وإذ تُلتهم الرواية بنار توترها الخاص ذاته، فإنها تُمحَق مثل حزمة من القش. الرواية يجب ألا تشبه سباق دراجات، بل وليمة تقدم فيها كمية من الأطباق”.