لبنان، العراق، الوطن العربي المحتل


"مادامت الآلهة لم تتغير، فلا شيء سيتغير"

(روفائيل شانسيز فيرلورتو)



١

بعد طبقة العمال التي، في الثورة، لن تخسر إلا أغلالها. جاء الشباب الجديد، أجيال تثور بشعور من يفقد كل شيء، اجيال لا عليها ولا لها.


أجيال الشباب تثور بعد أن انتبهت أنها، يوماً بعد يوم، تفقد حاضرها ومستقبلها، محرومة من كل شيء. شعوب كاملة تتمثل بشباب معظمه لا يتجاوز العشرين إلا بقليل، لكنه يشي بخبرة التجارب المريرة كلها. من يقدر على تفسير ما يحدث لشباب العراق وشباب لبنان، وقبل ذلك، من يريد ان يفسر ما يحدث؟ ثمة من يضطرب حتى النخاع لما يحدث، ويحتاج لمن يطمئنه على مصالحه المرتبطة بالفساد والنهب، وهذا بالضبط ما التفت الشباب لتجاوزه.


٢

في لبنان، بعد اتفاق الطائف الذي كرس المحاصصة الطائفية بقبول الجميع، من اجل الخروج من الحرب الطويلة، ومباركة الدول الكبرى. (وسبق ان قالت العرب "أن لكل شيء من اسمه نصيب"، ولعل لاتفاق "الطائف" بالرغم من نصه على هدف إلغاء الطائفية في لبنان دلالة، لا ندري إن انتبه لها اللبنانيون يومها .. دلالة الاسم على مذاهبه. هل كان رعاة الاتفاق يدركون تلك الدلالة؟) منذ ذلك الاتفاق سوف يصبح في لبنان أمة (التجزؤ فيها جزاءُ"، حسب تعبير الشاعر مظفر النواب). ولنتعرف بتلك التجربة على نموذج فذ لما يمكن وصفه بالمعنى المثالي للفرقة التي يسهل السيطرة عليها والتمثيل بأهلها. ذلك هو الوضع الذي أطلق العنان (لتاريخ ملوك الطوائف، حسب تعبير الشاعر أدونيس) لتنشب انيابها في أكثر اجساد العرب رهافة ونعومة، وتجعل منه أمثولة لتفزيع جموع العربِ العاربة.

وفجأة، اكتشف شبابُ لبنان أنهم يفقدون حياتهم بفعل فاعل يسهر سلاحه عليهم. يعرفونه، ولا يجرأون على مجرد الإشارة إليه. فانتفضوا على ذاتهم، عراة من الأسلحة، مدججين بالوعي، الوعي الذي عرفوه في سبعينيات القرن الماضي، في الجامعات اللبنانية في خضم نضالهم الطلابي، فيصادف لبنان في الحرب. الآن يلتفت أكثر الأجيال شباباً، مسلحين بالخبرة والمعرفة والمكابدات.


٣

عن العراق، أكثر بلدان العالم غنىً وثروات، كتب "أحمد الربعي" يوماً، أن ابناء البصرة يضيعون حفاةً عراةً على أرضٍ تحوي أكبر مخزون للنفط في العالم. وعندما تحررت العراق من طاغية، تناوب عليها الطغاة يعيثون فيها نهباً وفساداً، وباسم الدين وجد العراقيون أنفسهم يفقدون الحياة والوطن في اللحظة نفسها. فانتبه الشباب لتدارك ما يمكن انقاذه. خرجوا على كل أحزاب الدين والسياسة، ليطالبوا بوطن يفقدونه شيئاً فشيئاً.

أجيال جديدة من الشباب، يقترحون مفهوماً مختلفاً للثورة، مفهوماً يخرج على التقليد. وعلى الجميع الآن ان يغيروا نظرياتهم وأدوات تحليلهم إن هم أرادوا فهم ما يحدث. فلا تجربة الثورة العربية الحديثة المألوفة، ولا تجارب ثورات (الربيع العربي)، ولا الحدود الحزبية السياسية والدينية، تجدي لفهم وتحليل ما يجري. كذلك لم يعد ثمة التعويل على طبقة العمال والفلاحين والعشائر ومحتكري الأديان والمثقفين. لقد أصبح الأمر خارج السيطرة، ومن له أذن فليسمع.

٤

فإذن،

ثمة شعوبٌ تخرج عن السيناريو والحوار والأداء المعد سلفاً، من قِبل قوى الدين السياسي التي تأمر الشعوب بتنفيذه بلا جدال، بالخضوع ذاته الذي اتصف به عبيد روما، قبل أن ينتفضوا.

فإذن،

لماذا، وهذه الشعوب تكمل أشهر انتفاضتها الثلاثة، لا تزال تلك القوى تستميت من أجل تفادي ما يحدث، أو على الأقل تدجينه والقفز على أهدافه؟ لماذا.

سؤالٌ لا يستعصي على المراقب المنخرط في هذا العذاب منذ السنوات العشرين الأخيرة، حيث القوى الدينية وجدت انها فرصتها الأثيرة للسيطرة على حياة الناس.

سؤالٌ يتوجب الإصغاء للمزيد من شهادات الواقع قبل المغامرة بالجواب عليه.


5

ليس في هذا التحرك ما يشي باستعداده لمجاملة أهل العهد ورجال الأحزاب وزوايا العشائر والحوزات. قلنا، أنهم شباب جاءوا مكنوزين بالتجارب السابقة كلها، بحيث لم يجد أصحاب الدين فرصة مواتية للقفز على هذا الحراك، كما حدث في (الربيع العربي). وقتها ارتعدت القوى السياسية والدينية في بادئ الأمر، ثم سرعان ما لجأت الى تسليط أهل الدين على أهل الصورة، فاقتحمت الأمل والأهداف وأفسدت الحلم على الحالم. ومن له أذن فليسمع.

الآن،

لم يعد سهلاً على أصحاب السلطة في لبنان والعراق التنازل عن مصالحها، والتسليم بأحقية الشعب في وطنه. ولن يكون سهلاً القبول بما يحلم به المتظاهرون. فتلك سلطات بذلت حياتها كاملةً من أجل فرض السيطرة على كائنات ومكوّنات هذه الشعوب، فالتفريط في هذه المكتسبات بمثابة إعلان الفناء الكامل لسطوة أهل الدين على الناس. وظنّنا أنه بات من الواضح أن الاستنفار الأعظم قد أعلن على المستوى الكوني لدي هؤلاء. فالأمر لم يعد في حدود أهل السلطة في البلدين، بل أن من يريد إيقاف هذه الموجة الشعبية العارمة، ليست الدول الأجنبية (الصغيرة والكبرى)، بل أن الدول العربية ذاتها صارت تستشعر خطورة هاتين الانتفاضتين كنموذج قابل أن يحتذى في بلاد العرب.

لقد كانت الأنظمة العربية، بسلطاتها المجنزرة، تخيف شعوبها وتهددهم بما يحدث في العراق، وتخبرهم بخطورة الوضع الطائفي في لبنان، لقد كانت هاتين البلدين سلاحاً مسلطاً على رقبة الشعوب العربية. تلك الأنظمة التي سهرت على (تغذية) الفوضى الطائفية في العراق ولبنان، هي ذاتها السلطات التي نظمت برامج التهديد العنيف لشعوبها مما يحدث في هاذين البلدين. إلى أن الاستماتة الأسطورية التي تبذلها الميلشيات الإيرانية الآن، في هاتين البلدين من أجل محاصرة وخنق محاولة التحرر من القبضة الفاشية فيها. ومن له أذن فليسمع.

الآن،

بعد أن انتفضت في هاذين البلدين شعوبٌ بقيادة شبابها الجديد، انتبهت الأنظمة العربية ذاتها، بما يمكن أن تشكل هاتين الانتفاضتين من خطورة على وجودها وكيانها ومؤسساتها الفاسدة.

الآن،

صار الحراك العراقي واللبناني بمثابة الخطر الداهم على طبيعة هذه الأنظمة الفاسدة، فبعد أن أخفق (الربيع العربي) في تحقيق أحلام الشعوب، ونجحت الأنظمة العربية بكافة سلطاتها، في تفشيل رغبة التحرّر لدى الشعوب العربية، جاء هذا الحراك، غير المنتظر، ليطرح استحالة التفاهم مع سلطة فاسدة وأحزاب دينية وقوى طائفية مسلوبة الحسّ الوطني. ذلك هو ما يعلن عنه، رئيسياً، الحراك الفتي في لبنان والعراق. ومن لديه إذن فليسمع.

الآن،

ليست الدول الكبرى (العالمية والإقليمية) هي وحدها التي تتوجس من هذه الانتفاضات، ولكن معظم الدول العربية، التي تجد الآن فرصتها المواتية للحدّ من التمدد الإيراني، هي من تسهر الآن على البحث عن مخرج لتفادي هذه الموجة العارمة، بعد التحرر من الكارثة الإيرانية، لئلا تنتقل الى البلدان الأخرى. دولٌ وأنظمة عربية ظلت تهدد شعوبها بالخطر الإيراني، وتتصرف في لبنان، (مثلاً)، كما لو أنه أصغر توابعها التي يمكن أن يدار "بالريموت كونترول"، صار لبنان، الآن، نموذجاً انقلابياً (هل يتذكر أحدٌ نديم البيطار؟) يتوجب الحدّ من تأثيره على حدوده العربية. ومن لديه أذن فليسمع.

الآن،

مَنْ يتخيل أنهم سيتخلون قريباً، وبسهولة، عن سلطتهم التاريخية، وسطوتهم الدينية، سيكون عرضة للعطب السريع. فالتاريخ، في منعطفاته الحاسمة، سيحتاج الوقت الكثير والصبر الطويل، والمزيد من المجالدة. فربما ابتكرَ أهل السلطة والدين السياسي، بخبثٍ كثيفٍ، ما من شأنه تعطيل التغيير، وتأجيل الأهداف، ليكن، لكنه ليس سوى (تأجيل وتعطيل) فحسب. وما على الشباب الفتي، بعنفوانهم، إلا أن يتولوا مهمة الانتظار.

6

الآن،

مهمة الانتظار، مهمة.


0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email