من ورشة الشعر: عن التجارب الفنية المشتركة 3

 

 

 

طرفة بن الوردة مع

طفول حداد ومحمد حداد

 

في الإقامة بمنحة التفرغ الأولى عام 2008، لمدة عام كامل، تيسر لي تحقيق المسوّدة الكاملة لكتاب «طرفة بن الوردة»، وهي التجربة النوعية التي أنجزت فيها نصاً مؤجلاً منذ سنوات طويلة، وثمة تحولات عملية رافقت هذه التجربة، حوّلت التجربة من كونها مشروعاً فردياً، إلى عمل جماعي بالغ الغنى والتنوع، وبالغ المتعة أيضاً. خلال عملي في كتابة النص صادف، بدون قصد، أنني بدأت الكتابة بالقلم والورق، بعد سنوات من اعتيادي الكتابة مباشرة على جهاز الكومبيوتر. وهي مصادفة جعلتني كما لو أنني اكتشف الكتابة بالقلم لأول مرة. كنت أعيش جو الكتابة بشكل محموم فعلاً. وحدث أيضاً أنني لم أقبل الروايات التاريخية التي تقول بجهل «طرفة بن العبد» القراءة والكتابة، ما جعله يحمل رسالة الملك عمر بن هند التي تحوي أمر قتله لوالي البحرين. لم أصدق، وكتبت ذلك في النص. غير أنني قررت أن أكمل تحيتي لهذا الشاعر بأن أخط بيدي نصا كتابيا كاملاً بالأحبار الصينية على الورق اليدوي، في نسخة فنية واحدة، وبدأت بالفعل أبحث وأجمع أنواعا مختلفة من الأوراق والدفاتر المصنّعة يدوياً، في ما كنت أكتب المسوّدة.

 

 

أثناء ذلك زارني الصديق جمال فخرو (وزوجته الفنانة لبنى الأمين) في برلين، وسمع مني الفكرة، وتحمس لها، وعرض أن يجري العمل على طبع أكثر من نسخة على النسخة الأصلية، وأن يتكفل هو بتحقيق الفكرة. أثناء ذلك كانت طفول ومحمد يتابعان معي ما كنتُ أنجزه من مسوّدات أوّلا بأول عبر الإيميل. وكانا قد عبّرا عن ولعهما بالتجربة. بدأ محمد في تأليف مقطوعاته الموسيقية، وأخذت طفول تستعد لتجربة فوتوغرافية ذات مغزى. فعندما عدت إلى البحرين، وأنهيت تبييض الكتاب وأرسلته إلى دار النشر للطبع، ثم بدأت في ورشة الخطّ بالأحبار والورق الفني. كانت طفول ترافقني في ورشة المخطوطة يومياً مع آلة تصويرها حيث كانت تصور انهماكي مع الحبر والأوراق. لم أتخيل بالضبط ما الذي تفعله بعدستها. لكنني فوجئت بأن صورها أعادت خلق المخطوطة بجمال مميز، أبهرني فعلاً، وكنت أثناء ورشة الخط قد ابتكرت لنفسي طريقة تشكيل تمزج بين الخط والأحبار وبين المخيلة والأشكال والألوان الأخرى. قررنا وقتها أن يكون إطلاق الكتاب في معرض يقدم الموسيقى والتصوير معاً. شجّعني الأصدقاء، وتحمس أصحاب غاليري الرواق لفكرة المعرض، بوصفها مفاجأة ثقافية غير مألوفة. كنتُ فرحاً برفقة عائلتي الفنية.

وليلة الافتتاح، التي سبقها القلق المتوقع، كانت من أجمل ليالينا على الإطلاق، وشاركَنا في تلك الليلة عددٌ كبيرٌ من الأصدقاء في وقت حميم نادر. الآن، أعتقد أننا بتجربة «طرفة بن الوردة»، اقترحنا نوعاً جديداً من العمل المشترك، وخصوصاً نوعاً مختلفاً من التعبير الثقافي الذي تمتزج فيه الفنون الأدبية والموسيقية والبصرية، بطريقة ممتعة.

بعد السنوات الطوال، لم يزل بعض أصدقائي من الكتاب الشباب يرون في فكرة الكتابة المشتركة شكلاً قابلاً للتجربة، تيمّناً بالجواشن. ويمكنني القول إن هذه الشهوة لم تزل تلوح لي بين وقت، بدون وجود دوافع مقنعة لي.

 

 

12

ايها الفحم يا سيدي،

«دفاتر فنسنت فان غوخ» مع طفول حداد محمد حداد

 

أعتقد أنه في الستينيات، عندما كان كامل زهيري يرأس تحرير مجلة «الهلال» المصرية، وكانت المجلة تنشر في كل عدد ملفاً كاملاً عن فنان تشكيلي عالمي. وقتها تعرفت لأول مرة على فنسنت فان غوخ. وبدأت أحبه وأتعرف على تجربته، وأجمع كل شيء عنه. ثم أصبح بطلي في حقل الفنون التشكيلية التي تولعتُ بها منذ المرحلة الابتدائية. وشعرت برغبتي في عمل مشترك مع تجربته، لكن كيف؟ لا أعرف، ولم يكن الأمر واضحاً طوال السنوات.

 

إلى أن جاءت منحة التفرغ والإقامة في «أكاديمية العزلة» في مدينة شتوتغارت الألمانية (عام 2012). كان الشتاء هناك زاخراً بالثلوج التي أعشق. لمدة أربعة أشهر، أمضيت القسم الأول منها في قلق البحث عن كيفية البدء. محاولاً الخروج من أجواء تجربة «طرفة بن الوردة»، أسلوباً ولغة وأشكالاً. وما إن بدأت حتى جاء النص هادراً بلا توقّف، وكنت لا أعرف حدود النهار من الليل. زوجتي تبحث معي عن المزيد من المصادر، وأبنائي يرافقونني في قراءة المسوّدات اولاً بأول. ثم ذهبنا جميعاً في رحلة إلى مدينة وقرى ومتاحف، فان غوخ في عموم أوروبا. معنا محمد وطفول اللذان شاركاني مجدداً في التجربة بعد أن كتبت النص «أيها الفحم يا سيدي». جاءت طفول هذه المرة برؤية بصرية تمزج فيها لوحات فان غوخ وصور الغابات والأجواء التي قامت بتصويرها في رحلتنا إلى أماكن فان غوخ، وأنجز محمد ألبوم موسيقى (فنسنت) المختلف تماماً عن ألبوم (طرفة). ومرة ثانية أيضاً عملنا معرضاً في غاليري «الرواق»، مع صور طفول وموسيقى محمد بالإضافة لبعض الأعمال التشكيلية التي اشتغلتها في سياق كتابي عن فان غوخ. ولعلي في تجربتيّ «طرفة وفان غوخ»، كنت أستعيد، لاشعوريا، ولعي وحبي للرسم، في محاولة لأن أكون رساماً، بدون الزعم أنني لم أكرر الفشل القديم ذاته.

 

 

13

«رفيف الظل»

مع سعد الدوسري وعادل خزام

 

بعد السنوات الطوال، لم يزل بعض أصدقائي من الكتاب الشباب يرون في فكرة الكتابة المشتركة شكلاً قابلاً للتجربة، تيمّناً بالجواشن. ويمكنني القول إن هذه الشهوة لم تزل تلوح لي بين وقت، بدون وجود دوافع مقنعة لي. وصادف أننا تبادلنا (تحرّشاً) كتابياً، الصديق سعد الدوسري في الرياض، وأنا وقتها كنتُ في إقامة أدبية في مدينة «ميونخ»، نتواصل بوسائط الاتصال الحديثة، عبر «الواتس أب». فتحمس لتلك المكاتبات الأدبية الصديق سعد الدوسري، ومررها على صديقنا المشترك عادل خزام، في «ابوظبي»، وتم استدراجي بطريقة يصعب تفاديها، وبما أنني لا أعرف صدّ الاصدقاء عما يذهبون بي إليه من الحب، فقد بدأ الصديق سعد الدوسري يعمل بدأب على تثبيت التجربة، بحيث طرح فكرة نشر نصوص التجربة أسبوعياً في جريدة «الشرق الأوسط»، ويقوم هو بمتابعة تحرير وإعداد النصوص للجريدة. ثم اقترحَ نشر النصوص في كتابٍ لدى «دار مدارك»، بعنوان الزاوية نفسه التي نشرت به في الجريدة: (رفيف الظل).

 

14

 

وحسب ما أعلم، حتى الآن، هناك تجربة مسرحية جديدة يعمل عليها الفنان الفلسطيني عامر حليحل في حيفا، ويعرضها في مهرجان «شبابيك» في مدينة لندن، من كتابي «أخبار مجنون ليلى»، يشعلني انتظارها بالمفاجآت.

لم يزل في العمر بقية المغامرات. أشعر أن تلك لذة يصعب التأخر عنها، كلما واتت.

وبعد العديد من هذه المغامرات التي أغنت تجربتي، وشحذت لي الموهبة وصقلت المعرفة، سأكون مهيئاً للقفز، بالنمر في روحي، إذا ما تحرش أحد الفنون بشهوتي.

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد