هل أفلست ما بعد الحداثة؟


رؤى (ما بعد بعد الحداثة)*


ترجمة-جعفر المدحوب:


نطرح هنا سؤالا محددا: إذا استوعبنا مقولات ما بعد الحداثة، إذا استطعنا التمييز بين الخلفيات المتنوعة والخفية من المذاهب الفكرية، وإذا رغبنا في تجنّب الأحكام الاعتباطية والنسبية والهلامية..عندها كيف سيكون شكل ما بعد بعد الحداثة (after postmodernism)؟

ما علمتنا إياه ما بعد الحداثة ليس بجديد. لقد قال هيراقليطس "لا يمكنك السباحة مرتين في النهر نفسه"، وأضاف تلميذه "ولا حتى في المرة الواحدة؛ إذ لا وجود لذات النهر". لقد أظهرت المجادلات القديمة أنه لا يمكن التعويل على المنطق لوحده.

لقد كان واضحا مدى التنوع الهائل في الرؤى لدى سلسلة واسعة من الفلاسفة الذين جمعهم بلاتو في كتابه (Protagoras). أما ريتشارد مكيون فقد قام بتدريس التنوع الذي ضجت به خمسينيات هذا القرن. إنك ترى لكل شيء طريقة واحدة للفهم دائما ، وكيفما سارت الأمور عندك فإن مكيون يستطيع أن يدلّك على ثلاث طرق أخرى في الفهم والتأويل، تؤدي كل منها بطبيعة الحال إلى نتائج مغايرة. إن المذهب النسبي الشائع حاليا هو التأريخية والتي ربما تكون نسخة رديئة منه؛ لأنها لا ترى في التاريخ إلا تعاقبا اعتباطيا لمنظومات متنوعة من التصورات والأفكار خلال مجرى التاريخ، إنها تدّعي كذلك أن ليس بمقدورنا التنقل بحرية فيما بينها –كما يفعل مكيون- مفترضة أننا ننغلق قسرا في منظومة واحدة تفرض هيمنتها على مرحلتنا التاريخية.


إسهامات ما بعد الحداثة


لقد قدمت لنا ما بعد الحداثة الكثير مما نود الاحتفاظ به، جعلت اللعب والعبث ليس بالعمل الهيّن، وبيّنت بوضوح كيف أن نزعات السيطرة الكولونيالية والجنوسية والسياسية والاقتصادية متأصلة في الموضوعية والعالمية الغربية. لقد ركزت ما بعد الحداثة جهدها على إدراك التصورات الخفية والمتنوعة في المقام الأول، فبالرغم من أننا ندرك المشاكل إلا أنها تظهر فقط على السطح، وربما تكون مطمورة، أو نصف مخفية لمصلحة أولئك الذين يعرفونها حق المعرفة.

على سبيل المثال، بعد سلسلة طويلة من الاختلافات العريضة بينهما:

  • الغريب: ينبغي دائما أن نتعامل مع اختلافاتنا كما لو كنا نلعب بزهر النرد.

  • الشاب: ولكن أيها الغريب، كيف لنا أن نعلم ما إذا كان لعبا بزهر النرد أم لا؟

  • الغريب: هذا هو السؤال الذي سنبحثه في وقت آخر.

( بلاتو، السياسي، 262)


المأزق إن من مهام ما بعد الحداثة أن تبدأ من هذا التصور وتجعله واضحا لدى جميع الناس، بدلا من الاستئثار به كمعرفة عليا تخصصية تحتكرها قلة من الناس. يشعر كثير من الناس أن ثمة فضاء أوسع يمكن الانطلاق فيه، وهم محقّون في ذلك. كل يقين ينبثق من نقطة نمنحها الأفضلية، وهو يرتبط –جزئيا على الأقل- بالثقافة والسياسة واللغة حيث يمكننا فقط أن نزعم قدرتنا على الضبط والتحكم. يبدو أن كل اليقينيات تزعم امتلاكها هذه القدرة. كل الألفاظ تستحضر ما لا يمكن إبطاله أو التدليل عليه (ميتافيزيقيا)، ورغم أنه غير قابل للدحض أو التأكيد هل بوسعنا عمل شيء أكثر من أن يذكّر بعضنا بعضاً به؟ هل التفكير الأعمق غورا هو فقط غير المركزي، غير القابل للبرهنة، المشتت، الانتقالي، الهلامي، المتغير باستمرار؟ إنه في المحصلة النهائية ونتيجة لاعتباطيته واستعصائه يسلبنا القدرة على ممارسة التفكير أكثر.

التغلب على هذا الأثر هو موضوع دراستنا، نريد أن نفكر أبعد، لنبدأ البحث الذي يقودنا باتجاه ما بعد بعد الحداثة.


أسئلة ما بعد بعد الحداثة


بعض خطوط مبحث ما بعد بعد الحداثة مصدره ما لسنا مرغمين على القبول به، وعلينا أن نطور مسائل خاصة متعددة، ونخطو خطوات نحو طرق تفكير ما بعد بعد الحداثة:

  • هل ثمة دور بارز للمنطق ولنوع من الموضوعية العلمية غير البسيطة؟ كيف يمكن للأنظمة المفهومية أن تمارس وظيفتها في إبراز العلاقات بدلا من التعقيد المفهومي؟

  • بأي حساسية نتعامل مع المعاني المختلفة تماما التي تعطينا إياها كل ثقافة، حتى لتلك الألفاظ الأكثر عالمية مثل "الجسم" و"الشخص"؟

  • هل هناك مفر من (ويتغنستين) ؟ بإمكانه أن يجعل لفظة واحدة تكتسب معاني جديدة متكاثرة. لا أحد يمثّل اللغة لكن لا يوجد مفهوم أو ميتافيزيقيا يتحكم في الاستخدامات الجديدة للألفاظ في سياقاتها المتنوعة.

  • ألا زلنا نستطيع الحديث عن النظرية والتطبيق، وضمنيا عن التجريب الحسي المعقد؟

  • هل نستطيع التحدث عن (الذوات) دون ثنائية الذاتي/الموضوعي؟ (مثال: لو أن شخصا ما يعاني من ألم في اليد..لا أحد يرتاح من يده إلا المتألم). ويتغنستين

  • هل تستطيع فينومينولوجيا حديثة (علم الظاهرات) الكلام عن التعقيد بدلا من محاولة (الوصف)؟

  • هل نستطيع التعبير بوضوح عن المعيار الأخلاقي والسياسي لنقد تصورات العالم الغربي بدلا من السكوت عن هذا الأمر؟

العلوم وما بعد بعد الحداثة


العلم، المنطق، الرياضيات، النظريات المبنية بإحكام، البحث الإمبيرقي..نحن نعتقد أن ما بعد الحداثة لا تمتّ بصلة إلى هذه الموضوعات، لم يقدم نقد ما بعد الحداثة إعادة فهم لأي مجال متخصص من مجالات العلم. لم يُعر أهمية لكيفية فهم الاختراعات والاكتشافات العلمية، أو كيفية إعادة إدراك موضوع علمي، ليس لديه إلا القليل ليقوله للعلم بعد أن تشوّهت سمعته عالميا، وتم تصوير نقد ما بعد الحداثة بشكل جلي على أنه غير (موضوعي)، وليس خلوا من أساليب الافتراض التصوري. هذه الرؤية ستقود نحو ما هو أشد من الاعتباطية.

ولنضرب مثالا على ذلك: ظهر مؤخرا تقرير لأنثروبولوجي قدير حول ميدان عمله، وقد ولّد الباحث خلال هذا التقرير أسئلة حيّة، ثم أردف يقول: "لقد تعلمنا من ما بعد الحداثة أن لا وجود للحقائق، إذن أستطيع أن أقول ما يحلو لي قوله". لقد أوقف النقاش.

مؤخرا أيضا، طُلب من فيزيائي حائز عل جائزة نوبل أن ينوّه بتفسير للاكتشافات العلمية، وقد قام بذلك بشكل مقتضب، وحين طُلب منه أن يضيف أكثر قال: "في الفيزياء اليوم تستطيع قول أي شيء تريد".

إن الردود من جانب المنطق والعلم الإمبيرقي ممكن بالتأكيد بعد القبول المبدئيّ بحقيقة التصورات العليا وبعدم إمكانية الموضوعية البسيطة. بأي وجه حق يُمنح العلم نوعا من الموضوعية أكثر سوفسطائية من تلك التي يُسخر منها باعتبارها بسيطة؟ أو: بأي وجه حق يُمنح المنطق أكثر من الادعاء بامتلاكه نماذج واضحة المعالم كتلك التي أخفقت في توضيح أي شيء؟ هذه عينات من الأسئلة.

العلوم الإنسانية

الطبيعة البشرية، الذات، الثقافة، الإثنوغرافيا (الأنثروبولوجيا الوصفية)

إن أعضاء أي صنف حيواني يأكلون جميعا غذاء متشابها، يبنون لهم مآوي متشابهة، يمارسون نفس عمليات التزاوج. على هذا الصعيد لا يعد البشر صنفا حيوانيا، فقط بعض أفعالهم متشابهة. التفكير في الوجود الإنساني كصنف يبدو شبيها بالأحيائية القصوى [=الأخذ بالتعليلات البيولوجية في تحليل الأوضاع الاجتماعية] كما سماها هايدجر.

هل هناك طريقة للحديث معايير عبر إنسانية (inter-human) ربما من نوع جديد تأخذ في الاعتبار المعاني المختلفة تماما التي تعطيها الثقافات حتى للألفاظ الأكثر عالمية مثل: جسم، دين، شخص، زواج..إلخ؟

بأي لغة يستطيع الشخص الإجابة عن السؤال؟

هذه معضلة حقيقية ليس فقط بسبب النسبية الثقافية والمفهومية، وإنما لأن ما يقوله الشخص باللغة عن اللغة سيكون مختلفا، لن يكون شاملا للآلية المتطورة للغة.

لا أحد يزعم الفرار خارج إطار اللغة وإجراء ملاحظات واستنتاجات من هناك –عن طريق الألفاظ بالطبع- سواء فيما يتعلق باللغة أو عن أي شيء قبل اللغة أو بدونها.

التطبيق، التجربة، الجسم، الولادة، الطب النفسي

مع أن الأشخاص يعيشون فقط ضمن سياقات تاريخية وثقافية ولسانية، كيف يمكن للشيء المدعو "الخبرة" أن يلعب دورا ما في تفكيرنا؟ نحن نعل أن اليقينيات لا يمكن أن تتجسد في خبرة يفترض أنها محايدة. ورغم أن كل وصف يحمل مفاهيمه وتصنيفاته فنحن نعلم أنه لا توجد تقارير مسحية محايدة تماما. الرؤى والنماذج التي أفرزتها التطبيقات المتخصصة للقانون أو الطب النفسي أو من حركات مثل (النسوية) ربما تلقي أضواء كاشفة على السؤال التالي:

هل هناك صيغة من التفكير حول ما يُلجئنا لاستحضار التطبيق، أو التجربة، أو الجسم، أو الطب النفسي، أو خبرة الولادة، أو أي شيء آخر غير مشتق تماما من المتصورات اللسانية والتاريخية والثقافية؟

على الكفة الأول يبدو هنالك موضوع ذاتي، وعلى الكفة الأخرى –باستثناء النقد غير الحصيف- كيف يمكن أن يلعب هذا دورا في التفكير؟


البراغماتية الأمريكية


منذ أن أبرزها التحليل الألسني بأكسفورد إلى العلن سيطرت أعمال بيرس وجيمس وديوي على الجامعات الأمريكية. كانت روحها الأساسية شيئا من الإجابة عن البواكير الأولى لسؤالنا.

توظف البراغماتية (الذرائعية) عند التمعن مجموعة من الاتجاهات للوصول إلى طريقة لإجراء تطبيقات أكثر طبيعية. ثمة شيء يراوغ بزعمه حتمية التأويلات المختلفة، ولكن –على النقيض من هذا- نجد أن التصورات والقيم يمكن النظر إليها على أنها نتاج التطبيق الواقعي ومعدّلة بواسطته. المحاولات الحالية لإعادة اكتشاف هذا لم يحالفها النجاح ولم تحظ بترحيب واسع. علينا أولا أن ننقذ البراغماتية من الانحراف التبسيطي الذي منحها سمعتها السيئة: يبدو معيارها هو (ماذا يعمل) دون السؤال عن الغايات المفترضة بالطبع، عندما يُقال إن شيئا ما يعمل أو لا يعمل. هل نستطيع أن نعرف كيف ترد البراغماتية على هذه التهمة؟


كما هو شأنه مع الفلسفة والنظرية والعلم، يحدثنا ويتغنستين فقط عن المكان الذي نتكلم فيه عادة: وسط المحيط السياقي حيث تحيل الألفاظ إلى معانيها، وسط التغيرات في السياق الذي تتولد فيه الألفاظ. يبدو أن هذا سيقودنا إلى النقطة التي تطرح قضية أن كل اليقنيات تنبع من مركز له سياقه الخاص. هل هي إمكانية متقدمة نجدها عند ويتغنستين حين نقرأه، ليس عن طريق الملاحظة الخارجية كما بناها بنفسه بل بالحديث في السياق ومن خلاله؟

الفينومينولوجيا (علم الظاهرات)


لا أحد يستطيع تقديم وصف محايد عن الظاهرات، ولكن هل هناك شيء سوى التأمل يستطيع أن يلعب دورا ما في نوع التفكير الذي يمكن الزعم بأنه ظاهراتي؟

ذواتنا: الذات، الأنا

أهو صحيح حقا –كما أُكّد مؤخرا- أننا لا نستطيع أن نقول شيئا عن ذواتنا إذا ما رفضنا ثنائية (الذات/الموضوع) البالية وبقية التصورات الممجوجة؟

فضح القيم الزائفة

إن الافتقار إلى الأرضيات لأي اتجاه أو تصنيف فتح الباب بمصراعيه أمام النقد الذي تهيمن عليه الاتجاهات (النسوية) و المناهضة للكولونيالية وحركات التحرر الأخرى. ولكن هذه الحركات اتجهت ضمنيا للنقد وانساقت وراء ما بعد الحداثة التي تحمل في طياتها أن الحرية غير ممكنة؛ لأن بعض التصنيفات والفروقات والتحكمات الاجتماعية ستبادر دائما لإعادة تطويق أية محاولة تحرر. بالنظر على هذين التيارين لما بعد الحداثة هل أصبح باستطاعتنا فضح التصور الذي انتقلت عن طريقه كل التصنيفات إلى العالم الغربي بدلا من الدفاع عن (إيفان) دوستويفسكي أو الثقافة (الأرقى) لشخص ما ، أو طبقة، أو اقتصاد السوق (الحر)؟



*من أعمال مؤتمر حول (ما بعد بعد الحداثة)، جامعة شيكاغو (1997).

1 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email