هل عرف الشيخ محمد صالح خنجي إمانويل كانط؟ أو "الدين في حدود مجرد العقل" على الطريقة البحري

في ذاكرة الثقافة والتعليم الحديث في البحرين، هناك رجل أخذ اسمه وذكره يتلاشى تدريجياً من هذه الذاكرة، وذلك على الرغم من أهميته وأنه نذر عمره كله في التعليم ومن أجل الثقافة. ذلك هو الشيخ محمد صالح يوسف خنجي، وهو مثقف أزهري وُلد في العام 1880، وكان يتردد على منتدى الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، وينهل من مكتبته في المحرق منذ أواخر القرن التاسع عشر، ثم التحق بالدراسة في جامعة الأزهر في العام 1899/1900، وعاد إلى البحرين في العام 1902، أي إنه كان يدرس في الأزهر في الفترة التي عّيّن فيها الشيخ محمد عبده مفتياً للديار المصرية، فقد عُيّن في العام 1899، وشرع فور تعيينه في تطبيق خطته لإصلاح الأزهر الشريف (كان قبل ذلك عضواً في مجلس إدارة الأزهر الذي كان برئاسة الشيخ حسونة النواوي).

وإذا كان صحيحاً أن بنود هذه الخطة الإصلاحية لم تطبّق بصورة كاملة، فإنه من المؤكد أن الشيخ محمد صالح استفاد من هذا الإصلاح، ومن تلك الأجواء الإصلاحية والمنفتحة التي كانت تهيمن على مصر في هذه السنوات، فقد صادف أن العام الذي التحق فيه الشيخ محمد صالح بالأزهر الشريف، وفي هذه الفترة كانت مصر مقراً لنخبة مثقفي النهضة الإصلاحية العربية آنذاك، من أمثال فرح أنطون وشبلي الشميل ورشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي وآخرين. وعلى هذا، فقد عاد الشيخ محمد صالح من الدراسة الأزهرية بعقل منفتح على كل جديد، وبروح إصلاحية متوثبة، فانخرط في سلسلة من الأنشطة الثقافية والتعليمية المتواصلة، فأدار مدرسة أهلية في المحرق درس فيها عبد الله الزايد، كما أسس مع تسعة من رفاقه "نادي إقبال أوال الليلي" ومكتبته، وانتخب رئيساً له، إلا أن النادي سرعان ما أغلق فاضطر إلى السفر للعمل في بومبي، وعاد ليكون كاتب الإدارة الخيرية للتعليم وهي اللجنة المكلفة بالإشراف وإدارة مدرسة الهدية الخليفية منذ العام 1919، ثم عُيّن في الثلاثينات معاوناً لرئيس بلدية المحرق، إلا أنه التحق بسلك التعليم في أوائل الأربعينات، وبقي فيه حتى وفاته في العام 1966. وعلى هذا يمكننا أن نقول بأن هذا الأزهري المتنور كان قد نذر حياته من أجل التعليم والثقافة في البحرين على مدى أكثر من نصف قرن.

لكن لماذا الإشارة إلى هذا الأزهري المتنور؟ يرجع السبب في ذلك إلى قدرة هذا الرجل على التأصيل الفكري والديني للتسامح وأصل الحاجة إليه. إن التعليم الحديث مدين لهذا الرجل بمقالة مهمة كتبها ليسجل فيها مجريات الاحتفال بوضع حجر الأساس لمدرسة الهداية الخليفية والخطب التي ألقيت بهذه المناسبة. كتب الشيخ محمد صالح مقالة بعنوان "الحياة الجديدة في البحرين"، وأرسلها في العام 1920 للنشر في مجلة الهلال المصرية. وهو يفتتح هذه المقالة بالتذكير بالطبيعة الجزرية للبحرين، حيث "جزرة البحرين الواقعة في الخليج" يتمتع "جميع أهاليها وسكانها على اختلاف مذاهبهم والأديان بكل الطمأنينة والرفاهية"، وفي المقالة أيضاً، يعبّر عن رؤاه الكونية الإنسانية وروحه المنفتحة والمتسامحة والمحبة للوفاق والتآلف والأخوة الإنسانية، فيقول: "أيها السادة، ما أحسن الاتحاد والاتفاق والاجتماع والوفاق والمحبة والتآلف بين العناصر والأجناس، وما أجمل ارتباط العالم الإنساني بالمحبة المتبادلة والمودة المشتركة لتبادل المصالح والمنافع وارتباط العالم بعضه ببعض، فالخير في أن يعيشوا أصدقاء، ويحسبوا أنفسهم أخوة أشقاء".

إلا أن الأهم من هذه الإشارات العابرة أن للشيخ محمد صالح خطبة ألقاه في نادي إقبال أوال الذي كان يرأسه في العام 1913. وهي خطبة عن الأديان، وفيها يقدم تأصيلاً مبكراً وشجاعاً للتسامح بين البشر إلى درجة أن الرجل الذي حفظ لنا معلومات سيرية عامة عن حياته، أقصد المرحوم مبارك الخاطر، لم يتورع عن اتهام الشيخ محمد صالح بأنه "يتحدث بلهجة استشراقية تبشيرية" في خطبه ومحاضراته.

وهو اتهام سبق لمبارك الخاطر نفسه أن وجهه لناصر الخيري، زميل الشيخ محمد صالح في تأسيس نادي إقبال أوال، وذلك بعد رسالة أسئلة الحج الشهيرة التي أرسلها ناصر إلى رشيد رضا، صاحب مجلة المنار. فبعد أن أثبت مبارك الخاطر رسالة ناصر كاملة، ذيّلها بتعليق يقول فيه بأن هذه الرسالة "تعج بتعبيرات تعد آنذاك من تعبيرات المبشرين والمستشرقين حينما كانوا يحاولون النيل من الشعائر الإسلامية"، وكأنه يريد أن يقول بأن ناصر الخيري والشيخ محمد صالح خنجي قد تأثرا بأفكار المبشرين والمستشرقين، وذلك في تجاهل شبه كامل للمنحى التنويري والتسامحي الذي كان يسلكه ناصر والشيخ محمد صالح ورفاقهما آنذاك. وهو موقف كان موضع انتقاد ناصر الخيري عندما انتقد، ذات مرة، الفقهاء ورجال الدين الجامدين الذين كانوا يكرهون "مطالعة الجرائد والمجلات العلمية، ويكرهون جميع الكتب العصرية على اختلاف أنواعها ومشاربها، ويسمون أصحابها مبتدعة لخروجهم في التأليف عما ألفوه من قديم، ويغالي بعضهم بتكفير من يقرأها وتفسيقه".

على الطرف النقيض من هذا الجمود والارتياب من كل فكر جديد وعصري آنذاك، كان الشيخ محمد صالح أزهرياً متنوراً ومتحلياً بأخلاقيات إنسانية كونية نادرة في هذه الحقبة من تاريخ الثقافة في البحرين. وهو ما تكشف عنه هذه الخطبة التي نحن بصدد مقاربتها، حيث يقدّم الشيخ محمد صالح، في هذه الخطبة، وعياً مبكراً بأكبر خطر يهدد التسامح بين الجماعات المتنوعة، وهو التعصب الديني المغلق والذي يجعل أصحابه يعتقدون، على نحو يقيني ومطلق وحاسم، بأنهم هم وحدهم يمتلكون "الحقيقة المطلق"، و"الدين الحق"، و"الفرقة الناجية"، وعلى "الصراط المستقيم"، وأن كل من عداهم مهرطقون وهالكون وسائرون إلى جهنم غير مأسوف عليهم. ومن هنا، فإن المهمة الأولى التي أمام أي مثقف مستنير في ذلك العصر هي تفكيك هذا "العقل اللاهوتي المغلق" ومواجهة هذا التعصب الديني الخطير. وهي المهمة التي اضطلع بها الشيخ محمد صالح بشجاعة منقطعة النظير في هذه الفترة المبكرة من عمر الثقافة الحديثة في البحرين.

قبل سنوات طويلة من ظهور أبرز أطروحات "القراءات الحداثية" للدين والنص الديني (عبد الكريم سروش، وفضل الرحمن مالك، وعبد المجيد الشرفي، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون وآخرين)، كان الشيخ محمد صالح قد توصل إلى أهمية الحاجة إلى تقديم قراءة "حداثية" للدين والشريعة بحيث تسمح بالتمييز بين ما هو جوهري في الدين، وما هو تاريخي في الشريعة. فقد ميّز، في خطبته، بين الدين والشريعة، وهو يرى أن "الأديان الحقة بأسرها متحدة في الغاية والمقصد والغرض"، أما الاختلاف فيما بينها فيكمن في "الأساليب المتنوعة التي تشرّع للإيصال إلى تلك الأغراض المتحدة والمطالب المتفقة". ويطلق على هذه الغاية اسم الدين، وعلى الأساليب المتنوعة اسم الشريعة، فإن الدين، في جوهره، واحد، فيما الشرائع متنوعة. والوظيفة الأساسية للدين وظيفة روحية وأخلاقية وتتصل "بتطهير الأخلاق وتهذيب الأنفس وتزكية الأرواح"، في حين أن الشرائع تؤدي وظائف دنيوية وتتعلق "بسياسة البشر في أحوالهم المدنية وشئونهم الجنائية والسياسية". والدين بهذه الصفة مسألة روحية وقلبية وأخلاقية، وهو واحد وثابت لا يتغيّر في كل الديانات؛ لأنه الغاية المقصودة لذاتها، في حين أن الشرائع، بوصفها أساليب لتحقيق تلك الغاية عبر "صور العبادات وأنواع الرياضات والنظامات والقوانين والقواعد"، فإنها تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان والظروف وأحوال الاجتماع والعمران وطبيعة الإنسان، بل إن "الشريعة تتغيّر أدوارها في أدوار النبي الواحد، وفي أدوار أمته". والشريعة بما هي كذلك ينبغي أن تكون "مؤسسة على القاعدة الكلية الشرعية وهي درء المفاسد وجلب المصالح". أما المعنيون بتقرير هذه المصالح فلا ينحصرون برجال الدين، بل يفتح الشيخ محمد صالح مفهوم "طاعة أولي الأمر"، مستنداً على رأي رشيد رضا، على طائفة واسعة من أهل الاختصاص والخبرة والمعرفة، وهم "العلماء، والرؤساء في الجيش والمصالح العامة كالتجارة والصناعة والزراعة، وكذا رؤساء العمّال والأحزاب، ومديرو الجرائد المحترمة، ورؤساء تحريرها".


يمضي الشيخ محمد صالح قُدُماً بشجاعة منقطعة النظير ليحدد الدين في بعده الروحي والأخلاقي في ثلاثة أصول لا غير، وهي: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح. وهي الأصول الثلاثة التي تشير إليها الآية القرآنية الكريمة: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة/62). ويؤسّس على هذا الفهم قناعته بأن "نجاة البشر وسعادتهم" إنما ترتبط بهذه الأصول الثلاثة، و"حيثما وجدت في أي زمان من الأزمنة، وأي مكان من الأمكنة، ومجموعة في أي ملة من الملل، وأي طائفة من الطوائف، فهنالك السعادة، وهنالك الأخلاق الفاضلة التي عليها مدار الأمم وارتقاؤها". ولا عبرة، هنا، باختلاف الديانات، فالمسلم واليهودي والمسيحي وغيرهم من أبناء الديانات الأخرى ممن أمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً، فكل هؤلاء تشملهم السعادة والنجاة. أما الإسلام فإن الشيخ محمد صالح يذهب في تأويله إلى أن المقصود بالاسم هو معناه الحرفي أي "الدخول في السلم الذي هو مسالمة المؤمنين". وهو ما يسمح للشيخ بالاستنتاج بأن الإسلام، أي كدين مسالمة المؤمنين، هو "دين جميع الأنبياء والمرسلين"، وهو "الدين العام لجميع أمم المستقبل".

ومما يدلّ على أن الشيخ محمد صالح كان يتبنى هذه الأفكار الإصلاحية عن قناعة وتأصيل، أنه أعاد التذكير بها بعد مرور تسع سنوات على هذه الخطبة. فحين زار أمين الريحاني البحرين، وجرى تكريمه في النادي الأدبي بالمحرق في العام 1922، قام الشيخ محمد صالح وقال مخاطباً الريحاني: "إن الأديان الحنيفة روحها واحد، وإنما تختلف الشرائع التي تتضمن أحكام المرافعات وفصل الخصومات، فالأديان بروحها ومغزاها تدعو للاجتماع والاتحاد، والشرقيون كلهم عائلة واحدة، وخلاصهم وسعادتهم في أن يسود النظام بينهم والوفاق والتضامن". نحن هنا أمام الأفكار ذاتها، أي التمييز بين الدين والشرائع، وتلك الروح الإنسانية المحبة للوفاق والتضامن والسلم والمسالمة بين البشر.

هل هذه أفكار تبشيرية واستشراقية؟ إن التدقيق في فكر هؤلاء الروّاد إنما يكشف أن الفكر الذي تأثروا به لم يكن تبشيرياً ولا استشراقياً على الإطلاق، بل هو فكر التسامح الذي ميّز عصر التنوير الأوروبي منذ القرن السابع عشر مع "رسالة في التسامح" (1689) لجون لوك، و"رسالة في التسامح" (1763) لفولتير، وميّز الفكر العربي الإصلاحي في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين أي في الفترة التي كان الشيخ محمد صالح يتلقى تعليمه في الأزهر الشريف. والحقيقة أن تهمة التأثر بالتبشير والاستشراق في فكر هؤلاء الرواد لا تنم إلا عن قصور في فهم صاحبها لحقيقة التبشير والاستشراق وفكر التنوير؛ لأن الاستشراق يكشف، في معظمه، عن نظرة دونية تجاه العرب والإسلام، كما أن التبشير ينهض على تصور يقيني مطلق بأحقية الدين المسيحي وبطلان الأديان الأخرى. والحاصل أن مرتكزات خطبة الشيخ محمد صالح تقع على طرفي نقيض مع هذه الأفكار المغلقة. فهو يوسّع آفاق السعادة والنجاة ليفتحها على كل الديانات، ويضع هذه الأخيرة كلها على قدم المساواة دون تفاضل مطلق. والمقارنة السريعة بين خطبة الشيخ محمد صالح ورسالتي "التسامح" لجون لوك وفولتير تكشف حجم التشابه بينها. يفتتح جون لوك رسالته بالتشديد على أهمية التسامح بين المسيحيين وبين "البشرية بمن فيها من غير المسيحيين"، ويقدم نقداً قاسياً لنشاطات التبشير التي ترمي إلى "إجبار الناس على اعتناق آراء معينة، والانتماء إلى عبادات وطقوس معينة بغض النظر عن الجانب الأخلاقي". وهو يميّز بين الدين كإيمان داخلي وما سواه من عبادات برانية وطقوس وسياسات وأساليب عقابية وقهر. إن وظيفة الدين الحق، كما يقول، هي "تنظيم حياة البشر استناداً إلى قواعد الفضيلة والتقوى"، كما أن غاية الدين تتجسد في الخلاص الروحي. وعلى هذا فإن الديانات تتساوى في جوهرها، الأمر الذي يحتمّ ضرورة "التسامح بين أولئك الذين يعتقدون عقائد مختلفة في أمور الدين"، وأن هذا التسامح "يتسق مع العهد الجديد الذي أتى به السيد المسيح، كما يتمشى مع مقتضيات العقل الإنساني الحق".

من الصعب أن يكون الشيخ محمد صالح قد تأثر في تأصيله للتسامح بأفكار جمال الدين الأفغاني الذي لم يكن يرى في التسامح سوى أنه واجهة استعمارية براقة تخفي وراءها "قصداً معيناً هو النيل من وحدة الأمة". ولا يبدو أنه استقى هذا التسامح من فكر الشيخ محمد عبده على الرغم من انفتاح الشيخ الإمام واعتداله وتأصيله للتسامح في الإسلام بمنطق دفاعي لا يخلو من الهجوم على الديانات الأخرى مثل النصرانية. وهذا أمر جلي في السجالات التي دارت بين الشيخ محمد عبده والمسيو هانوتو، وزير خارجية فرنسا آنذاك، وبينه وبين فرح أنطون، صاحب مجلة "الجامعة". لا يتردّد الشيخ محمد عبده في التأكيد على "سماحة" الشريعة الإسلامية التي كانت "تسع العالم بأسره"، وذلك "أيام كان الإسلام إسلاماً"، كما لا يتردد في القول بأن التسامح (ومودة المخالفين في العقيدة كما يسميه) أصل من أصول الإسلام، وهو الأصل الذي يكتسب صلابته من حقيقة أساسية وهي أن "الدين معاملة بين العبد وربه"، أي إن الدين علاقة قلبية وخاصة بين الإنسان وربه، وما في القلب لا يعلمه إلا الله، ولا يحاسب عليه إلا هو، وليس من حق أحد من المخلوقين أن يحاسب أحداً على ما في القلب من عقيدة. لكن التأمل في أفكار رائد تنويري آخر انخرط مع الشيخ محمد عبده في سجال رفيع المستوى حول قضايا التسامح والدولة والأديان وحرية الاعتقاد، نقصد بذلك فرح أنطون، يكشف مدى التقارب بين أفكار فرح أنطون عن التسامح (أو التساهل كما كان يسميه) وتأصيل الشيخ محمد صالح للتسامح ووحدة الأديان. لقد دار ذلك السجال على صفحات مجلة فرح أنطوح، مجلة "الجامعة"، في الوقت الذي كان الشيخ محمد صالح يدرس في الأزهر الشريف، وهو السجال الذي نشره فرح أنطون مع كتابه "فلسفة ابن رشد" في العام 1903.

قد يكون الشيخ محمد صالح استمد أفكاره التسامحية حول وحدة الأديان و"دين الحب" في التصوف الإسلامي الذي بلغ ذروة اكتماله مع الشيخ الأكبر ابن عربي (1165-1240) الذي كان يرى أن الأديان صور مختلفة لحقيقة واحدة، وأن كل الطرق تؤدي إلى الله، وأن الحق لا ينحصر في عقيدة دون أخرى. ولكن هذا لا يمنع من الإشارة إلى التشابه الكبير بين أفكار الشيخ محمد صالح وتصور فرح أنطون عن الدين. وبالنسبة لفرح أنطون، فإن الدولة الحديثة ينبغي أن تتأسس على ضرورة الفصل بين الدولة (السلطة المدنية) والدين (السلطة الدينية)، وهذا لا يتحقق إلا بتأسيس الدولة على التسامح، وعلى احترام الاعتقادات المختلفة؛ وذلك لأن الأديان في جوهرها واحدة، وغاية جميع الأديان واحدة وهي الخلاص الروحي والفضيلة (تهذيب الأخلاق). وعلى هذا "تصير الأديان كلها طرقاً للفضيلة والصلاح والوئام". كما أن "طبائع الأديان كلها منزهة عن الشر وداعية إلى الخير، وكلها تستمد من الله لإصلاح شأن البشر"، أما غرض الأديان في الأرض فهو "تعليم الناس عبادة الله تعالى، وحثهم على الفضائل وإصلاح شؤونهم". وهذا غرض ثابت لا يتغيّر، لكن أحوال الناس تتغيّر بتغير الزمان والمكان والمقتضيات، الأمر الذي يحتم تغيّر الترتيبات والسياسات والقوانين التي يسميها فرح أنطون "السلطة المدنية" أي الدولة، ويسميها الشيخ محمد صالح "الشريعة".

يحيل كل من الشيخ محمد عبده وفرح أنطون، في واحد من سجالاتهما حول التسامح واضطهاد حرية الفكر والعقيدة في الإسلام والنصرانية، على التاريخ الإسلامي والأوروبي في العصور الوسطى، لكن الحقيقة أن التسامح كحاجة عامة ملحة وضرورية لم ينبثق إلا في أوروبا في القرن السادس عشر، وذلك في محاولة لاستيعاب الخلل الكبير وإصلاح الضرر والتفكك الذي أحدثته حركة الإصلاح الديني مع مارتن لوثر منذ العام 1517، ومع تصاعد ضراوة الحروب الدينية التي مزّقت أوروبا طوال القرنين السادس عشر والسابع عشر. إلا أن التسامح، في الأصل، قيمة أخلاقية وإنسانية كونية لا تمليها الظروف والمعطيات المتبدلة، لأنه ينبع من مبدأ الواجب المطلق كما يسميه إمانويل كانط، وهو الذي يعبّر عنه بقوله "لا تفعل الفعل إلا بما يتفق مع المسلمة التي تمكنك في نفس الوقت من أن تريد لها أن تصبح قانوناً عاماً". ويعبّر فولتير عن هذا الأمر المطلق والقانون الطبيعي الذي يعتبره "المبدأ الأعظم، والمبدأ العام لكل القوانين في كافة أرجاء المعمورة، ويتلخص كالآتي: "لا تفعل ما لا ترغب في أن يُفعل بك". فإذا قال إنسان لآخر: "آمن بما أؤمن به وإلا كان مصيرك القتل أو الهلاك"، فإن كان من حق هذا الإنسان أن يقول ويتصرف بناء على هذا، فإن هذا يصبح حقاً عاماً وقانوناً كونياً، أي إنه من حق إنسان آخر أيضاً أن يرد على الأول بالمثل، ويفعل به الأمر ذاته؛ لأن الفعل الأخلاقي هو ما يقبل أن يصبح "قانوناً كونياً"، أي إن على البشرية جمعاء أن تقوم به. ومن هنا يكون التعصب والتحامل والكراهية، وهو نقيض التسامح، شراً أخلاقياً؛ لأنه لا يقبل أن يصير "قانوناً كونياً"، وفي حال حصل ذلك، فإن مصير البشرية كلها سيكون مهدداً بالخطر. أما الذي يصلح ليكون قانوناً كونياً ويشتمل على تشريع واقعي لأفعالنا فهو التسامح واحترام الآخر المختلف وتقدير كرامته الإنسانية وحقه الأصيل في أن يكون ما يريد أن يكون عليه، وفي أن يكون مختلفاً، وفي عدم مصادرة حقه في الإرادة الحرة وحرية الاختيار.

والإشارة إلى إمانويل كانط هنا ليست عرضية؛ وذلك لأن التشابه المذهل بين أفكار كانط عن الدين، وأفكار الشيخ محمد صالح خنجي تغري بالمقارنة بينهما. لقد ميّز كانط، قبل الشيخ محمد صالح بأكثر من قرن أي في العام 1793 عندما صدر كتابه "الدين في حدود مجرد العقل"، بين الدين الأخلاقي أو العقلي المحض، والمعتقدات الطقوسية والشعائرية. ورأى أن الدين العقلي والأخلاقي هو الدين الكوني والمجرد من أية إضافات تتصل بالأحكام والشريعة والطقوس والشعائر. إن الدين الأخلاقي المحض دين كوني لكل العالم ويتأسس على "الواجب الأخلاقي" وحده، وهو واجب مجرد من الإكراه، لأنه لا يقع سوى "تحت قوانين الفضيلة بمجردها"، في حين تكون المعتقدات الأخرى معتقدات تاريخية ومحلية وتخص شعباً معيناً في زمن ومكان معينين. وعلى هذا فنحن أمام نوعين من الإيمان: الأول إيمان عقلي وأخلاقي محض وكوني وصالح لكل زمان ومكان، وهو ما يسميه الشيخ محمد صالح بـ"الدين العام" لجميع الأنبياء والمرسلين ولجميع الأمم في الماضي والمستقبل، والإيمان الثاني إيمان تاريخي ومحلي وخاضع "تحت ظروف الزمان والمكان"، وهو ما يسميه الشيخ محمد صالح بالشريعة التي تتعدد وتتغير بتغير الزمان والمكان والظروف وأحوال العمران.

يتجاوز التشابه بين أفكار الاثنين هذا المستوى، فكانط كان يرى أن الإيمان العقلي المحض هو وحده الذي يستحق أن نسميه "الدين"، أما ضروب الإيمان التاريخي فيسميها "معتقدات". وبالنسبة إلى كانط فإن الأصل الذي يتأسس عليه الدين هو أصلاً أخلاقي غرضه "التحسين الخلقي للإنسان"، فهذه هي الغاية الأساسية لكل دين عقلي. وبما أن كل دين عقلي غرضه أخلاقي محض، فإن كل الأديان هي في الأصل دين واحد، لان الدين العقلي المحض لا يسمح "أن نفكر إلا في إله واحد، وبالتالي أيضاً، إلا في دين واحد، هو يكون خلقياً محضاً". وبتعبير آخر فإنه "لا يوجد إلا دين حق واحد، إلا أنه يمكن أن يكون ثمة ضروب كثيرة من المعتقدات".

بالنسبة إلى كانط أيضاً، فإن الدين العقلي المحض يتأسس على الأخلاق، وهذه لا تتأسس على شيء سوى حريتنا أو إرادتنا الحرة كبشر في التوافق مع الواجب الأخلاقي أو الانحراف عنه، بمعنى أن ما يجعلنا خيرين أو شريرين ليس طبيعتنا الخيرة أو الشريرة (بالرغم من اعتراف كانط بأن هناك نزوعاً واستعداداً طبيعيين للشر والخير في الإنسان)، بل إرادتنا الحرة في أن نفعل الخير أو الشر. والحقيقة أن التسامح ينطوي، في جوهره، على اعتراف أكيد بالإرادة الحرة وحرية الاختيار التي يمتلكها كل إنسان، وعلى هذا يكون التعصب هو محاولة لمصادرة هذه الإرادة من البشر. وفي الكتب المقدسة تأصيل لذلك على نحو صريح أو ضمني. فهناك آيات في القرآن الكريم تتكرر بأكثر من صيغة لتشدد على معنى أساسي واحد وهو امتناع إرادة الله سبحانه وتعالى عن توحيد الناس في أمة واحدة: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" (هود/118)، و" وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً" (المائدة/48)، و" وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً" (النحل/93). والعارفزن بالنحو العربي يعرفون جيداً أن "لو" هي حرف "امتناع لامتناع" أو "انتفاء لانتفاء" أي امتناع جواب الشرط لامتناع فعل الشرط، وهنا يكون المعنى كالتالي: امتنع جعل الناس أمة واحدة لامتناع إرادة الله عن ذلك، وعلى هذا يكون التعصب الساعي إلى توحيد البشر كلهم وجعلهم أمة واحدة تدين بدين أو اعتقاد أو أيديولوجيا أو توجه واحد، يكون هذا النوع من التعصب بمثابة اجتراء آثم على إرادة الله. وفي تأويل آية "لا إكراه في الدين" (البقرة/256)، يذكر الفخر الرازي رأي المعتزلة القائل بأن "الله تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر، وإنما بناه على التمكن والاختيار"؛ أي إن الدين هو غير القابل للقهر والقسر والإكراه والإجبار، أي إنه الإيمان القلبي لأنه وحده غير القابل للإكراه، فلو كان الإيمان القلبي قابلاً للإكراه لسقط الغرض من الامتحان والابتلاء واستحقاق العقاب أو الثواب، وهذا "ينافي التكليف"، ولهذا امتنعت إرادة الله عن ذلك: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس/99). وليس من الصعب أن يستنتج أحدنا من هذه الآية، كما يشير الفخر الرازي، أن الإيمان المقصود هنا هو الإيمان بالقلب، وهذا لا سبيل لأحد على إكراه أحد عليه أو قهره إلا الله؛ لأن "القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق سبحانه وتعالى"، والله سبحانه وتعالى ما أراد ذلك، وانتفاء إرادة الله عن ذلك يفسح المجال أمام حرية إرادة الإنسان في الاختيار. وهو الأصل الذي ينبني عليه التسامح بما هو احترام لحرية الإنسان وإرادته الحرة. ويرى كانط إن إرادة الإنسان الخيرة حين تتوافق مع الواجب الأخلاقي المطلق فإنها تكون تجسيداً لإرادة الله الخيرة، وهي عمل بقانون الله المكتوب في القلب والروح، وكانط يفهم هذه الآيات من الإنجيل بهذا التأويل: "إن ملكوت الله يوجد في داخلكم" (إنجيل لوقا 22:17)، و"ليس كل من يقول لي: يا ربّ، يا ربّ، يدخل ملكوت السماوات، بل الذين يفعلون إرادة الرب" – (إنجيل متى 21:7).



1 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email