تشرنوبل القصة التي ترفض الموت


هذا العام أعاد مسلسل ( تشرنوبل ) إلى الأذهان ، ذكريات الكارثة النووية الأشهر في التاريخ وأعني بها ( حادثة تشرنوبل) ،والتي وقعت في مدينة بريبيات شمال أوكرانيا عام 1986 م ،الحادثة التي خلفت وراءها أضراراً جسيمة صحية ومادية ، مما أستدعى اعلان المدينة فيما بعد كمدينة منكوبة ، بعد أن تم إخلائها منذ يوم الكارثة وحتى يومنا هذا.

يتكون المسلسل من خمس حلقات ، من كتابة كريج مازن وإخراج جون رينك ، وهو إنتاج مشترك بين شبكة ( Hbo ) وشبكة ( sky ) البريطانية .

تابعت المسلسل واستحضرت أثناء مشاهدته كتاب ( صلاة تشرنوبل ) للكاتبة الأوكرانية سفيتلانا أليكييفيتش ، الحاصلة على جائزة نوبل في الأدب عام 2015 م .

كنت قد قرأت الكتاب العام الماضي ،وقد نُشر في نسخته الأوكرانية عام 1997 م ، ويمكن اعتباره الكتاب الأول في العالم الذي تحدث بأصوات من حلت بهم الكارثة ، يقع الكتاب في 415 صفحة ، تناولت الكاتبة فيه قصص من تعرضوا للكارثة في شكل مونولوج يتحدث فيه كل فرد منهم عن حكايته وعن كل التغييرات والأضرار الجسدية والنفسية التي حدثت له.

تبدأ الكاتبة التمهيد لتلك القصص بذكر بعض الوثائق التاريخية عن انفجار محطة تشرنوبل النووية في أوكرانيا، وتتحدث عن أثارها الكارثية التي تعرض لها أكثر من مليوني مواطن، وأنتجت لاحقاً مزيداً من المصابين بالأمراض السرطانية والتخلف العقلي والاضطرابات النفسية العصبية والتغيرات الجينية المفاجئة.

استغرقت سفيتلانا وقتاً طويلاً في كتابة عملها، فلم تكتفي بقراءة المصادر الشحيحة لما كُتب عن الكارثة ،ولكنها إلتقت بالموظفين السابقين في المحطة والعلماء والأطباء والجنود والنازحين والوافدين، إلتقت بكل من تعرض للكارثة وأثرت عليه وتأثر بها، تقول إن جميعهم تحدثوا، وبحثوا عن أجوبة، تعجلوا مخافة أن يداهمهم الوقت، وإنها لم تكن تعرف أن ثمن شهاداتهم هو الحياة.

استمعت إلى شهادات نساء فقدن أزواجهن، وآباء فقدوا أبناءهم، وسيّدات فقدن أجنّتهن، أمّهات لم ينجُ أبناؤهن من التشوّهات الجسدية والنفسية، شباب وعجائز ونازحون، وفلاحون رفضوا مغادرة أراضيهم، وذوي إعاقات، وموظّفون سابقون في المُفاعل. تقول سفيتلانا : "المصير هو حياة إنسان واحد. أمّا التاريخ، فهو حياتنا جميعًا، وأنا أريد أن أروي التاريخ بشكل لا يضيع فيه عن بصري، مصير إنسان واحد".

كما أدانت في كتابها أساليب السلطة السوفياتية في تضليل الناس، وإيهامهم أن النظام قوي لدرجة لا تستطيع أي كارثة أن تؤثر فيه، تقول: "إن البلاد لم تكن مستعدة للكارثة النوويّة"، وإنهم كانوا أبناء زمنهم، ووثقوا بما علموهم إياه بأن المحطات النوويّة السوفياتيّة هي أكثر أمانًا في العالم، ويمكن بناؤها في الساحة الحمراء.

ووصفت كيف أن السلطة السوفياتية تعمدت التعتيم على الحقائق ، فقد أوهمت الناس أن مغادرتهم للمنطقة المنكوبة هو إجراء مؤقت ، ولذلك غادروا بيوتهم مخلفين وراءهم ذكرياتهم و مقتنياتهم وحتى حيواناتهم الأليفة ، كما أن السلطات قامت بإخفاء جميع الكتب التي تتحدث عن ( هيروشيما ) و ( ناغازاكي ) .

ووجهت أصابع الإتهام للسلطة على اعتبار أنها قدمت للإعلام متهمين أبرياء في محاكمات صورية ، مبعدة عن الأنظار المذنبين الحقيقين المتسببين بهذه المأساة ، كما أدانت استخدام السلطات السوفيتية للناس دون إنسانية كرجال آليين لمعالجة الكارثة .

تعرضت الكاتبة لمحاكمات عدة بسبب مواقفها تجاه السلطة السوفيتية ، وهذا ما جعلها تصرح في إحدى محاكماتها بأن الكتابة في بلادنا التعيسة - كما وصفتها - هي مصير أكثر من كونها مهنة.

ما يميز الكتاب بحسب النقاد أنه اعتمد على شهادة الإنسان / الضحية ، بوصفه راوياً حقيقياً للحدث ، فكل فصل من الكتاب يروى على لسان إحدى الضحايا بإنفعالات مختلفة ،ومن منظور مختلف عن الآخر ، ولكنه يشترك معه في الخسارة .


ولذلك وجد الكثيرون أن الكتاب ومن خلال تقنية الشهادات الشخصية التي لجأت إليها الكاتبة هو أقرب للعمل الصحافي منه إلى العمل الروائي، إلى جانب أن الكتاب استند على وثائق تاريخية بعيدة عن التخيّل وتقنيات التجريب الروائي.

ولكن مترجم الكتاب أحمد صلاح الدين، يخالف رأي النقاد الذين يرون أن الكتاب رواية وثائقية ، ويرى أن الكتاب روائي ويقدم الحقائق والشواهد المختلفة ويحللها في إطار فني،ويستخدمها في صياغة أدب خالص في النهاية، معتبرًا أنه - وبعد دراسة متأنيةلأدب سفيتلانا - فإنه يجده أدب مختلف لا يوجد تصنيف خاص به ، كما أن وضع كتابتها بين التوثيقية والصحافة السردية فيه ظلم كبير لها، وانتقاص من براعتها الفنية الكبيرة، ويرى أن مؤلفاتها بحاجة لمصطلح جديد يناسب طريقتها في الكتابة.

لقد خطت سفيتلانا لنفسها طريقاً خاصاً، من خلال الكتابة متعددة الأصوات/ الاعتراف، وهو ما أبعدها نوعاً ما عن شكل الرواية التقليدية، وربما هو ما آثار لغطاً كبيراً حينما فازت بجائزة نوبل للآداب عام 2015، حيث وُصفِت كتابتها بأنها أقرب للتقريرية الصحفية أو الوثائقية.

تقر سفيتلانا أليكسييفتش بأن ما تكتبه مختلف ،ويمكن للمصنف أن يسمه ما يشاء ، تحقيقًا إنسانيًا، تاريخًا شفاهيًا، كتابًا صحافيًا، وتقول : "إن ما أكتبه ليس أدبًا، إنه وثيقة. ما هو الأدب اليوم؟ من بإمكانه أن يجيب على هذا السؤال؟ نعيش أسرع من أي وقت مضى. يمزق المحتوى الشكل، يكسره ويغيره. كل شيء يفيض متعديًا شواطئه، الموسيقى، الرسم - حتى الكلمات في الوثائق تهرب من حدود الوثيقة. لا حدود بين الحقيقة والتلفيق، أحدهما يتدفق نحو الآخر".

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email