النقد ضد النيوليبرالية في الإنجيل

 

يؤكد العديد من المفكرين الليبراليين- قبل الاشتراكيين ودعاة الاقتصاد الاجتماعي- بأن العولمة النيوليبرالية جعلت الأفراد والمجتمعات بأسرها غير قادرة على السيطرة على جزء مهم من مصيرهم. فهؤلاء المفكرون الليبراليون يرون أن التأثيرات النيوليبرالية في تحرير أسواق رأس المال قد أدى إلى استسلام حكومات عديدة لشروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذَين يتحكمان في مصير التمويل المالي والنقدي للحكومات، وبالطبع فالحكومة الأمريكية وخلفها البنوك العملاقة ذات الأغلبية الصوتية في مجلس إدارة هذه المؤسسات هي التي تقرر؛ إما الاستسلام لشروطهم أو مواجهة أزمة مالية حادة.

 

(رغم نجاح بعض الحكومات ذات السيادة المستقلة والوعي الوطني القوي تمكنت من كسر وتحطيم هذا الشرط: الاستسلام أو الأزمة) وحتى في الدول الغنية الراسمالية -بما فيها الدولة الأمريكية ذاتها- فلا يحق للمواطنين العاديين أن يلاحقوا ويحاسبوا سياسات هذه المؤسسات النقدية والمالية المتحكمة، سواء في دفاعهم عن الحماية الاجتماعية، أو الأجور العادلة، أو الضرائب غير العادلة طبقياً وحسب الدخول والثروة. وسيكون ردهم- كنيوليبرالية متوحشة- جاهزاً؛ رفضكم لسياساتنا سيفقد بلدكم قدرته "التنافسية" وبالتالي ستختفي الوظائف وستزداد البطالة وينخفض النمو الاقتصادي، إلخ إلخ. النيوليبرالية الاقتصادية وعدت النخب السياسية- كما أشار إلى ذلك جوزيف ستيغلتزر في مقاله (نهاية النيوليبرالية والتاريخ يولد من جديد)- وعدت النخب بأن سياسات النيوليبرالية ستؤدي إلى نمو اقتصادي أسرع، وأن العوائد ستتقاطر إلى الأسفل طبقياً حتى يصبح الجميع بما فيهم الأكثر فقراً في حال أفضل. لكن شرط أن يقبل العمال بأجور أقل، ويتعين على جميع المواطنين أن يقبلوا ويوافقوا على التخفيضات في البرامج الحكومية. (أي أن يقبلوا سحب الدعم الحكومي على الخدمات الرئيسية للمواطنين من صحة وتعليم والوقود والكهرباء ودعم السلع الرئيسية وغيرها). وقبل أن نواصل في تبيان نتيجة هذا الطرح النيوليبرالي، فلنتعمق في مقولتهم "الجميلة" بأن هذه السياسات سترفع الطبقات السفلى إلى الأعلى!!.  ارتفاع المد يرفع اليخوت المترفة فقط.. هذه دراسة عن المساواة والنمو ويقول لوكاس الحائز على جائزة نوبل بأن " أكثر التوجهات إغراءً وضرراً في آن واحد هو التركيز على مبدأ توزيع الدخل" وقد أصر البحث أن السبب ليس في عدم المساواة بل في الفقر، ورأى أن إعادة التوزيع تبطيء النمو الاقتصادي، ونتيجة لذلك فإن محاولات تقليص تفاوت الدخل ستزيد من حالات الفقر، واستندت هذه الفكرة على دعامتين: 

1 -  أن الفقراء يستهلكون معظم دخلهم فمن المفيد أن يكون لدى الأغنياء ثروة أكثر استثمارا في المستقبل، فعدم المساواة في الدخل يزيد التوفير الدعامة. 

2 - أن تفاوت الدخل يحفّز الأفراد على العمل بجد أكبر ليزيدوا من حصّتهم، وهذه الادعاءات غير صحيحة، فعدم المساواة يخفّض النمو فعليا لأن الأغنياء استثمروا لكن الفقراء استدانوا أكثر.

3 - بدلا من أن تستنهض الطبقتان الفقيرة والمتوسطة اللتان تستهلكان السلع فينخفض عدد الزبائن وتقل عائدات الأعمال، وبدلا من منح حوافز للطبقتين الفقيرة والمتوسطة لتحسين أوضاعهما المعيشية، فقد أعطى التفاوت في الدخل لصالح الأغنياء وليس الفقراء. ووصل البحث إلى استنتاج أن عدم المساواة يعزز النمو للأغنياء فقط، ومن خلال الرسوم البيانية لهذه الدراسة اتضح التالي:

  1. بين الأعوام ١٩٦٠ وعام ١٩٧٠ كان مستوى عدم المساواة أقل، وكان النمو أقوى، وكان النمو يميل لصالح الفقراء. 

  2. خلال الأعوام ١٩٨٠ و ٢٠٠٠ كان النمو لصالح الأغنياء، إلا أن مكاسبهم لم تكن كافية للتعويض عن خسائرهم

  3. من ٢٠٠٠ جتى ٢٠١٠ كان النمو سيئا للغاية بالنسبة لجميع الطبقات بسبب الأزمة المالية الكبيرة غير أن نسبة النمو لم تكن نهائيًا لصالح الفقراء كما كانت في الفترات السابقة. 

تعمق الباحثون في هذه البيانات فوصلوا إلى نتيجة أن عدم المساواة يفيد الأغنياء ويوذي الفقراء. وقالوا (إن المد المرتفع لا يرفع جميع القوارب، وإنما يرفع اليخوت المترفة فقط)، وتشير نتائج هذه الدراسة إلى ما يلي: 

أولاً: أن عدم المساواة والذي يخفّض النمو ليس كافيا لإقناع الأغنياء بتقليص عدم التكافوء بينهم وبين الطبقات الأخرى. 

ثانياً: ثبت بشكل "مطلق" عدم صحة الفكرة بأن المد ( النمو الاقتصادي) المرتفع يرفع جميع القوارب حيث أنه من المخجل التصريح علنا بذلك، فقد ارتفع النمو بين الأعوام ١٩٦٠ و٢٠١٠ والناتج المحلي GDP بنسبة ٣.٢٪‏ إلا أن دخل ٦٥٪‏ الأكثر فقرا ارتفع فقط بنسبة ٠.٧٪‏. 

ثالثا: تخلص الدراسة إلى أنه ليس بالإمكان إقناع الأغنياء في مجتمع غير متكافيء أن يمارسوا سياسات أكثر عدلاً. 

 

فالنيوليبرالية في عصرنا الراهن وبسبب تنفيذ هذه السياسات النيوليبرالية في دولنا الريعية وبقية الدول النامية ذات السيادة الوطنية الضعيفة بل احياناً الغائبة!، قد بدأت أصلاً في فترة التاتشرية البريطانية والريغانية الأمريكية والتي شملت ممارساتها المتوحشة معظم دول العالم لغاية الآن! ويؤكد جوزيف في مقاله المشار إليه أعلاه أن نظرةً عامة على الإحصاءات توضح بأن لحظة تنفيذ السياسات النيوليبرالية قد تبطيء النمو، وذهبت ثمار هذا النمو في الأغلب الأعم إلى قلة قليلة للغاية عند القمة في الهرم الطبقي السكاني، مع ركود الأجور-بل تجميدها للأبد- إذن تدفقت الدخول والثروات إلى الطبقات العليا، بدلاً من التقاطر إلى الطبقات السفلى الفقيرة. هذه هي الخديعة النيوليبرالية، عبر شعارات رنانة مُغرية تتكلم عن الصبر وتحمّل الصدمات حالياً لتحقيق الرفاه والرفاهية والنمو مستقبلاً!. وعواقب هذه الخديعة تبرز للعيان الآن، فهناك انعدام الثقة حتى في النخب العليا. ورغم اتفاقي مع صاحب التحليلات المذكورة أعلاه بأن السبيل الوحيد لتقدم المجتمعات إلى الأمام وإنقاذ كوكبنا وحضاراتنا هو أن يولد التاريخ من جديد، وأن نعيد إحياء التنوير وأن نعيد التأكيد على التزامنا باحترام قيم الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة. ، إلا أن وجود نخب سياسية في أوطاننا يؤمنون بهكذا سياسات نيوليبرالية متوحشة لن تستطيع هذه المجتمعات تحقيق هذه القيم الإنسانية الراقية. إن النقد الفاضح للنيوليبرالية المتقدم ذكره ليس بجديد، بل هو قديم، لكن لم يهتم به الاقتصاديون كثيراً. إن هذه السياسات "المُغرية" لدى القادة السياسيين/الاقتصاديين في عالمنا العربي أدت إلى بطء النمو بدل زيادته، وأصبح الفقراء يزدادون فقراً والأثرياء في قمة الهرم يزدادون ثراءً، والأثرياء في وسط الهرم تتآكل ثرواتهم واستثماراتهم رويداً رويدا. ورغم توفير بعض "المهن والوظائف" إلا أنه وفي الواقع العملي تم اضمحلال "الحِرف".

 

النيوليبرالية في الإنجيل 

 

استعرض عالم الاجتماع الأمريكي روبرت ميرتون (1910-2003) هذه الظاهرة النيوليبرالية وأسماها "تأثير مَتّى"The Matthew Effect ، وذلك في إشارة إلى آية من الإنجيل وفق القديس مَتّى، تقول؛ (من كان معه يُعطى ويُزداد، ومن ليس معه يؤخذ منه حتى كل ما في حوزته). لنتأمل هذه الآية الإنجيلية وعمرها أكثر من ألفي عام، وقبل تنظيرات الماركسية والاشتراكية ودعاة الاقتصاد الاجتماعي والعدالة، وقبل تنظيرات النيوليبرالية التي كانت تتعامل مع الاقتصاد في بداياتها بشكل أخلاقي ديني باستخدام مقولات الإنجيل بهدف ربط الاقتصاد بالأخلاق والقيم الدينية، وكأنها تريد استرجاع عصور القرون الوسطى المظلمة بلغة حداثية مدنية معولمة!!. أليست النيوليبرالية التي تطالب بتجميد الأجور ورفع الدعم الحكومي على الخدمات العامة الرئيسية وفرض الضرائب على الجميع دون مراعاة نسبة الدخول والثروات وأرباح الشركات إلخ إلخ. أليست نتيجتها ما ورد في تلك الآية الإنجيلية القديمة؟ الغني يزداد غِنىً، والمعدوم يؤخذ منه من خلال رفع الدعم وتطبيق الضرائب عليه وووو. أي أن يصبحوا أكثر فقراً. في كتابه الجميل للبرفسور آلان دونو بعنوان "نظام التفاهة" تقول مترجمة الكتاب إلى اللغة العربية الدكتورة مشاعل الهاجري في مقدمة الكتاب، بأن السر في زيادة ثروة الأثرياء وزيادة فقر الفقراء لا يتعلق فقط برأس المال الاقتصادي، وإنما يتعلق برأس المال الاجتماعي، ذلك وفق الفكرة التي ناقشها الفيلسوف الفرنسي بيير بورديو (1930-2002) والتي يكمن معها تفسير الأمر بكون الثري يُمَكّنه ثراؤه من التمتع بعلاقات اجتماعية مفيدة تتيح له فرصاً عديدة للاستفادة والربح والنمو والتوسع، وهو ما لا يتوافر للفقير الذي ينتهي معه الأمر إلى تآكل ما لديه من رأس مال ضعيف أصلاً. هذا التحليل يعني بشكل فاضح ارتباط نمو ثروة الأثرياء بوجود "فساد" مالي وأخلاقي وإداري يساعد في نمو هذه الثروات للأثرياء، ويمنع تحسين أوضاع الفقراء، لذلك يساهم أيضاً في بطء النمو.

 

 

 

الخلاصة 

 

لم تكن النيوليبرالية منذ رؤية الإنجيل ولغاية الآن، فضاء وسماء مشرقة، لذلك كانت في فترات حديثة جداً مرفوضة ومنبوذة عند معظم المدارس الاقتصادية الرأسمالية، حتى في فترة ما قبل سيطرة وهيمنة الفلسفة الكينزية على الاقتصاد الرأسمالي، وبالأخص بعد الحرب العالمية الثانية، لكن رغم قلة المؤيدين للمدرسة النيوليبرالية في بداياتها، تمكنت بهدوء من السيطرة على المفاصل الأكاديمية الاقتصادية الأمريكية، وبالأخص الجامعات والمعاهد ومراكز البحوث العريقة، وبالتالي تم التأثير على مراكز صناعة القرار السياسي/ الاقتصادي الأمريكي. وكما يقول المثل: الناس على دين ملوكهم. وهكذا تبنَّى ملوك أمريكا من الرؤساء وبعدهم رؤساء بريطانيا، هذه النظرية المتوحشة التي أصبحت ديناً اقتصادياً مقدساً انتشر من ملوك الرأسمالية لحكام وملوك ورؤساء في العالم النامي، إلى وقتنا الراهن!!.

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد