أنسنة الشهرة



هل تقدم على ارتكاب حماقة لمجرد أن تحقق شهرة من وراءها ؟

قد تبدو الإجابة جلية وحاسمة قبل عشرة أعوام من الآن !

لكنها اليوم غير ذلك ، فمع كل ما نشاهده هذه الأيام من صور وفيديوات يرتكب فيها الكثيرين حماقات لا تعد ولا تحصى ، قد يتردد البعض في الإجابة عن سؤالنا بإجابة واضحة وقاطعة ،فالكثيرين أغرتهم أضواء الشهرة وجعلتهم يتغاضون أو يتنازلون عن مبادئهم منغمسين في وحل اللامنطق واللامعقول، مطلقين العنان لعقال تصرفاتهم تتقاذفهم دون وجهة ولا هدف، وكل ذلك من أجل تحقيق ألقاب براقة ترضي غرورهم.

" الشهرة " الهدف الأكثر جاذبية الذي بات الكل يتطلع إليه اليوم ، حتى وإن أقدموا على ارتكابات حماقات قد تصل لحد الجريمة .

ومثلما تظل جذوة النار مشتعلة إذا ما تم تزويدها بالحطب ، تظل الشهرة تتغذى بوقود التعليقات وإشعارات الاعجاب والمتابعة .

ومع الأسف فإن لمجتمعاتنا دور كبير في تصعيد الأمر ، فهي تربط بين النجاح والشهرة وتجعلهما متلازمين لتحقيق السعادة للإنسان ، وأي منا لا يطمح لأن يعيش سعيداً وناجحاً ؟!.

وهنا علينا أن نتوقف ونسأل أنفسنا هل أضواء الشهرة تستحق الثمن الباهظ الذي ندفعه من أجلها ، أم أننا ما عدنا نميز ما بين السعادة والوهم ، وأصبحنا نضعهم في كفة واحدة ؟

يتساءل اللاعب البريطاني ريان غيغز مستغرباً : لم ألعب كرة القدم من أجل الشهرة ، بل لعبت لأصبح ناجحاً ، لا أفهم لماذا يرغب الناس حالياً بأن يصبحوا مشاهير ، لماذا ترغب بأن تكون ملاحقاً من الناس طوال يومك ؟!

والحقيقة أن ملاحقات المشاهير اليوم ما عادت تحدث في الشوارع أو في الأماكن العامة فحسب ، بل تعدّتها إلى خصوصيات الغرف المغلقة !

في أحدث فيلم وثائقي يعرض على قناة نتفلكس ( Netflix ) ، نجد قصة مزعجة تشرح كيف أقدم أحدهم على ارتكاب جريمة قتل من أجل تحقيق الشهرة .

تتناول أحداث الفيلم ( Don’t F**k with Cats ) قصة أحدهم وهو يصور فيديو يظهره وهو يقتل قطط صغيرة بطريقة بشعة ، ومن ثم ينشر ذلك الفيديو عبر قنوات اليوتيوب ، يثير هذا الفيديو غضب المشاهدين فيبدأون في ملاحقة خيوط قد تقودهم لمعرفة شخصية الجاني ، وكل خوفهم أن لا يكتفي هذا المريض بقتل القطط ويتعدى ذلك لارتكاب جريمة قتل لإنسان بريء ، وهذا ما يحدث في النهاية.

الفيلم يمتد على ثلاث حلقات صورت بطريقة مشوقة تأسرك فلا تستطيع مغادرة مقعدك قبل أن تصل إلى النهاية ، ويتحدث فيه الأشخاص الحقيقيين ممن تصدوا لملاحقة هذا المختل في أكثر من دولة حتى تم القبض عليه .

وأنت تشاهد الفيلم ستجد أن الكثير من الأفكار والأسئلة والملاحظات ستنهمر داخل عقلك ، ففكرة أن تتملك الانسان رغبة شديدة للحصول على الشهرة قد تصل به للقتل ، هي فكرة خطيرة ومخيفة بحد ذاتها.

ستشعر أثناء مشاهدتك للفيلم أنك تحمل جزء من المسئولية تجاه ما يحدث من فوضى إعلامية تستبيح الخصوصيات والأخلاق ،وأن اكتفائك بدور المتفرج الذي تلعبه كمشاهد ومتابع للحسابات المشهورة قد لا يعفيك من مسئولية رفض ما يعرض أمامك إذا ما كان ينتهك المبادىء الإنسانية و الأخلاق ، وأنه لابد وأن يكون لك دور رافض لما يُفرض عليك من قبل المهوسيين ، وما التبليغ عن هذه الحسابات إلا أضعف الإيمان في ذلك ، ناهيك عن عدم نشر تلك الفيديوات وتجاهلها.

اليوم في المملكة العربية السعودية هناك مطالبات من الحكومة و المواطنين للقبض ومعاقبة أحد المراهقين لقيامه بوضع قطة في داخل المايكرويف ، وتصويره ونشره هذا العمل البشع ، وكذلك معاقبة والديه بتهمة الأهمال !

والسؤال هنا ، هل أصبحنا نعيش في زمن يفتقد الناس فيه الانسانية فقط من أجل شهرة زائفة ؟!

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email