القبض على المياه وظلالها قراءة في رواية “المياه وظلالها” لـ أمين صالح



لنتفق مبدئياً؛ أنّ أمين أمينٌ لتفلته وتشظيه، وبالتالي تجد أن نصوصه تشبههُ. بقصد أو دونه؛ هي على تماسٍ مع أنساق كتابية مختلفة، تتشابك وتتواشج ووتماهى. هذا التماس هو جزء لا يتجزأ من هندسته وتجربته السردية. عندما تفتح الرواية نوافذها على الشعر والنثر والسينما والمسرح في الوقت ذاته. وعليه، لا يمكن قراءة أمين بمعزل عن أمين ككل (الشاعر/ الناثر/ القاص/ السينمائي/ الكاتب المسرحي/ المترجم/ الناقد). خصوصاً وأن فعل الكتابة لديه فعلٌ تراكميٌ بامتياز، بمعنى أن كل نصٍ يتمم الآخر، يستحضرهُ ضمنياً أو ومضياً، ولا يهدمه. لذلك، أجد ألّا فائدة من قراءة “المياه وظلالها” قراءة معتادة وكلاسيكية. قراءة تقف عند عناصر بناء الرواية التقليدية (الشخصيات/ الحبكة/ الزمان والمكان …إلخ). وأنّه قد يكون مفيداً أن ننجو بقراءةٍ تُبادل التشظي بالتشظي، والإنفلات بالإنفلات، والبادئ أظلم.


ما الذي يجعل من منجزٍ ما، بغض النظر عن ماهيته فيما لو كان مسرحاً، أو قصيدة، أو رواية، أو فيلماً سينمائياً، أو حتى لوحة تشكيلية. ما الذي يجعل من هذا المنجز قريباً إلى القلب؟ ما الذي يمنحه المقدرة على التسرب إلى روحك والتمكن من مرافقتك لفترة طويلة والبقاء في الذاكرة؟ ببساطة شديدة -أظنّ- الأمر معقودٌ بما يتركه هذا المنجز من أثر فيك. بقدرته على مدّك بأدوات تمنحك الفرصة لقراءة ذاتك من جديد واكتشاف ما حولك والمحيط بك بدهشة طفل. ببساطة أشد -أظن- أن يكون هذا المنجز خبيثاً، أشبه بفايروس يتسلل إلى خلاياك، من ثم ينسخ اسئلته في جيناتك، اسئلة تنمو وتتكاثر إلى أن تصبح (موروماً) به.



في “الأم الشجاعة” لـ بريخت، على سبيل المثال، ثمة بائعة متجولة تستغل عدم خوفها من قصف المدافع وأزيز الرصاص، وغدت تجر عربتها مع ولديها نحو كتائب الجيش لتعرض على الجنود بضاعتها. يلتحق ابنها الأكبر بالحرب، فيموت. تقع الأم في أسر جيش العدو، فيقتل ابنها الآخر. يعرض العدو جثة الابن على أمه فتنكر معرفتها به، خشية أن تفقد عربتها وبضاعتها. لاحقاً، يغتصب الجنود ابنتها لكن الأم تتشبث بصبرها لا سيما أنها بلغت عندئذ ذروة النجاح في تجارتها. يحل السلام، فتنزعج الأم الشجاعة فهي ليست بحاجة إلى السلم بقدر حاجتها إلى الحرب كمصدر للرزق. في نهاية المسرحية يقتل الجنود الإبنة، مع هذا تجر الأم عربتها الفارغة من البضاعة وتقول: “عليّ أن أذهب للتجارة”.


والسؤال هنا: ما هو الأثر الذي يبطنّه بريخت في أمه الشجاعة؟ ما هو الفايروس الذي يوّد أن يتسلل إلى خلايا المتلقي ويكون مهووساً به؟ لو افترضنا جدلاً أنّ المتفرج يخرج من العرض بخلاصة مفادها: أن الحرب سيئة وآثارها مدمرة. فالسؤال الذي سيقفز لحظتها: وماذا في ذلك؟ أليس المتلقي ملم هذه الخلاصة وهو يعيش الحرب وقتذاك؟ أليس آثار الحرب ودمارها قائمة أمام ناظريه قبيل دخوله صالة العرض؟


يدّس بريخت أمه الشجاعة سؤالاً مفصلياً: لماذا -كبشر- نلجأ للحرب باعتبارها ذات فائدة وجدوى ومكسب ومنفعة؟!. هذا السؤال تحديداً إلى جانب أمور أخرى -لا يسع المقام لذكرها- منها استخدامه لمفهوم التغريب على سبيل المثال، هو ما يجعل المتلقي موروماً بالنص أو العرض، وما يضفي للنص ديمومته. هذا السؤال هو أثر “الأم الشجاعة”، وما أسميه “أثراً” يسميه بورخيس “الموضوع”، ويطلق عليه أورهان باموق “المحور”. وقراءة الرواية حسب باموق هو فعل تحديد المحور الحقيقي والموضوع الحقيقي.


الآن؛ هل يحق لنا أن نسأل: ما هو الأثر الذي تتركهُ مياه أمين وظلالها في داخل المتلقي/ القارئ؟! لكي نقف على ضفاف هذا الأثر، ونقبض على مياه أمين وظلالها، دعونا نجر السؤال نحو مفاصل هذه الرواية في بنائها وشكلها ومضمونها.


لعبة العنوان


بالمناسبة، الظل في أدب فيكتور هيجو لا يكتمل حضوره دون أن يكون مقترناً بالماء. ظل هيجو يتمدد إلى الليل والظلام بمقابل الماء باعتباره البحر أو المحيط. وما يجمع بين الظل والماء هو معركة النضال. ولذلك هو يعنون أحد فصول روايته “البؤساء” بـ (الموج والظل). هنا أمين -بقصدٍ أو دونه- يتقاطع مع هيجو عندما يزج بسفينته المحملة بالنازحين قِبال البحر باعتباره باب المعركة الكبرى نحو خلاصهم من مدينة تلفظهم وترشقهم بالموت. هذا العنوان لا يبتعد كثيراً عن مفهوم أمين للعناوين ووظائفها المتنوعة، التي إما أن تكون: إيضاحية، إيحائية، رمزية، دلالية، أو تفسيرية وغيرها. “المياه وظلالها” عنوان له رنين شعري، جمالي. ففي الوقت الذي يلمّح عن جوهر النص يكون مفتوحاً على عدد من القراءات والتأويلات. عنوان يأتي ضمن مختبر أمين واشتغاله على الكتابة بوصفها موضوعاً.


اللعبة ذاتها يمارسها أمين في اختيار عناوين فصول روايته الممتدة إلى خمسة فصول، بدءً من الفصل الأول: “النزوح.. أمام كل رحيل ينحني الأفق”. الذي يبدأ بروح سينمائية، وكأنما ثمة كاميرة من خارج الكرة الأرضية تهبط شيئاً فشيئاً ثم تتخلل الغيوم، ثم تتضح ملامح الموج في البحر، إلى أن يصل بعين المتلقي إلى سفينته القرمزية. في الفصل الثاني المعنون بـ “ما قبل النزوح.. محنة المخلوقات الوديعة” ثمة استحضار لتقنية “الفلاش باك”، ويحيل بالقارئ إلى ما قبل المشهد الافتتاحي إن صح التعبير. وقبل أن يعيدنا أمين للبداية من جديد يزج بفصل تحت عنوان “المياه.. المياه.. على أرضٍ تحاذي القيامة”، هو أشبه بمشهد تمهيدي قصير يمهد للفصل الرابع “النزوح.. وجهاً لوجه أمام السرمدي” وهو أشبه بعودة إلى تكملة المشهد الإفتتاحي. ثم يختتم بفصل قصير جداً “النهاية قد تكون البداية”، فصل شعري مكثّف يكمل الدائرة التي تعيدنا لنقطة البداية.


بذكاء شديد جداً، تحضر السينما عند أمين عندما يصيّر لغته كوادراً سينمائية.. يقول:

“يتضرّج العشب بصراخ أنثى.

شمعة تضيء مقدمة جزمة مخضّبة بقطرات دم.

هراوة ترفع بطشها عالياً لتهوي على عضل نافر،

عينان مفتوحتان على رعب لا وجه له.

فم فاغر كالهاوية أمام جمع يتشح بغضب لا مبرر له”


إلى آخره؛ هنا أنت لا ترى الصور التي يراها أمين وحسب، لكنك بشيء من الخيال تخلق صورك الخاصة بك، تضيف لها الموسيقى والمؤثرات الصوتية في ذهنك، كوادرك الخاصة بك. وبالتالي، تكون مساهماً بشكل غير مباشر في عملية كتابة هذا النص.



ضحكة منير سيف


في فيلم “خمسة” لعباس كياروستمي، يصدّر عباس فيلمه بإهداء خاص إلى أوزو. لاحقاً؛ تدرك أن هذا الإهداء ليس مجرد إهداء وحسب، بل هو أشبه بمفتاح لقراءة الفيلم. وأظن دون هذا الإهداء قد تكون ثمة اشكالية في عملية التلقي. في “المياه وظلالها” يهدي أمين هذا المنجز إلى صديقه منير سيف. هل الإهداء هنا له دلالة ما؟ أو هو إهداء عفوي وعابر؟!.


قد يكون هذا الإهداء شخصي جداً، باعتبار الإهداء مساحة خاصة يمتلك الكاتب كامل الحرية في ملئها بما يريد، لذلك يمكن أن يهدي الكاتب كتابه إلى زوجته أو أحد أفراد عائلته. وبالمقابل هناك من يرى أن هذه المساحة جزءا تكوينياً من النص أو عتبة من عتبات النص، وأن ثمة وشائج وروابط بين النص والإهداء من حيث الموضوع والتشكيل أحياناً.


العارف أو المحتك بمنير سيف سيدرك أن هذا المساحة من الكتاب والذي لا يتجاوز الـ ١٨ كلمة هو بمثابة تشبّث أمين ببارقة الأمل الوحيدة في خضم كل هذا الوجع والعذابات الممتدة في ١٧٤ صفحة. الأمل الذي يراه أمين في وقت المحن في ضحكة “منير” الحلوة كما يصفها.


المياه وهي تتسرب


متأخرٌ جداً الحديث عن تمكّن أمين من أدواته السردية، ولكن لا ضير هنا من التذكير من معاصرة هذه الأدوات وتجددها بما يتناسب للوقت الراهن على مستوى البناء والشكل والمضمون. نحن على بعد رمية حجر، من كل هذه الميليشيات التي تولد هنا وتموت هناك، فتولد أخرى. حتى غدت خريطة العالم العربي في العشرين سنة الأخيرة تدل على أن عصر الميليشيات كان في ازدهار مقابل تراجع مشروع الدولة وتفكيك مؤسساتها الشرعية والرسمية. هذا على مستوى الفكرة أما على مستوى البناء والشكل فإن “المياه وظلالها” جاءت وفق ما حذر منه كونديرا في روايته “الخلود” حول كتابة الرواية.

واحدة من أهم التحذيرات التي ينوّه بها كونديرا عند كتابة الرواية هي في قوله: “على كل من يتوافر لديه القدر الكافي من الجنون لكي يستمر اليوم في كتابة الروايات، أن يكتبها بطريقة تجعل أقتباسها متعذراً، حماية لها. بعبارة أخرى، طريقة تجعلها غير قابلة لأن تروى”. وهنا، لو سألك أحدهم عمّا تتحدث عنه “المياه وظلالها” سيكون الأمر عصياً أو سطحياً عند محاولة اختصارها أو روايتها بشكل موجز ومختصر. وبالتالي الإجابةعن سؤال: عمّا تتحدث عنه “المياه وظلالها” يستدعي قراءتها كإجابة وحيدة ويتيمة على هذا السؤال.


من التحذيرات التي يسوقها كونديرا أيضاً: “جميع الروايات المكتوبة هذه الأيام تقريباً، تتقيّد أكثر من اللازم بقاعدة وحدة الفعل. أعني أنها جميعاً قائمة على تسلسل سببي وحيد للأفعال والأحداث. هذه الروايات تشبه شارعاً ضيقاً تلاحق الشخصيات على طوله بضربات السوط. التوتر الدرامي هو اللعنة الحقيقية للرواية لأنه يحوّل كل شيء، حتى أجمل الصفحات، وحتى المشاهد والملاحظات الأكثر مفاجأة إلى مجرد مرحلة تقود إلى الخاتمة النهائية حيث يتركز معنى كل ما سبق. وإذ تُلتهم الرواية بنار توترها الخاص ذاته، فإنها تُمحَق مثل حزمة من القش. الرواية يجب ألا تشبه سباق دراجات، بل وليمة تقدم فيها كمية من الأطباق”.


ولتحقيق ذلك، لجأ أمين لأكثر من حيلة من أجل أن تكون “المياه وظلالها” بعيدة عن التوتر الدرامي، وعن التسلسل السببي الوحيد للأفعال والأحداث.


واحدة من أهم الحيل التي يذهب إليها أمين يكمن في بناء شخصياته.


الشخصية


ما هو شكل يونس بطل رواية أمين؟ كيف تبدو ملامحه؟ شعره؟ طويل أم قصير؟ ضعيف البنية أم ممتلئ؟ ما هي أبعاد الشخصيات التاريخية؟ من أين جاءت؟ كيف كانت؟ وما علاقتها بالبيئة المحيطة بها سابقاً والآن؟ الجواب: لا نعلم!!.


حتى أنه يوم وصف فاطمة قال:

"فتاة تشبه الملاك/ جميلة كالملاك/ ناعمة كالملاك/ وحين تمرق من بهو المساء إلى باحة السهر فإنها تمرق كالملاك/ فاطمة اسمها/ ذات طلعة بهيّة تضرم الشهقة في وريد العاشق/ محياها كمحيا طفلة حلوة لكن أنوثتها لا تخطئها عين ولا يغفل عنها قلب/ عندما تمشي، لا يسمع لخطوها الرهيف وقع … الخ". لن تجد وصفاً جسدياً لها على الإطلاق، بل هو يصف الأثر/ أثرها على يونس، يصف روحها وداخلها.


المتعارف عليه أن شخصيات الرواية تُحدد بنفس الطريقة التي تتشكل بها شخصية الإنسان في الحياة: من خلال الظروف والأحداث التي تعيشها. وما القصة أو الحبكة إلا خيط يربط بشكل فعّال الظروف المختلفة التي يريد الروائي الحديث عنها. وعليه، هل بناء الشخصية عند أمين متطابق لشخصية الإنسان الحالي؟! إنسان غائب الملامح، دون أبعاد تاريخية حقيقة، متشابهة في جوهرها إلى حد ما.


في هذا السياق اسمحوا لي أن أحيل بالسؤال إلى سوزان غرينفيلد المهتمة بتأثير التقنية على الدماغ. تتحدث سوزان عن أننا نعيش في أزمنة غير مسبوقة. عن ظهور إنسان تسميه “المواطن الرقمي” وهو وصف لشخص لا يعرف نمطاً آخر للحياة سوى القائم على ثقافة الإنترنت، والحاسوب والهاتف النقال، بما يجعله متحرراً من قيود الأعراف المحلية ومعها السلطات الهرمية. وقد يصبح هذا المواطن الرقمي من دون وجود على صعيد الواقع. بمقابل هناك من تسميهم “المهاجريين الرقميين” وهم مثل أولئك الذين يتعلمون لغة أخرى في مرحلة متأخرة من الحياة، يحتفظون بلكنة لأنهم مازالوا يحتفظون بإحدى قدميهم في الماضي. وتشير سوزان إلى أنه لم يعد خافياً كم باتت هذه التغيرات تؤثر في الحياة الاجتماعية للأسرة وفي العلاقات الاجتماعية عامة بين البشر، لجهة تكريس التباعد وتخفيف التواصل والتوجه نحو العزلة. ومما لاشك فيه أن التغيرات التي أحدثتها ثورة الإنترنت على الدماغ وعلى السلوك البشري كبيرة جداً. حيث ينوّه مايكل ميرزينك وهو أحد الرواد في إثبات قدرة الجهاز العصبي على تكيف، حيث يقول: “يوجد فارق هائل وغير مسبوق في الكيفية التي تشارك بها أدمغة المواطنين الرقميين بصورة مطواعة في الحياة مقارنة بأدمغة الأفراد العاديين الذين ينتمون إلى الأجيال السابقة، وليس هناك شك في أن الخصائص للدماغ المتوسط الحديث تختلف بصورة جوهرية”.


ما أوّد قوله من كل هذا هو التالي: لا يمكن قراءة الشخصية في الواقع في وقتنا الحالي كما كان يقرأها نجيب محفوظ واحسان عبدالقدوس وحنّا مينا على سبيل. وأنا على ثقة تامة لو أن هؤلاء عاشوا لوقتنا الحالي فمن المؤكد أن شخوص رواياتهم ستكون مختلفة تماماً. ففي نهاية المطاف تُحدد شخصيات الرواية بنفس الطريقة التي تتشكل بها شخصية الإنسان في الحياة، كما أسلفت. والحديث هنا ظهور إنسان جديد ومختلف، إنسان له خصائص للدماغ وعادات وطريقة تفكير وهوية تختلف عن من لم يعش الثورة الرقمية والتطور التكنولوجي أو التحق بها مؤخراً. والإشكالية أن هذا الإنسان الرقمي الجديد هو ليس مرجع لشخصيات الرواية وحسب، بل هو المتلقي في نفس الوقت. وعليه؛ إلى أي حد يستوعب الروائيين والمهتمين بالرواية والسرد هذه الإشكالية التي تواجهها الرواية في كتابة الشخصيات؟! وهل يمكن مخاطبة المواطنين الرقميين -بوصفهم متلقيين- بنفس الآلية التي كنا نخاطب بها الأفراد العاديين؟ أم يستدعي ذلك ثورة في تقنية الكتابة؟!

على سبيل المثال: سابقاً كان التواصل بين البشر في الأغلب تواصلاً مباشراً، وجهاً لوجه. وفي حالة جر هذا التواصل إلى متن الرواية كان يستدعي من الروائي أن يصف ملامح الشخصية الجسدية، كي يتمكن المتلقي من خلق صورة لهذه الشخصية وبالتالي تعزز من تواصله معها. في الوقت الحالي، بات للناس قدرة على التواصل مع شخصيات افتراضية، كم هائل من الشخصيات الافتراضية التي تغص بها وسائل التواصل الاجتماعي، ومع ذلك هي شخصيات مؤثرة، (مواطن آيل للسقوط) على سبيل المثال. شخصية لا أحد يعرف لها شكلاً، لكنها قادرة على جمع التبرعات بآلاف الدنانير في غضون ساعات بسيطة. شخصية افتراضية بحتة ولكن الناس لا تشعر بثقل التواصل معها!. لذلك، أنت لا تعرف ليونس بطل رواية “المياه وظلالها” شكلاً، ولا لفاطمة ولا لغيرهم من شخوص أمين، مع ذلك يمكنك التواصل معهم، وتشعر بأثرهم.


سابقاً، آلية مقومات الشخصية تعتمد اعتماداً كبيراً على إظهار البعد النفسي والاجتماعي. مثلاً: زيد من الناس يولد لأب وأم وثلاثة أخوان وأربع أخوات. ثم تنتقل لاستكشاف مكونات العائلة الأكبر الجد والجدة والعموم والأخوال. ثم تتعرف على البيئة التي عاشها زيد وعلاقته بها وأثرها عليه، المدرسة/ المدرسين/ أصدقاء الحي/.. الخ. وسؤال هنا: هل يمكن قراءة هذا البعد بهذه الطريقة في وقتنا الحالي؟! أم أن زيد في وقتنا الحالي لابد أن يكون مختلفاً عن زيد أعلاه؟!. يتقلّص عدد العائلة الصغيرة، تبتعد العائلة الكبيرة وقد تختفي، ثم تتحوّل البيئة إلى عالم افتراضي، وتنحسر علاقة المدرسة به إلى واجبات وعلامات وامتحانات فقط، بينما الأصدقاء هم أصدقاء الفيسبوك وتويتر والانستجرام وأغلبهم باسماء مستعارة. هذا ما فعله أمين في “المياه وظلالها” عندما ازاح أسماء الشبان الخمسة الذين اعتادوا ارتياد المرفأ. وعوضاً عن الأسماء حلّت الأرقام: (يهمس الثالث/ أما الرابع فيقول). وبالمثل للنازحين على متن السفينة.


بودّي الحديث أكثر حول (الشخصية) وقدرة أمين على كتابة شخصياته وفق متغيرات الإنسان في الحياة وليس حسب كلاشيهات آليات بناء الشخصية. كأن نضع فكرة اختلاف الناس في النشأة والتكوين والثقافة والأمزجة والطباع على حد السؤال، في ظل مفهوم السوق والعولمة الذي استطاع أن يحولنا إلى نسخ كربونية متشابهة إلى حد التطابق: من يعيش في كرزكان ومن يعيش في نيوجرسي يأكلان نفس الطبق من ماكدونالدز بالطعم نفسه، نلبس من أديداس الملابس ذاتها، نهتم فجأة بفيلم الجوكر ويتحوّل إلى حديث الساعة، نلعب الألعاب ذاتها، نقرأ الكتب والروايات ذاتها التي تروّج لها وسائل إعلام ضخمة. من ثم؛ عندما نأتي لكتابة الرواية نتحدّث عن اختلاف الناس في النشأة والتكوين والثقافة ووو.. هل هذا الاختلاف منطقي حالياً؟!

أوّد الحديث أكثر حول (الشخصية) في ظل انهيار ما بعد الحداثة الذي يلمح له آلان كيربي واصفاً هذا الزمن بـ “الحداثة الزائفة” التي تضخم (الأنا) كنتيجة حتمية للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي. وهل يمكن أن تُكتب الرواية بعد اليوم، بمعزل عن هذا التضخم بوصفها سمة من سمات إنسان هذا العصر؟!.. بودي تعقيد الموضوع أكثر، حول مستقبل (الشخصية) في الرواية في ظل بروز مفهوم (ما بعد الإنسانية) وهي شعار لحركة فكرية تدعو إلى التحضير لقدوم طور جديد من الإنسان “المعدل” والمتجاوز للإنسان الحالي. وهي فكرة في غاية الخطورة كما قال فكوياما. كونها تمثل جموح مجنون لإلغاء الخصوصيات الإنسانية وتخيل ذات ممتزجة ومنصهرة مع التكنولوجيا المتقدمة.


بوّدي؛ ولكن أوّد أيضاً الانتقال إلى حيلة أخرى من حيل أمين صالح في جعل روايته بعيدة عن التوتر الدرامي والتسلسل السببي الوحيد للأفعال والأحداث.




الشعر


لنتجاوز مسألة فيما لو كان ما يكتبه أمين شعراً أم نثراً؟. من باب أنّه لم يعد صحيحاً أو مفيداً التفريق بين القصة أو الرواية ككيان نثري والقصيدة ككيان شعري. وأن الشعر قد يكون موجوداً في أشكال وأنماط أخرى كالنثر والتشكيل والموسيقى والنحت والفيلم والمسرح. وأن شعرية السرد عند أمين نابعة من إيمانه العميق بأن للسرد طاقة شعرية هائلة لم تستغل بعد، ولا يحاول كتاب القصة استكشافها واستثمارها، هي عندهم معطلة أو مشلولة وبالأحرى هي موضوع استنكار وإزدراء ونبذ حسب تعبيره. ويضيف: “أوظف الطاقة الشعرية في السرد لإغناء نصي، فمن خلالها أسعى إلى تعميق علاقة كائناتي بالواقع وبغير هذه الطاقة تصبح لغة السرد جافة، مباشرة، إنشائية، لا روح فيها ولا عذرية ولا جمال. أن يتسم نص بالشعرية فذلك ليس تهمة يتوجب على الكاتب دحضها أو التنصل منها أو الدفاع عن نفسه إزاءها. فالشعر جوهر كل كتابة، كل فن، بمعنى أنه متجذر ومتأصل في كل فعل إبداعي”. أمين صالح في أحد لقاءاته الصحفية.


أقول لنتجاوز لأنني أتفق فيما يذهب إليه أمين، خصوصاً وأنني من المؤمنين بالنص بوصفه كائناً وتجربة نعيش معها بعيداً عن هذه الضرورة القصوى للنوع. في الوقت الذي تتهاوى فيه الخطوط الفاصل بين الأنساق الأدبية والثقافية. وأن اللغة كائن حي ينمو ويتغير وتطرأ عليها التحولات، وأن ثمة مفردات تموت وأخرى تولد شأنها شأن أي كائن حي آخر.


ولكن السؤال الذي يبادر للذهن هو:

إذا آمنا أن أي منجز أدبي أو فني لا يكتمل إلا بالمتلقي، وأن “المتلقي” لفظ مربك جداً ومتغير، فثمة حديث عن ظهور مواطنين رقميين وإنسان ذات (أنا) متضخمة، إلى أي حد ممكن أن تكون هذه اللغة قادرة على التعاطي والأخذ مع هذا الانسان الجديد؟!. أو لنعيد صياغة السؤال على النحو التالي: أين تكمن الشعرية؟ في اخضاع المفردة المعروفة إلى غايات جديدة؟ أم تكمن الشعرية في الصورة الأم/ الكل؟!.


لتوضيح الفكرة لنطرح هذا المثال: الفكرة تتمثل في تصوير فتاة فقيرة.


لمعالجة هذه الفكرة يمكن أن نختار خيار (أ) ونقول: ريحٌ كسولةٌ تجرجرُ أقدامَها العارية وهي تمشّط الأرصفة بأصابعها الصغيرة، هشّمها العوز فمدّت يدها للتيه، يوشوشُ لها الطريقُ تلو الطريقِ عن الجوعِ فتقتفي أثر الوحشة، فتضيع في السديم.


خيار (ب) يقول: الفتاةُ التي خرجت لبيع المحارم الورقية عند إشارة المرور، جلست أمام واجهة محل بيع الإلكترونيات تشاهد الرسوم المتحركة عبر الشاشات المعروضة للبيع.


(أ) و(ب) يتطرقان للصورة ذاتها، وهما خياران متاحان ومشروعان. وثمة شعرية حاضرة في الخيارين. الفارق أن (أ) يذهب باتجاه المفردة بينما (ب) يذهب إلى شعرية الصورة الكلية. هذا ما فعلته جوخة الحارثي على سبيل المثال في “سيدات القمر” الذي تصف غياب ناصر بقولها “(ناصر) الذي يحضر لأولاده ملابس فاخرة من كندا ولكنّها دائماً أصغر من مقاساتهم”. قد تبدو جملة عابرة ولكني لا يمكن وصفها إلا بثلاثية الأبعاد. مشبّعة بصورة كلية شعرية تماماً. قادرة على تكثيف غياب الأب/ القسوة/ مأساة الأطفال/ حاجتهم للأب وليس للثياب الفاخرة وغيرها. وبالتالي السؤال هنا: أي الخيارين أنجع في مخاطبة متلقي اليوم؟ ألا يمكن أن يتوه المتلقي في لعبة المفردات في خيار (أ) في المثال السالف الذكر وقد لا يصل إلى الصورة الكلية؟

في هذا السياق يتحدث أورهان باموق عن “الكتاب اللفظيون” و”الكتاب البصريون”. أو “الأدب البصري” و”الأدب اللفظي” ولنفهم الإنقسام بين الاثنين يقول: دعونا نغلق أعيننا للحظة ونركز في موضوع معين، ونسمح لفكرة ما أن تتجلى في أذهاننا. ثم نفتح أعيننا من جديد ونسأل إنفسنا: عندما كنا نفكر، ما الذي كان يمر خلال عقلنا؟ هل كانت الكلمات أم الصور؟ والجواب: ممكن أن يكون كلاهما، أو أحدهما. وغالباً ننتقل من أحدهما إلى الآخر. وواحدة من أقوى قناعات باموق هي: الروايات في جوهرها هي خيال أدبي بصري. الرواية تمارس تأثيرها علينا بصورة خاصة من خلال محاكاة ذكائنا البصري- قدرتنا على رؤية الأشياء في مخيلتنا وتحويل الكلمات إلى صورة ذهنية.


مع هذا، أوّد أن أشير إلى أن انتقاء أمين لمفرداته بما يكفل لها أن تكون شعرية ساهم في كبح جماح المتلقي في ملاحقة الأحداث. وخفف من وحدة الحدث، وساهم بشكل كبير في من الحد من التوتر الدرامي في روايته.


الحلم


واحدة من الحيل التي يعتمد عليها أمين في معظم أعماله، وتكون حاضرة كثيمة رئيسية هي “الحلم”. على حسب قراءة الشقيقة فاطمة محسن لـ “المياه وظلالها” فإن مفردة الحلم بتصريفاتها المختلفة قد تكررت بشكل كبير جاوز المائة مرة. ففي الوقت التي تضمن له هذه الحيلة التواجد في المنطقة التي يحبها وهي “السريالية” مما تجعل من نصوصه تنزاح عن الواقع لما فوقه، ومن خلالها يستطيع التعبير عن بواطن شخصياته. فإن هذه الحيلة تساهم -بشكل أو بآخر- في كسر تعاقب الأحداث. ففي الرواية أنت تلاحق يونس وبحثه عن فاطمة على سبيل المثال، وفي اللحظة التي تلهث فيها وراء ما سيحدث لاحقاً، يقوم أمين بقطع هذا اللهاث بحلم الطفلة. يترك للمتلقي برهة للتنفس والهدوء من ثم يرمي بيونس مرة أخرى. وبذلك يحمي يونس من ملاحقة القارئ له في شارع ضيق وضربه بالسوط كما يذهب إليه كونديرا.


المخلص


تتشاطر “المياه وظلالها” ورواية “شمالاً.. إلى بيت يحن إلى الجنوب” في كون الروايتين مبنيتان على المتوقع. بمعنى، كلتاهما تسير وفق خط واحد ما إن يهضمه القارئ حتى تبدو الأشياء متوقعة تماماً. مثلاً في روايته “شمالاً” سبعة عشر رجلاً وامرأة تلبي نداء مجهول المصدر (إذهب شمالاً) إلى بيت ناءٍ ومعزول، نطرق بابه، نتوسل قاطنيه الخلاص من وهم وثقلٍ على عاتقنا أو رغبة نتوق لها. بادئ ذي بدء، كل الشخصيات ترفض طلب الدليل بالذهاب معها إلى الشمال، ثم في اليوم التالي توافق. عليه، تكون ردات فعل كل الشخصيات تجاه النداء متوقعة عند المتلقي.


في “المياه وظلالها” يرجئ أمين “شماله” أو “المخلص” إن صح التعبير ويُقدم البحر، باعتباره الطريق إلى الشمال التي تبحر نحوه السفينة الغاصة بالنازحين. وكلا الروايتين تنتهي بخذلان الشمال. هذه المرة أيضاً، يلعب أمين على المتوقع: الغارة على المنتزه، تختفي فاطمة، يُقتل إبراهيم رمياً من مبنى عالي، العثور على طفل عمره ٩ سنوات أعضاؤه وأطرافه مسروقة، يجن سلمان، تفجير أسير، إعدام مجموعة من الشباب على الجسر، كلها أحداث تدفع بالمتلقي أن يتوقع أن الميليشيات وراء كل هذا ولا يخيب توقعه. مما يدفع أحياناً المتلقي للشك في سرد كل هذه الأحداث وكأنها لحظات توثيقه لمدى وحشية الميليشيات ولما سببته من دمار على مستوى المكان والإنسان على حد سواء. وخصوصاً وأن معظم هذه الأحداث مرتبطة بذاكرة المتلقي، القتل رمياً من مبنى عالٍ، تفجير أسير، الإعدامات، حتى فكرة النزوح والضياع والموت غرقاً، هي لحظات حاضرة في ذهن المتلقي بالصوت والصورة. وهل يمكن لرسم هذه الصور بالكلمات أن يكون له تأثيراً أقوى مما يختزنه المتلقي في ذاكرته؟! أليس الأمر سيكون شبيهاً لمن يحضر عرض “الأم الشجاعة” ويخرج من العرض بخلاصة مفادها: أن الحرب سيئة وآثارها مدمرة؟! هذا يحيلنا للسؤال الذي انطلقت منه هذه الورقة:


هل يحق لنا أن نسأل: ما هو الأثر الذي تتركهُ مياه أمين وظلالها في داخل المتلقي/ القارئ؟!


هل هي مجرد عرض بانورامي لآثار الدمار التي تخلّفه الميليشيات؟ أم أن أمين يريد أن يعيد مؤشر بوصلتنا التي تشير دائماً للشمال بوصفها المنقذ والمخلص الذي ننقاد إليه؟ وأنه عبر “شمالاً.. إلى بين يحن إلى الجنوب” و”المياه وظلالها” يحاول أن يثني إبرة بوصلة خلاصنا من الشمال كي تشير مركز الدائرة. تماماً؛ حيث تقف أقدامنا ونحن حاملين البوصلة نبحث عن المخلص.

0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email