الدرس الذي نتعلمه من تجربة علي سيار الصحفية

 

لقد حظي الراحل علي سيار خلال حياته الصحفية باهتمام كبير، ففي العام 2003 بيت عبد الله الزايد لتراث البحرين الصحفي، أو كتاب يحمل ملخصا لرحلة علي سيار في الكتابة، بعنوان (رحلة قلم الأحلام والأوجاع) غطى جزءا من تجربته في صدى الأسبوع من 1969 وحتى 1979م. في العام 2004م أصدر الراحل خالد البسام دراسة عن سيرة علي سيار الصحفية، بعنوان (علي سيار وعمر من الكتابة)، وفي العام 2005م أصدر الدكتور منصور سرحان كتابا توثيقيا بعنوان (علي سيار عميد الصحافة البحرينية) وفي العام 2014م أسهمت في تسليط الضوء على سيرة علي سيار من خلال استنطاق ذاكرته بعنوان (رحلة في ذاكرة علي سيار الصحفية). وفي المقابل، كتب علي سيار عن كل شيء تقريبا، أكثر من نصف قرن. كتب عن الاخرين، ولكنه كان بخيلا في الكتابة عن نفسه، لأنه كان يعتقد أنه لا شيء أثقل على النفس من الحديث عن النفس، ولأنه كان يعرف من واقع خبرته في الكتابة كم هو ثقيل على القارئ أن يتقبل مثل هذا الحديث. ولأنه كان مشغولا طوال الوقت بالكتابة عن الناس وعن الأمة التي يحملها في قلبه. والثلاثية التي شكلت الجانب الأكبر من التجربة الصحفية لعلي سيار "القافلة" "والوطن" و"صدى الأسبوع"، مثلت أحد أهم الروافد التي صبت في النهر الكبير الذي نعيش على ضفافه اليوم، ولذلك فإنها لم تكن صرخة في واد، ولا مجرد مغامرة من دون معنى، بل كانت جزءا لا يتجزأ من العمل التنويري السياسي والاجتماعي والثقافي عبر العقود الماضية في خدمة هذا الوطن وأهله.

 - أذكر هنا، أنه وبمناسبة الاحتفال بمرور 20 سنة على تأسيس صدى الأسبوع، وتحت إلحاح الجميع، حاول علي سيار كتابة جانب من سيرته مرارا من دون جدوى (نشر منها عشر حلقات فقط بين العامين 1990 و1991م، مدفوعا باعتقاد بأنه يقدم للقارئ، بعضا من بوح الذاكرة بما هو انعكاس لاهتمامات جيل خاض معركة التأسيس والبناء، وقادته الآمال والأحلام، الى المشاركة في صياغة وجوده وهويته، وخوض العديد من المعارك من دون أن تثنيه الإحباطات عن مواصلة رسالته الإعلامية. لقد كان دوما يكتب بعض الصفحات التي لم تتجاوز الحديث عن مرحلة الطفولة، ويضطر للتوقف لأنه يجد نفسه ينشغل مجددا بالناس، وبالأحداث الجسام.

 

في حياة علي سيار ثلاث تجارب صحفية، كل واحدة منها، تستحق التوقف عندها، ولكنها جميعا تؤكد أن مدرسة علي سيار الصحفية كانت ترتكز على القارئ الذي لا يبحث في الصحيفة عن أمجاد رئيس تحريرها أو عن أي أمجاد صحفييها وكتابها، وإنما عن الناس الذين يعيش بينهم، عن صورتهم الحقيقية، عن همومهم وقضاياهم، عن أحلامهم وأشواقهم، عن مراسم الفرح في حياتهم.  فكان دوما يبحث عن القارئ. تلك هي الصحافة التي عرفها وساهم في تأسيسها، وتحويلها إلى واقع في جميع تجاربه الصحفية، منذ أن كتب أول مقالة له في مجلة شهرية كانت تصدر في القاهرة، (الشرق) في العام 1946م.، وحتى آخر مقالة كتبها في أخبار الخليج في العام 2006.

 

- في شهادتي اليوم عن علي سيار الذي عرفته وعملت معه تسع سنوات متواصلة، أشهد أن القلم عنده لم يتحول أبداً إلى أداة رقص على الحبال. فقد كان عنده أداة لقول الحقيقة، كما كان أبعد ما يكون عن وسيلة رخيصة للترويج والإثارة أو لصنع أمجاد زائفة وبطولات وهمية. لقد كان القلم سلاحه الوحيد، والأداة التي يلجأ إليها في السلم والحرب. ليعبر عن دواخله وأفكاره ومواقفه. لقد كانت الكتابة عالمه الذي لا يجد عنه بديلا.  وبقدر ما كان القلم في يده طيعاً، بقدر ما وضعه حيث يجب أن يوضع من التكريم والاحترام، فلم يمتهنه، ولم يتحول لديه إلى أداة رقص على الحبال... ولم يتجاوز حدود المهنة الصحفية.

 - واليوم ونحن نحتفي بذكراه في ذاكرة الوطن، ونتأمل الرحلة الطويلة التي أمضاها في الكتابة، نشعر بأنه قد أنجز شيئا مهما في حياته وفي حياة البحرين، لأن تلك البدايات الصحفية التي ناضل من أجلها مع رفاقه لتأسيس صحافة وطنية قد حققت في النهاية ما كانوا يتطلعون إليه عبر السنين. فالصحافة تحولت بفعل تطور الحياة إلى واحدة من أضخم الصناعات وأكثرها تاثيرا بالرغم من كونها معرضة لقانون الربح والخسارة. وليس بعيدا عن أذهاننا قصص الصحف والمجلات التي اختفت أو التي اندمجت مع غيرها من الصحف في محاولة لوقف التدهور السيئ في أوضاعها المالية.

 

 صدى الأسبوع البداية والنهاية

 

 (صدى الأسبوع) نجحت في استقطاب نخبة من الكتاب والمثقفين البحرينيين والعرب في إطار توجهها الوطني وموقفها العروبي الذي لم يتغير طوال سنوات صدورها رغم كل التحديات.  لقد كانت صحيفة المعارك التي لا تتوقف؛ وأتذكر في هذا السياق العديد من القصص والحكايات التي تعكس حالة التجاذب بين التطلع إلى الحرية الإعلامية، وبين مقتضيات الواقع، واكراهات القانون.  ولذلك عند أتصفح اليوم تاريخ صدى الأسبوع في محاولة لتقييم ما قدمته عبر السنين، التقي عبر كل سطر من سطورها الجهد المضني والمشقة الفائقة التي واجهتها عبر رحلتها، فقد كانت عملا صحفيا حقيقيا، ضد التخلف ومع التنوير، ضد الجهل ومع العقلانية، ضد الاستعمار ومع الحرية، ضد النزعات الانعزالية والطائفية ومع الوحدة الوطنية والخليجية والعربية. ضد الاستبداد ومع الحرية. وعندما نطالع اليوم تلك المجلدات من صدى الأسبوع (موجودة حاليا في بيت الزايد)، نكاد نشتم غبار تلك المعارك العديدة التي خاضها سيار ومن معه من الصحفيين والكتاب الذين كان يطلق عليهم اسم (الكتيبة) من أجل البلد والإنسان وتقدمه ورفاهيته..

 

 

 إرساء أسس واضحة للعمل الصحفي البحريني

 

- لقد أرسى علي سيار في صدى الأسبوع دعائم جديدة للعمل الصحفي في البحرين لم تكن موجودة قبل صدورها:

- على صعيد الرؤية كانت صدى الأسبوع مع الناس ومن أجلهم، وليست لرئيس التحرير ولا للمحررين. (فكان من بين أهم أبوابها: بعد التحية، وهايد بارك وإشارة ضوئية، وأشياء من أشياء...) وجميعها كانت إما بقلم القراء وإما حول ما يهم القراء.

- كانت أول صحيفة تصدر في البحرين وتهتم بالأخبار المحلية بصورة رئيسية ومركزة. وقد سارت سائر الصحف على هذا النهج الى اليوم.

- استخدام الكاريكاتير بصورة رئيسية للتعبير عن آراء معينة إزاء بعض المشاكل التي كاد يعاني منها المجتمع. فلأول مرة يصبح الكاريكاتير موضوع الغلاف في صحفية تصدر محلية من ناحية الإخراج الفني إذ كان السائد قبل صدور (صدى الأسبوع) أن الإخراج الفني للجريدة هو آخر ما يمكن ان يفكر فيه من قبل العاملين في حقل الصحافة المحلية.

- أذكر هنا وبكل صدق أن من أهم أسباب نجاح هذه التوجه الصحفي الناقد هو اتساع صدر المسئولين في الدولة والذي كان أرحب مما كان متوقعا في تلك الفترة؛ لقد كان المسئولون في صف الصحافة عندما تتعرض للنقد أو اللوم او الضغط عليها.

 الدرس من تجربة سيار

الدرس الأهم الذي نتعلمه من سيار ومن تجربته الصحفية هو أن الصحافة يجب أن تكون أداة تأثير على المجتمع وإلا فلا قيمة لها، كما يجب عليها أن تزعج الآخرين، من دون تجاوز للقانون والقيم.  كما كان يقول المسرحي الإيطالي داري وفو: "إن مهمة الكاتب هي ان يزعج الآخرين، وان يوقظهم". ولقد كان علي سيار يرد دائما: على الصحافة أن تنشغل بقضايا الإنسان، وان تعمل على تطوير المجتمعات وتنويرها وتحريرها من عبادة الأصنام. حتى تفتح بابا نحو المستقبل.

_______________________________________________ 

*ملخص الشهادة التي قدمها الكاتب في ندوة (سيار في ذاكرة الوطن) التي نظمها مركز الشيخ إبراهيم

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد