ريادة قاسم حدّاد

فاز الشاعر البحريني قاسم حدّاد بجائزة «ملتقى القاهرة الدولي الخامس للشعر العربي»، الذي اختتم مؤخراً في القاهرة، فخلف بهذا الفوز أربعة شعراء قبله: الفلسطيني محمود درويش، 2007؛ والمصري أحمد عبد المعطي حجازي، 2009؛ واليمني عبد العزيز المقالح، 2013؛ والمصري محمد إبرهيم أبو سنة، 2016. وقالت لجنة التحكيم، التي ترأسها الناقد المصري جابر عصفور، إنّ حدّاد صاحب «تجربة شعرية متنوعة امتدت لنحو نصف قرن ومازالت في أوج تألقها، وتنوعت بين الشعر الغنائي والشعر الدرامي، وبين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وخاضت مغامرات متنوعة في تشكيل الشعر وإغنائه بالمرويات الشعبية، وامتد تأثيرها في الأجيال التالية».

وتلك مناسبة بهيجة لقرّاء الشعر العربي ودارسيه وكتّابه، ليس على امتداد العالم العربي، ونطاق اشتغال اللغة العربية والشعر العربي، فحسب؛ بل أحسب أنها كذلك، أيضاً، في منطقة الخليج العربي بصفة خاصة. ولقد أتيح لي في مناسبات سابقة التشديد على الدور الريادي الذي لعبه شعر حدّاد هناك، سواء في مستويات الخروج عن أعراف الكتابة الشعرية التي كانت سائدة (والتي تخصّ الشكل، واللغة، والموضوعات)؛ أو بمعنى ربط الأصوات الشعرية الخليجية بحركة/ حركات التجديد الشعري التي كانت تعصف بـ«المراكز» الشعرية العربية، في بلاد الشام والعراق ومصر. ومن الإنصاف التذكير بأنّ تجربة حدّاد كانت نسيج وحدها في ما حقّقته من تفاعل دائب وعميق مع محاولات التحديث العربية في «المراكز»، وفي اعتماد الشاعر على شكل قصيدة التفعيلة منذ البدء، واستمراره في تطوير خياره هذا ضمن مقاربة مَزْجية ناجحة وحيوية مع قصيدة النثر في أعمال لاحقة.

من الإنصاف تشخيص دور ريادي مزدوج تولاه حدّاد: الأوّل جمالي ـ إبداعي، يتّصل بضرب المثال الشعري كتابةً وخيارات؛ والثاني ثقافي ـ سوسيولوجي يتّصل بضرب المثال الانشقاقي سلوكاً وإيديولوجية.

المدهش، مع ذلك، أنّ تفاعل التجارب الشعرية الخليجية الشابّة مع شعر حدّاد اتخذ على الفور ــ وفي نسبة عالية ــ شكل قصيدة النثر أكثر من قصيدة التفعيلة. كأنّ بذور التغيير والتغيّر التي زرعها هذا الشاعر السبّاق إلى التجديد كانت، في الأساس، لا تفترض شكلاً محدّداً سلفاً من استنبات البذرة؛ أو كأنّ الأصوات الشابة المتميّزة، التي قرأنا تجاربها بإعجاب منذ أواسط الثمانينيات ومطلع التسعينيات، كانت قد أزمعت الانشقاق مبكّراً لأنّ هذا النزوع ظلّ بين أبرز الدروس الجمالية التي بشّر بها الرائد نفسه. ومن الإنصاف كذلك، واستطراداً، تشخيص دور ريادي مزدوج تولاه حدّاد: الأوّل جمالي ـ إبداعي، يتّصل بضرب المثال الشعري كتابةً وخيارات؛ والثاني ثقافي ـ سوسيولوجي يتّصل بضرب المثال الانشقاقي سلوكاً وإيديولوجية. ولعلّ النبرة «الكفاحية» العالية في قصائد حدّاد الأولى (مجموعاته «البشارة»، 1970؛ و«الدم الثاني»، 1972، بصفة خاصة)؛ وحقيقة كتابته لعدد كبير من القصائد وهو في المعتقل، وتنقّله المَرِن بين شكل التفعيلة وشكل قصيدة النثر؛ كانت بمثابة أمثولات بادية للعيان تماماً. ولقد حضرت في مشروعات التحديث المحليّة الشابّة (الخليجية)، ولكنها ظلت متصلة مع مشروعات التحديث العربية (الناجزة بهذا القدر أو ذاك في «المراكز» الشعرية إياها)، وقادرة أبداً علي المساهمة والإغناء والاغتناء، محليّاً وعربياً في آن معاً.

في هذا السياق الريادي الخليجي تجدر الإشارة، كذلك، إلى شخصية «طرفة بن الوردة»، التي ابتكرها حدّاد لتكون اسمه الأدبي المستعار تارة؛ أو قناعه الشعري الذي يتيح هامشاً تراجيدياً في التعليق علي عذابات الشخصية الخليجية من داخل الموقف أو من خارجه، تارة أخرى؛ أو، سوى هذا وذاك، في مقام مركّب يجمع المنزلتَين معاً. وطرفة بن الوردة هذا كائن الفقد الإنساني، ورَجْع الرثاء، وقيثارة الشجن الروحي العميق؛ ولكنه، في الآن ذاته، بيان المقاومة الثقافية والجمالية والأخلاقية، وفنّانها الذي يحفر عميقاً في الجسد والروح. وما امتلاكه لتلك المساحة الكريمة من قرائن اللقاء بين الحريّة الفردية للفنّان، والحريّة الجَمْعية للأمّة؛ وما تمثيله البارع لحالة التماهي الوثيق، بين الفنّان والمعذَّب والراثي والثائر، سوى خلاصة كبرى للموقع الفريد الذي شغله صانع القناع في وجدان أهله، حيث التقاء الكارثة بالأمل.

وفي مناسبة تكريمه في بلده سنة 2002، بعد فوزه بجائزة العويس، شرّفني حدّاد، الصديق العزيز والقريب، بدعوتي إلى المنامة للمشاركة، مع أمجد ناصر وعبد المنعم رمضان، في الاحتفاء بشعره؛ حيث أتيح لي أن أقف على صلات قصيدته بالجمهور، فأيقنت مجدداً، وعيانياً هذه المرّة، أنّ هاجس حدّاد هو أنسنة الإنسان ذاته بدل ــ وقبل ــ أنسنة الطبيعة. الهاجس التالي الكبير هو إعلان بقاء الإنسان (في القيد، في المعتقل، في المدن الخائنة، في المنفى…) قبل ــ وربما من دون حاجة إلى ــ إعلان بقاء الإنسان في عالم الريح والرمل والمطر الشحيح؛ وصياغة ذلك الحضور البشري علي نحو إنساني وكوني أوسع بكثير من صورة البدوي التائه في قفر، وأشدّ مضاضة وغربة وعذاباً. ولم يكن عجيباً، والحال هذه، أن يكون المطر في قصائد حدّاد ليس ذاك الذي يسقي عطش الصحراء، فحسب؛ بل ذاك المطر الآخر (السيّابي ربما) الذي يغسل أدران الأرض، قبل أن يسبغ الألفة على الوجود: «غُصتُ في الأرض إلى أطول شعره/ وشربتُ المطر المخزون في الأرض إلى آخر قطره/ فرأيتُ القمر الميّت من مليون عامْ/ ذلك الغائبُ عن عالمنا الممدود في عين الظلامْ».

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email