"كردم".. الإنسان والحياة

February 17, 2020

 

 

 

عرفناه منذ ثمانينيات القرن الماضي بشغفه وميوله الصحافية الذي أخذه بعيدًا عن أي حقل كتابي آخر يمكن أن يعرفه قراؤه والجهور بمواهب غير الصحافة. إذ خاض العمل الصحافي بين الصحافة البحرينية والخليجية والعربية، ثم الصحافة الأجنبية ذات النسخ العربية (لوموند ديبلوماتيك)، ولكن في سياق هذه التجربة يبدو هناك خيط خفي بين الكتابة الصحافية والكتابة السردية، وهذا ما نتج عنه بعد أن ظهر هذا الخيط ليؤكد لنا نحن القراء بوجود موهبة أخرى لدى محمد فاضل، وهي: الكتابة الإبداعية السردية. تلك الكتابة التي أنجبت عملاً سرديًا بعنوان (كردم)، ليضعه في قائمة كتّاب البحرين المبدعين في عالم القص والسرد والحكاية.

 

وقد وضع الكاتب على غلاف الكتاب كلمة (نصوص)، إذ بهذا يحيلك الكاتب والكتاب معًا مباشرة إلى مجموعة من النصوص كتبها الكاتب متفرقة أو مجتمعة، وربما تأخذ عدة موضوعات أو تناقش بعض القضايا المنفصلة. ولكن حينما تبدأ بقراءة هذا الكتاب فإنك تصاب بالدهشة والتساؤل، أي بين ما دوٌن على الغلاف، وبين ما دوّن من لغة وفكر وحكاية في المتن. فما كتبه محمد فاضل هو نص سردي بامتياز، ويتصف بلغة سردية روائية قادرة على بناء عالم متخيل ومتكئ على الأفكار واللغة والموضوع، وهو ما وجدته في كتابه هذا، بمعنى إنها نص واحد تربط بين فصوله أو أرقامه خيوط رفيعة أو متينة، إذ جعل فصل طيور الليل البيضاء مكونًا من عدة فصول معنونة باللغة، ومثلها الفصل الثالث والرابع.

 أما الفصل الثاني الذي أخذ عنوان كردم فجاءت فصوله بالأرقام، وكلما توغلت في قراءة ما اسماها (نصوصًا) اكتشفت عكس هذه المفردة، فما كتبه الكاتب هو نص واحد ينتمي إلى سيرة المكان والناس والحياة. نص يكشف أبعاد العلاقات الاجتماعية والإنسانية، البحث في العلاقات الدائرة بين أفراد الحي الواحد، الذي يشكل علامة بارزة توحي بأمكنة أخرى في البحرين، وكذلك كيف تنمو هذه العلاقات وتتجذر في ذاكرة المجتمع.

أكدت الفصول على بعض العادات الاجتماعية التي كانت تمارس بين أفراد المجتمع البحريني قديمًا، ومنها: الألقاب أو التمثل أو العودة بذكر حالة ما تماثل حادثة وقعت هنا أو هناك، وهي كنايات عن حدث ما أو حادثة ما، ومن تلك، جملة: (زكاة بن مطر)، فــ "زكاة بن مطر حدث المدينة في الزمن الماضي، عندما كان النوخذة بن مطر يخرج زكاته لفقراء المدينة الذين يزدحمون في طوابير أمام بيته – 40". وتقال هذه الجملة حينما يبدأ تجمع بين الناس ويكثر الاكتظاظ في مكان ما، مما تشكل الجملة طبيعة العطاء السخي من رجل ميسور من جهة، والمحتاج من جهة ثانية.

 أما جملة (عبد البنعلي)، فهي تشير إلى ذلك الوصف الذي "اشتق من مآثر قوة جسدية مفرطة لشخص قيل إنه من بحارة البنعلي، يرفع بيديه مرساة سفينة محمل، وصفت بأنها أكبر مرساة في البلد - 41 ". هكذا تؤكد الحكايات نفسها التي ذكرت في الكتاب، كما أتت الحكايات بقصة عائشة بنت علي، وكيف أصبح اسمها منتشرًا بين الناس، وباتت شخصيتها ماثلة في التراث بمنطقة المحرق، ثم اتسعت رقعة الانتشار لتكون في مناطق البحرين، وكان لهذه الشخصية حضورها المعنوي في الغناء الشعبي، هكذا كان يقال (حسب نص الكاتب) غناءً:

"وش ذا الونين يا عويشة في ذي الغرفة...

 يمة عشقني المولع وشق ثوبه"....

 

 

وعائشة التي كانت تتمتع بجمال أخاذ، وشخصية قوية في منطقتها جعلها تقف في وجه الأعراف والعادات، وفي وجه النواخذة سالبي الحقوق، وفارضي الواجبات على البحارة والغواصين وهم على قيد الحياة، وعلى أسرهم وأبنائهم في مماتهم، وهذا ما كانت ترفضه عائشة نفسها التي جابهت صراحة وبقوة كل هذه الفروض، مؤكدة رفضها أمام النوخذة بن عمير، وفي مجلسه أيضًا، فهي "لم تتحدَ بن عمير فحسب، بل تحدت المنطق الذي جعل كل فرد يقبل بقوانين وأعراف لم يأت بها شرع ولا دين – 75 ". ولكن القوة الغاشمة التي يؤصلها منطق النواخذة، وضعف العمال والبسطاء، وسيطرة المال والجاه التي يتمتع بها الرجل ومن حوله الأفراد المنتفعين، جعل عائشة في عالم الأموات بعد موت شمسة، حيث حقد ابن عمير وغطرسته، وطريقة عائشة في الدفاع عن ابنها، وتصغير شخصية النوخذة، فضلا عن علاقتها بشمسة. كل هذه الأسباب عجّل من موتها، وتعددت الروايات والأقاويل حول مقتلها، فهناك من يعتقد أن السبب رفضها الزواج بعد موت زوجها، وبخاصة حين طعنت في الرجولة بعد موت زوجها راشد. وهناك من يعتقد أن رجال بن عمير وراء مقتلها بسبب تصرفها، وآخرين يرون أن عويشة بات لديها من الأخبار التي حصلت عليها من شمسة يجعلها قادرة على فضح بعض رجالات الحي الميسورين، بمعنى "لم يكن لعويشة عدو واحد، بل أعداء كثر، هم في الحقيقة كل من قبل الخضوع لتلك القوانين والأعراف حتى ضحاياها – 73 "

وكما تناول الكتاب سيرة بعض الشخصيات المهمشة في المجتمع، وبعض شخصيات الطبقة الاجتماعية الرفيعة اقتصاديًا، وقف على أسلوب شراء وبيع الرقيق بين التجار بعد سرقة ونهب الأطفال من أفريقيا عبر السفن والبواخر التجارية، وهذه التجارة الرابحة من أجساد البشر، وهذا الأسلوب ذكره أكثر من كاتب وكاتبة في المنطقة، مثل: فوزية السالم حين ناقشت تجارة الرقيق في روايتها "النوخذة"، وناقشها يوسف البنخليل في روايته "بحر أخضر ولؤلؤ أحمر"، مما يعني أن مناقشة الهويات والأقليات، وما ينتج عنه من تفاعل أو تقارب أو تزاوج سواء إن كان سريًا أم جهريًا. وهنا يشير الكاتب إلى شمسة بالقول وعلى لسانها متحدثة إلى عائشة: " إنها ما تزال تذكر قريتها الصغيرة القريبة من البحر، قرب ميناء كبير يعج بالسفن، اختطفها تجار الرقيق وهي طفلة صغيرة وحملوها مع أخريات في رحلة شاقة عبر البحر – 64-63".

وفي البعد الذي وقف عنده الكاتب إبداعيًا، وشكل حالة من حالات الكتابة السردية لدينا في البحرين، فالكاتب لديه خبرة واسعة، وتجربة غنية في مجال الكتابة بوصفه في الأصل صحافيًا، بل مثقفًا صاحب فكر ووعي، وقد كوّن كل هذا بإيمان راسخ لدور الكلمة في تنمية المجتمع، ووعي أفراده، وتنوير فئاته، هكذا لم يقف عند الجوانب الاجتماعية في النص الذي كتبه، بقدر ما ولج دهاليز تلك الأفكار المنغمسة في عقول الكتّاب والأدباء والمثقفين والصحافيين، إنه يقف عند هذه المحطة التي أتفق معه كثيرًا، وهي ما تتعلق بالنرجسية التي تصل أحيانًا إلى التعالي في رسم شخصياتنا الأدبية أو الثقافية بواسطتها أو من خلالنا نحن، ففي الوقت الذي كان ينبغي على كل كاتب واعٍ حين يؤمن بدوره المجتمعي والتنويري أن يكون أكثر قربًا من فئات المجتمع، ولصيقًا بهمومه، وتطلعاتهم. 

وليس غرابة أن يبزر هذا الرجل باعتباره مثقفًا أو ذاك تبعًا لظروف أو حيثيات، وبخاصة أن المجتمع العربي عامة يعيش فوضى الأمراض الاجتماعية التي تشكل الشخصيات لتصاب بالنرجسية والفردانية المريضة. وهنا يشير الكاتب إلى ما اتصف به كل من بو حسن وبو مكتوم قائلاً: " لِمَ استكثر على بو حسن وبو مكتوم أن يرتقيا إلى صف من ننعتهم بالمثقفين؟ لدى  المثقفين ذوات متضخمة تثير الضجر في نفسي، ولعله ذلك الشعور المتأصل بالفردانية الذي عايشته في مهنتي. إنه شعور ملازم لكل من يعمل في هذه المهنة. والأدباء والمثقفين ليسوا استثناء، بل أكثر النماذج التي ستذكرنا بتلك النزعة الفردانية التي تدفع صاحبها للمغالاة في تقدير نفسه – 101".

كما أنني كلما توغلت في قراءة هذا الكتاب الذي وسمه بالنصوص يتأكد لي أكثر أن محمد فاضل ولد في الأصل ليكون كاتبًا إبداعيًا، فعباراته التي ينسجها هنا أو هناك، في هذا الفصل أو ذاك، تعطي القارئ إحساسًا بمكانته الإبداعية الحقة، حيث يتعامل مع الفكرة ليست مجرد كلمات أو جمل أو عبارة فحسب، وإنما يتوغل بك في دلالات الفكرة ومضامينها في سياق البناء الفني والجمالي الذي يؤكد لك موهبته الإبداعية، وطريقة طرح الفكرة منسوجة بعالم من الخيال والواقع والتطلع، كما أن كل عبارة دونّها في الكتاب لا تُقرأ بعيدًا عن تخيل القارئ تجاه تلك الأمكنة والناس والحركة، إذ يقول: "لا نشعر بوطأة الزمن وفعله إلا حين نرى التغيير ونواجهه، أن نكون وجهًا لوجه مع ما تغير فيما اعتدناه، ساكنًا. بشرًا كان أو حجرًا. بيتًا أم زقاقًا أو هندسة جديدة لمكان اعتدناه، وأصبح جزءًا من ذاكرة صارت تتباعد فيها المسافات والعناصر والبشر والأماكن – 128".

 

ثم يدخل بك في عوالم الهويات التي لم تكن مألوف الحديث عنها لعدم الانتباه لها في الأصل؛ لأنها لا تشكل حاجزًا نفسيًا أو اجتماعيًا بين أفراد المجتمع، إذ كانت مدن البحرين وقراها تتصف بالمزيج من القوميات والهويات التي جاءت من مناطق شتى، وعملت في حقول مهنية متعددة عامة، والمهن البسيطة بخاصة، وكل هذا كان في محيط التعايش والمحبة والسلام الاجتماعي الحقيقي، وها هو يعالج الموضوع بلغة جاذبة قائلاً: " يا جماعة .. هو من بيت من؟ شنو اسمه الكامل؟ سؤال لو طرح في يوم غابر لربما لقينا له إجابة، لكنه من ذلك النوع من الأسئلة التي لا تطرح كثيرًا في مدينتنا .... فسكان مدينتنا خليط من كل الأقوام، صهرتهم هذه المدينة بروح لا تعرف سوى التواضع والزهد والسخرية (وأعتقد السخرية هنا في مصاف الدعابة الاجتماعية العفوية المرحة المنتشرة بين أفراد الأحياء بالبحرين، وليس القصد انتقاص الآخرين) – 133".    وما أشار إليه محمد فاضل حول هذا الموضوع الذي أعتبره مهمًا في وقتنا الحالي الذي تباعدت فيه هذه المحبة وتشظت فواصلها، أي عمد عدد من كتاب البحرين إلى طرح هذا الموضوع الذي بات هاجسًا لدى الكثير من أفراد المجتمع البحريني، فقد ناقشه أحمد جمعة، وفريد رمضان، وبعض الكتاب الشباب الذين حاولوا، وطرحوا، ولكن ينقص ذلك عمق الفكرة ومعالجتها. 

 

 

 

 

*الدكتور فهد حسين ناقد بحريني، ومحاضر لمادة الأدب العربي بالجامعة المفتوحة (البحرين).

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد