بيير لوري : " ما يجعل الانسان إنساناً، هو رخاء الروح"

 

 

استللت الكتاب من مكانه، و حدقت طويلاً في العنوان: "كرامة الانسان بالنسبة للحيوان، للملائكة و الجن"، لأبدي استغرابي من ما قد يحمل من محتوى. كان الكتاب مركوناً في أحد مكتبات باريس الشهيرة، و الذي سرعان ما التفت الي أحد عامليها ليقول: " هذا كتاب بيير لوري، الكاتب و الأكاديمي المختص في علم الإسلام". لم يكن الاسم غريباً عليّ لأنني أعرف بيير لوري من حلقاته الحوارية عن الصوفية و كتبه: "تدبير الاكسير الأعظم"، " من تاريخ الهرمسية و الصوفية في الاسلام"، " تعبير الرؤية في الاسلام"، و "علم الحروف في الاسلام"، ملحقين بترجمتهم العربية التي نعثر عليها في مصر و لبنان بسهولة وفق حدسي. 

حملت الكتاب في يدي ، لأكمل باقي الجولة في المكتبة، و يالدهشتي عندما رأيته أمام الباب ! لم يوجه عيناه بموازاة عيني، فقد كان منشغلاً بالبحث عن كتاب ما. ضحكت لفرط انعدام الصدفة ، و قررت الاقتراب للحديث معه. دار بيننا حوار و أعطاني بريده الالكتروني، فما كان مني الا أن أراسله لأطلب هذا الحوار : 

 

 

 

  • بروفيسور بيير لوري، أنت مستشرق فرنسي، أكاديمي في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس، المختصة في علوم الحياة و الأرض، و الفلسفة، و الدراسات الدينية. لك إصدارات عديدة في الصوفية، مثل "تأويلات القرآن وفق عبدالرزاق الكاشاني"، "دراسة مجموعة مصنفات في الخيمياء و الاكسير الأعظم لجابر بن حيان"، و غيرها من الكتب. هل بالإمكان أن تخبر القراء عن سبب الاهتمام بالإسلام و الصوفية ؟ 

 

لقد جاء هذا الاهتمام من السبعينات، حيث كنت أدرس اللغة العربية في باريس، لتسنح الي فرصة الذهاب في بعثة الى بيروت و دمشق. في ذلك الوقت، كان الوضع السياسي متأزم، ولكنني لم آبه كثيراً لوقوعي في حب الأدب و الشعر العربي القديم. أثارت اهتمامي الصوفية و شخص المتصوف الذي يرى الدين كتجربة بحث عن الله على الأرض، فوجدت نفسي أقرأ تأويلات القرآن الصوفية. رأيت نفسي أمام كتاب آخر، و الحقيقة أنني كتبت أطروحة الماجستير حول تأويلات القرآن وفق عبدالرزاق الكاشاني الذي يفسر القرآن كقصة روح في طريقها نحو الله. ان توقفنا على سبيل المثال عند قصة نبي الله موسى مع الفرعون، نجد بأنها تروي الروح التي تواجه الصعوبات لتتطهر. كل هذا للتأكيد بأن قراءة أخرى للقرآن قد تعطي الدين رؤية مختلفة. 

 

 

  • لقد قلت في البداية بأن كنت تدرس العربية. لماذا وقع الاختيار على هذه اللغة؟ 

 

فلطسين. حدث كل ذلك إبان الثورة الطلابية في مايو ١٩٦٨، حيث الجميع معني بالقضية الفلسطينية، لذلك قررت تعلم اللغة العربية لأفهم ما يحدث أكثر. 

 

  • لقد كتبت حديثاً "كرامة الانسان بالنسبة للحيوان، للملائكة و الجن"، هل بوسعك تقديم هذا الكتاب ؟

 

التساؤل الذي وجهته لنفسي قبل الشروع في كتابة هذا الكتاب يدور حول الفكر الإسلامي القديم، الذي يطرح هذا السؤال : ما هو الانسان ؟ ما الذي يساهم في تعريفه ؟ عندما نقرأ القرآن على سبيل المثال، نعي بأن الحيوانات مخلوقات ذكية، لها لغة خاصة بها، قانون و شريعة، ليس ذلك فحسب، بل هي تصلي، و تسبح الله. يمكن القول في هذه الحالة بأن الحيوانات أكثر تقية من الانسان، فهي لا تقترف الكثير من الذنوب مقارنة به. منذ الوجود ، منذ آدم و حواء، و الانسان يراكم الأخطاء. هناك ما يستحق البحث، فالقرآن لا يخبرنا عن ما يميز الانسان ويجعله أكثر رفعة من سائر المخلوقات. هذا الكتاب يأتي اذاً بمثابة بحث حول هذا الموضوع.

 

  • ما المنهج الذي اتبعته في كتابة هذا الكتاب ؟ 

 

انتقاء ما يقوله تفسير القرآن المتعارف عليه عن الانسان، الحيوانات، و الملائكة. تجدون في الكتاب تفسير الطبري و الرازي، و لكن أيضاً التأويلات الصوفية للقرآن. 

 

 

  • نلاحظ في كتابك أنك تفرق بين حيوانات زمن النبوة و حيوانات الوقت الحاضر. هل هنالك حقاً فرق ؟ 

 

يتخذ القرآن من الحيوان مثالاً للإنسان. نجد على سبيل المثال حيوانات استثنائية مثل النمل الذي يحدث سليمان، و الذي  يفهم هذا الآخر لغتهم و لكن لا يحدثهم. حيوانات وقتنا هذا تسبح الله مثلاً، اذ تعتبر نفسها جزء من الخريطة الإلهية

 

  • و ماذا عن الطيور ... ؟ 

 

الطيور مفصولة عن باقي الحيوانات، أو لنقل لها دور مهم في الوساطة بين السماء و الأرض، و تلك إشارة روحانية. ليس محظ صدفة وجود الطيور في تفسير الأحلام و التنبؤ بالمستقبل. الطيور ليست اذا كسائر الحيوانات و هي تقترب من مرتبة الملائكة أكثر من غيرها. قد نعتبرها أرواح طائرة، و لا نستطيع الذهاب بعيدا بذلك لأن النصوص تظل صامتة بهذا الشأن.  

 

  • ما علاقة الانسان بالملائكة ؟ و لمن تعود الأفضلية ؟ 

 

هنالك فعلاً جدل في علم الكلام حول من هو أكثر أفضلية أو تفوقاً ، الانسان أم الملاك. ان جئنا للملائكة، نجدها أكثر طاعة و تقوى، و ان جئنا للبشر، نجد بعضهم و ليس كلهم، من يتمتع بقدر عال من القداسة ، فيقاسون في ذات الوقت ثقل المادة، أي ثقل الأرض، فهم بذلك يبذلون جهداً أكبر من الملائكة في الصلاة. يتفق أكثر علماء اللاهوت على شيء، و هو أن الأنبياء، و القديسين، و الأولياء متفوقين على الملائكة. ان رجعنا للقرآن، نجد في كل الأحوال ما يكفي للحديث عن علاقة الملائكة بالإنسان. الملائكة تعتني بهذا الأخير و ترافقه، تخدمه و تتوسط لأجله. 

 

  • ماذا تقصد عندما تشبه الجن في افتتاحية آخر فصل ب "ظل المملكة الحيوانية" ؟ 

 

ما هو غريب بشأن الجن، هو وجودهم على الارض. نحن لا نستطيع اعتبارهم من صنف الملائكة، لأنهم يأكلون، و يشربون، و يتكاثرون، الا أنهم لا يعيشون مثل البشر و الحيوانات، فنجدهم يقظين في الليل، يقبعون في مساحات معزولة عن البشر. انهم يعيشون عكسنا تماماً، و لهذا السبب استشهدت بصفة الظل، أي الظل المعاكس. نتحدث في العالم الإسلامي عن صنفين من الجن، الخبيث و المؤمن، و الجن في الحقيقة قد لا يكون أسوأ أو أفضل من الملائكة. الجن ليسوا بالشياطين كما قد يقول البعض.

 

  • نتحدث كثيراً في "قرآن المؤرخين" الصادر حديثاً تحت إشراف الأستاذ محمد علي أمير معزي عن أثر المسيحية الشرقية السيريانية، الرحبانية كذلك، على الروحانية الإسلامية. هل نجد برأيك ذات الرؤية حول الإنسان في كلاهما ؟ 

 

ما يميز "قرآن المؤرخين" ، هو السعي في إظهار بأن المسألة ليست مسألة تأثير، و إنما تذكير القارئ بأن الاسلام ولد في الشرق ، حيث الرحبانية و المسيحية موجودين. لا نستطيع إقامة عوازل بينهم. لقد قام المفكرين المسلمين شيئاً فشيئا بتطوير نظريات خاصة بالإسلام بالأخذ من هنا أو هناك، وفقاً لمصالحهم. 

 

  • نرى لدى الصوفيين رغبة في وصف المخلوقات، و إنشاء طقس كوني. هل هي طريقة للتدليل على وجود الله من خلال الكون، على حد وصف عالم اللاهوت المسيحي Urs Von Balthasar  مع احترام جلال الله الذي لا يمكن وصفه؟ 

 

من المؤكد بأن الاستشهاد بالحيوانات في القرآن يدخل في نطاق العقيدة و الحكمة. الكون بما فيه من مخلوقات يطيع الله ، و هي رسالة للإنسان و دعوة للطاعة كذلك. البشر هم الفصيلة الوحيدة القادرة على العصيان ، و الكون بالنسبة له لا يملك رسالة الهية.   

 

  • نلاحظ في العالم الإسلامي رغبة في تطوير قراءة أنثروبولوجية للقرآن ضد الخطاب السياسي و الديني القائم. يخطر على بالي دراسات كونستانس أرمنجون حول الفيلسوف مجتهد شبستري. هل للصوفية و رؤيتها للإنسان دور في إبراز هذا العمل الفلسفي ؟ 

 

نعم. نستشف ذلك لدى ابن عربي على سبيل المثال، الذي يرى آدم إنساناً و خليفة : " إنساناً لعموم نشأته و حصره الحقائق كلها، فهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، و هو المعبر بالبصر. فلهذا سمي إنساناً ، فإنه به ينظر الحق الذي خلقه فيرحمهم، فهو الانسان الحادث الأزلي ، و النشئ الدائم الأبدي، و الكلمة الفاصلة، الجامعة قيام العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم". نجد اذاً في الصوفية اعادة تقديس للإنسان أكثر وضوحاً من الاسلام الذي يركز بشكل أساسي على الشريعة. كل العالم نشأ بقصد من الله، و كل الطبيعة مسخرة له، و لنا أن نذهل و نمجد مثلما كان يفعل جلال الدين الرومي. يجب علينا احترام الطبيعة، بإن أن نراها وجهاً من وجوه الله. 

 

  • حين نرغب في أن نعود لأصول الانسان، تلزم العودة الى الطبيعة ... 

 

نعم و هذه فكرة كتابي. ما يجعل الانسان، إنساناً هو رخاء و ازدهار الروح بالمعنى الصوفي. ماذا عن غير الصوفيين و غير المسلمين اذاً ؟ هنالك علم جديد يطلق عليه لاهوت الأديان ، يجمع بين رؤية جميع الأديان في أنها طريق نحو الحقيقة و إلهية الانسان. عندما نقرأ فلسفة مجتهد شبستري، نعي بأن ذلك المشروع ممكن. 

 

 

كان هذا حواري مع بيير لوري. الذي وددت لو أنه يعمل في مجالنا الجغرافي ، لنحط على شرق أوسط أكثر وعياً بإنسانيته. ان أثاركم الفضول حول شخص لوري، يكفي كتابة اسمه في محرك البحث غوغول أو على قناة اليوتيوب للعثور على إصداراته ، و الاستماع الى محاضراته. 

 

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد