أورشليم المفقودة



أن تحصل على صك الاعتراف بموهبتك من كاتب بحجم الكاتب البرتغالي جوزيه سارماغو، فذلك يعني أنك محظوظ أولاً ، وثانياً أنك ولابد تمتلك موهبة حقيقية تجعل من كاتب مثل سارماغو يتنبأ بحصولك على جائزة نوبل خلال الأعوام القادمة !

كل ذلك حدث للكاتب البرتغالي (جونسالو إم. تفاريس) ، صاحب الرواية الشهيرة (أورشليم ) الفائزة بجائزة جوزيه سارماغو نفسه الذي قال في شهادته عن تفاريس بعد فوزه بالجائزة: (سطع اسم جونسالو إم تفاريس في المشهد الأدبي البرتغالي، لتمتعه بخيال خصب تجاوز كل حدود الخيال التقليدي، هذا إضافة إلى لغته الخاصة، التي جمعت بين جرأة الصك، وبراعة استخدام العامية، مما يدفعني للقول ومن دون أي قدر من المبالغة، مع كامل الاحترام للشباب من روائيي البرتغال اليوم أن جونسالو إم. تفاريس مرحلة يقف عندها الزمن، هناك مرحلة سبقته، وأخرى تلته. تنبأت أنه سيحصل على نوبل خلال ثلاثين عاماً، إن لم يكن قبل ذلك، وأنا على ثقة من نبوءتي، أسفي فقط على إنني لن أكون على قيد الحياة لأمنحه أحضان التهنئة).


صدرت رواية ( أورشليم ) في البرتغال عام 2005 م ،بقراءتك لعنوانها ستظن أنك أمام رواية تتحدث عن تاريخ هذه المدينة التاريخية العريقة ، لكن الحقيقة التي ستصدمك بعد أن تنهيها، أن رواية أورشليم لا يرد فيها ذكر هذه المدينة إلا مرة واحدة من خلال مقولة توراتية معروفة هي : «إن نسيتك يا أورشليم تنسى يمينى» ، وقد حورها تفاريس في مقولة ثانية داخل الرواية إلى «إن نسيتك يا جورج روزنبرج تنسى يمينى».


رواية ( أورشليم ) رواية المتاهات المتشابكة لتاريخ العنف والقمع في النفس البشرية ، تتناول الرواية فكرة اعتياد الشر والاستهانة بالعنف ، والرعب الذي يتسبب في عجز الانسان عن مواجهة قوى التعذيب.

قد يظن القاريء أن تافاريس سيتتبع تاريخ الحروب البشرية في روايته ، وسيجعل من أحداثها مسرحاً يستعرض من خلاله أفكاره ، لكن تافاريس يخيب ظن القاريء ويجعل من عنف البشر العاديين دليلاً على سهولة تبني سلوك العنف وممارسته .


تتناول الرواية الحالة النفسية للعالم الذي نعيش فيه ، تتحدث عن الإضطرابات والوحشية التي باتت تتسارع من حولنا ، منبهاً على القلق الذي بات يسيطر علينا من الداخل جراء الأخطار المحدقة بنا ، ولا يلجأ في ذلك إلى تضخيم أحداث الرواية ، لكنه يجعل من تفاصيل صغيرة صادمة وشخصيات غريبة أبطالاً لسرده الروائي وترجمة أفكاره .

ففي أجواء فنتازية سريالية يحرك تافاريس أبطال روايته القليلين ،في مسارات متشابكة عبر تحليل نفسي إنساني لشخوصهم ، متحدثاً عن القمع الذي يخضع له بعض من يتعالجون في المصحات النفسية ، تحت ذريعة أن أي شخص يتصرف بطريقة غير أخلاقية هو شخص مجنون في النهاية .

ورغم تعقيدات القصة وتزاحم الأفكار التي تبناها تافاريس في روايته إلا أنها تصل للقاريء ببساطة لأن الكاتب لم يستخدم أي تعقيدات لغوية ولا فصول طويلة ، لكنه عرض كل ذلك ببساطة وخفة في الأسلوب.

يطرح الكاتب مجموعة من الأفكارالفلسفية العميقة منها فكرة أن يكون الفراغ أو البطالة محرك رئيسي للعنف في النفس البشرية ، كما يطرح إفتراضية أن الشر والعنف ما هو إلا سلسلة متواصلة ، ففي الوقت الذي نعتبر فيه شعب ما ضحية لشعب آخر أقوى ، نجد أن ذلك الشعب المقموع يميل تلقائياً للإعتداء على شعب أضعف منه ، وكأنما هو يشير أن الشرغريزة موجودة في الانسان ، تظهر جلية ويمارسها متى ما استطاع ذلك .

البطل في الرواية باحث فيما أسماه "تاريخ الرعب" كرّس حياته كلها من أجل بحث واحد يسعى لمعرفة نتائجه ، يتتبع في دراسته وبحثه تاريخ العنف لدى الإنسان ، فيبدأ في دراسة الوحشية التي تغلف سلوكيات بعض البشر، وكيف أن الحروب تتفشى كالأوبئة في مختلف الأزمنة والأمكنة.

تثبت رواية ( أورشليم ) بأن فن السرد الروائي ما عاد يعني سرد أحداث لحكاية ما ، لكنه أصبح اليوم يتجاوز ذلك ملتحماً مع رؤى فلسفيه يقدمها الروائي وفق تقنيات فنية مختلفة وفي إطار عام من الحبكة الفنية المشوقة .

المفارقة أنك وما أن تنتهي من قراءة الرواية ، ستجد نفسك تتساءل لماذا أختار تافاريس اسم ( أورشليم ) لروايته ؟!


الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email