قاسم حداد.. الكلمات تهزم عصابة الأفكار

 


كان لافتاً في فقرات حفل تكريم الشاعر قاسم حداد، الشاعر الذي يكبر ولا يشيخ، في مؤسسة العويس بدبي أنها لم تنغلق على الشاعر وتجربته الخاصة، ولم تحصر نفسها به أو بها؛ فقد اختارت في الطريق إلى ذلك أن تتناوله من خلال العلاقة الابداعية التي جمعته ونصه برفاق فن ومسيرة، ومع جهودهم الإبداعية، في مجالاتهم المختلفة. وكان واضحاً في ذلك توق الشاعر إلى يكون واحداً من جماعة مبدعين يؤسسون لغة مشتركة.

هذا ما كان جلياً، على الأقل، في فبلم «هزيع الباب الأخير»، الذي جاء بتوقيع المخرج خالد الرويعي، القادم من الولع بالتجريب المسرحي إلى عالم الصورة الفيلمية، وبذل عنايته أن تأتي وثيقته السينمائية على إيقاع نظم الشاعر، ونبرة صوته الابداعي؛ فقدم قاسم حداد، وعلاقاته وعلاقات نصه مع المبدعين وصنوف الابداع، بتأنٍ يتوقف عند تفاصيل التجربة. 

والأمر كان مهماً، ليس فقط لأنه قدم اطلالة واسعة على امتدادات الشاعر الإبداعية، وصدى كلماته وعلاقاته في المجالات والأنواع الإبداعية الأخرى، بل وكذلك لإضاءته على «الأجسام» و«الكتل» الإبداعية الأخرى التي مارست تفاعلاً واحتكاكاً مباشراً مع تجربة الشاعر.

لقد أعطت هذه التجربة (الفيلم)، إضاءة كاشفة على عقل المبدع البحريني الآخر، خالد الشيخ، وتفاعله الحيوي والحر مع حقول الإبداع خارج الموسيقى، ووضعتنا أمام مسؤولية قراءة فناني الريشة ومبدعي الألوان وحجم الرؤى التي تصطرع في الطريق إلى إنتاج نص بصري. بل وأكثر من ذلك، كان فيلم «هزيع الباب الأخير» يضعنا أمام مشهد ثقافي وابداعي بحريني ثرٍ وغني، نحتاج أن نعرفه ونحتك به. 

وهذه الخلاصة يصل إليها المرء حينما يدرك في نهاية الفيلم أن الشاعر المكرم، تحدث في الفيلم الذي يرصد تجربته وشخصيته، عن رفاقه المبدعين الذين جلسوا أمام الكاميرا ليقدموا شهادة به، أكثر من حديثه عن نفسه وتجربته.

 

 

وأن هؤلاء، لم يكونوا في الفيلم مضطرين للحديث عنه، بقدر الحديث عن تجاربهم الابداعية معه، وأنه هو، من جهته، كان مسكوناً بالأفكار التي تتأمل تجاربهم وأسلوبهم بالعمل، وتركز حديثه عنهم في توضيح انفعالاته واكتشافاته التي التي توصل إليها بفضل الاحتكاك بهم وبتجاربهم.

وكأنما قاسم حداد، المعروف والمحبوب إنساناً وابداعاً في العالم العربي، أراد أن يقول: لست وحدي هنا، أنا جزء من مشهد إبداعي كامل!

وبالعودة إلى الشاعر المكرم نفسه، قاسم حداد، نتذكر أن الشعر كلمة موحية، طاقة وجدانية وفكرية. وهنا يتذكر المرء أن حضور قاسم حداد، نصاً أو شخصاً، يذكرنا أن لدينا شعر وشعراء. وأن عصر الشعراء الكبار لم ينته، وأن هناك لا يزال شعراء يؤمنون بأنهم أصحاب مشاريع كبيرة، وأن اللغة الأم، العربية، هي معمل ثقافي كبير، وربما هي تقدم الحوافز الثقافية الأهم في العالم، ويفوق ما تجود به في هذا المجال المخصصات العربية الرسمية للثقافة.

يتحدث قاسم حداد في الفيلم عن «اليأس»، الذي يتحول بكلماته وانفعالاته إلى قيمة إيجابية وأخلاقية عليا؛ ولما يُسأل عن إنحيازه لـ«اليأس» يقول بما معناه: اليأس أفضل من الأمل. لأن اليأس صادق، والأمل على الأغلب كاذب. يريدوننا أن نقول، عنوة، وعلى غير ما نشعر، أننا سعداء وأن الأمل يملأ قلوبنا. ونحن لسنا سعداء ولا الأمل يملأ قلوبنا. وهذه ليست دعوة بريئة. هذه هي السلطة العربية، تريدنا أن نقول أننا سعداء بها، راضون عن سياساتها.

ويواصل الشاعر فيقول ما معناه أن «المستقبل»، في العالم العربي، هو خدعة وفكرة تقوم مقام أدوات السيطرة الأخرى على العقول والإرادات!

 

من الملفت أن قاسم حداد يؤرخ للأشياء الحاسمة في موقفه، وفي التحولات التي كان يتوجب عليه أن يتعايش معها، بلحظة محددة فاصلة في الوعي، فيقول: «أنا لمّا انهزم مشروعي في التغيير..». وهنا، في هذه العبارة، نجد أنفسنا جميعاً عالقين في هذه الفكرة. لقد إنهزم مشروع التغيير، ونحن أمام فرصة تبدو وحيدة، للتعايش مع بلداننا وواقعنا، وهي أن نسلم بأننا «سعداء، مليؤون بالأمل»، ولكن من حسن حظنا أن قاسم حداد أخبرنا بالأمس أن من حقنا التمسك باليأس، والاعتصام بهزيمتنا، وأن ذلك أفضل وأكرم من الالتحاق بنصر النقيض، والإنحياز إلى أمل كاذب، مزيف، ومحتال، مفرض قسراً!

وفي هذا السياق، الأمل ومشتقاته، والسعادة والمستقبل وضروبهما من المفاهيم المبهرجة، كلها، عند قاسم حداد عصابة من الأفكار، التي لا تحرر الإنسان، ولكن تفيد بإحكام السيطرة عليه، وتقييده، وتضييعه في بحر الأوهام المتلاطم، الذي يشل إرادته. وهنا، في هذه المعطيات لذة النص، وجدوى التجربة التجربة الابداعية والإنسانية. أي، لذة قراءة وسماع الكلمات التي تقاتل، وربما تهزم، عصابة الأفكار المضللة!

في الأمسية التكريمية وقع الشاعر المكرم كتابه «عزلة الملكات وعلاج المسافة». هذا التركيب في العنوان الذي ينتقل بين مستويين هو واحدة من خصائص قاسم حداد، الذي يعتني بالعناوين اعتناء الوطنيين برايات بلادهم. ويعتني أن يحمل كل عنوان الإشارات الدقيقة المضبوطة المعنى تماماً، الموحية بالأفكار المحددة بتفاصيلها، والمليئة بالمحمولات الإنفعالية والجمالية اللازمة. وبالنسبة لي شخصياً، كقارئ، أتمنى أن أعرف الملكات جيداً، من ثم ساتبحر في تأمل عزلتها، ولكنني بكل تأكيد أتوق إلى «علاج المسافة»!

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد