الماركسيون المحدثون 2


الأوروبيون خصوصاً، اقترحوا على التجربة الاشتراكية السوفييتية والعالمية برمتها، أفقاً نقدياً رحباً يمنحها واجب وحق، استعادة مبادرة الشعوب المناضلة من أجل الانتقال إلى مستقبل مختلف. الأوروبيون، أيضاً، باشتراكيتهم النقدية، تعرّضوا للقصف الأيديولوجي الدوغمائي، ما فوّت على تلك التجربة فرصتها لاستعادة حيويتها. وفات على الشيوعية التقليدية فرصة نادرة لا تتكرر أن تأخذ بالمقترحات الاشتراكية الأوروبية المتعلقة بالدور المحوري للنضال البرلماني، كأحد الطرق الممكنة للتغيير السياسي.

ذلك هو الدرس الذي نود أن نسأل عن إمكانية تفادي تكراره المأساوي في تجاربنا المحلية الصغيرة، ونحن نواجه أقدارنا ومصائرنا الجديدة. أقول (نسأل)، لئلا يتبرع شخصٌ ويطرح علينا الصوت صادحاً: لا صوت يعلو فوق صوت «المعركة»… فيما نخسرها.


10

سوف يتحتم دوماً عدم التأخر عن السؤال المتعلق بموقف الماركسيين المحدثين من مسألة الدين ونقده. وعلى الرغم من الغيم الكثيف الذي يتماهى معه هؤلاء كلما تعلق الأمر بالدين (والدين السياسي استتباعاً)، إلا انه سؤال يتوجب عدم تفاديه، وجعله قنديلاً ساطعاً بمشاغلنا العامة، في خضم ملابسات الواقع (الواضحة). ولأن تجربة معظم الماركسيين المحدثين مع أصحاب الدين السياسي بالغة الحرج والتعقيد، فسوف نحتاج للمزيد من الصبر على أسئلة شافية، لكن بدون الخضوع لوهم حتمية مجابهة مسألة الدين، الآن، وحالاً، تحت طائلة العمل الجماهيري الذي يسعى إليه الشيوعيون في مجتمع متخلف.



11

لم نصادف حتى الآن موقفاً نقدياً إزاء تجربة العلاقة (التحالف) مع القوى الدينية في السنوات العشرين الاخيرة. وكلما توقفنا أمام هذه التجربة نتذكر الإشارة المبكرة التي ساقها العفيف الأخضر عن الأحزاب (الماركسية اللينينية) العربية التي (تُداهن الدين، ساكتة على مضضٍ عليه)، وقد مات العفيف الأخضر وهو يلاحظ حالة هؤلاء مع أولئك، تنتقل الى مرحلة (العناق) محرّفة كل ما هو ثوري، ما يجعلنا لا نفاجأ بالحرج الذي تدفعنا إليه هذه الأحزاب، وهي تسهر على (تحديث) الماركسية على هواها، أكثر من عنايتها بتفادي الإخفاقات الأيديولوجية الاستراتيجية، أو معالجتها، تلك الإخفاقات التي جرتنا إليها تجربة تلك الأحزاب في حقبة التأسيس في النصف الأول من القرن السابق، حيث كان الدين على رأس قائمة الأعداء في مجتمع متدين، وترتيب أولويات برامجها بناء على ذلك. وها نحن لا نزال نجني تركة تلك البرامج.


12

ديكتاتورية الرأي


عندما كنا ندرس أصول الماركسية، التي جئنا إليها بعد تربية قومية (بآلية فاشية)، تلقينا مفهومَيّ الديمقراطية المركزية وديكتاتورية البروليتاريا، بوصفهما شرطاً لازماً لتحقيق «انتصار» الطبقة العاملة. وقتها لم يكن يخالج أحدنا شكٌ في تعبير «ديكتاتورية» البروليتاريا، وهو ينفي طبقات الشعب الأخرى. لكأن تداول الدور الطبقي مع الطبقات الحاكمة لا يشكل قلقاً يتصل بكوننا سنكون على شاكلة ما نسعى للتخلص من عبئه.

منذ ذلك الوقت بقيت الماركسية، في ممارستها العربية، تنطوي على البذرة القاتلة في بنيتها الفكرية. ولكي تتفادى القيادات الكلاسيكية التي ظلت تحكم مسار الأيديولوجية الحزبية، تتوارث القيادة، مستقرة في مكانها بوصفها (قيادة تاريخية) عاملة على عزل الشباب القلق عن مواقع القيادة، مؤكدة حاجة الحزب لقيادات التجربة، مستبعدة الشباب عن التجربة.

13

واستكمالاً موضوعياً لهيمنة (القيادات التاريخية)، سوف نفتقد الممارسة النقدية التي تعلمناها في الدروس المبكرة للماركسية، نحن الذين تربينا على النقد والنقد الذاتي، ها نحن، فيما نجتاز التجارب الكثيرة المتراكمة، ونتجرع مرارة الخسارات المتلاحقة، لا نصادف موقفاً نقدياً واحداً يطرح الأسئلة على تلك التجارب، حيث ينظر أصحاب الماركسية التاريخيين أن أي نقد الآن هو بمثابة إشارة غير مستحبة للمسّ بقداسة الفكرة الماركسية. أكثر من هذا سوف يقال لنا إن الوقت غير مناسب للنقد والنقد الذاتي.


14

تبقى الحتمية التاريخية، واحدة من مسلمات الماركسية المحجوبة عن المراجعة. فالإيمـــــان الماركســـي، متمثلاً في هذه الحتمية هو اعتقاد صميمي في الماركسية، ويمكننا اكتشاف كم أن (الماركسية المحدثة) سوف لن تُقدم على إعادة النظر في هذه الحتمية وهي تصدر عمّا يضاهي الإيمان الديني في حياتنا.


15

وفي غياب النقد والنقد الذاتي سيتاح لأصحاب (الماركسية المحدثة) إطلاق اجتهاداتهم السياسية، حتى أنك إذا أردت أن تسأل عن مفهوم العمل الجبهوي في النضال السياسي العلني، سوف تصطدم بفكرة جهلك للظروف الموضوعية التي تفرض علاقة غير موضوعية مع أصحاب الدين السياسي، بدون أن تعرف أسباب جهلك، وعناصر فهم أصحاب (الماركسية المحدثة). فإذا اتفقنا على الحق الوطني للجميع، بوصفهم الوطني وليس بوصفهم الديني، سوف تتوقع المساواة متاحة لأن تطرح رأيك النقدي الحر وموقفك من الدين واستغلاله سياسيا، مثلما يطرح المتدينون رأيهم ونقدهم الحر للأفكار الأخرى. على أن يظل الدين في مكانه عندما يتعلق الأمر بالحوار السياسي أو الفكري في الممارسة السياسية. فليس من العدل أن يفرض أصحاب الدين مواقفهم بحجة قداسة مصادرهم ومراجعهم. في (الماركسية المحدثة) ستكون عنصراً مشاغباً إذا أنت رأيت رأياً مختلفاً. وربما تعرضت للمجابهة والاستعداء، إذا بالغت ساعياً لتوضيح رأيك لغيرك. ثمة فرق بين التعاون والتنسيق مع القوى الأخرى، ومن بينهم الدينيون، وبين أن تتخلى عن مسافتك النقدية وحقك في الرفض والقبول العلني. بهذا المعنى، لا نفهم الحدود التي يذهب إليها (الرفاق)، بدون تجاوز طبيعة التحليل الماركسية العلمية لمسألة جبهة العمل السياسي.


16

تُرى، هل النسيان (الثوري) يشمل المنظورات الجوهرية للماركسية، حتى باتَ نقد الغفلة والسهو ضرباً من المحظورات في زمن الماركسيين المحدثين؟

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email