رواية " الفيسكونت المشطور " ‏الخير المُطلق يُعادل الشرّ المُطلق

 

 

 

 

 

رواية " الفيسكونت المشطور" ‏للروائي الإيطالي إيتالو كالفينو  المولود في كوبا عام 1923 وتوفي في 1985، وهو كاتب ‏وصحفي وناقد وروائي، اهتم في السيتينات من القرن العشرين ‏بالمدارس النقدية والفلسفية ‏الجديدة ‏في فرنسا، واشتهر برواياته الثلاثية "أسلافنا"، ويتميز كالفينو برواية الخيال التاريخي والمزج الرائع ما بين الواقع والأسطورة عبر لغة جميلة وسرد روائي محكم.

هذه الرواية الصغيرة والعميقة تناقش فكرة الخير والشر والصراع بينهما، و‏رغم أن مفهوم الخير والشر قد نوقش دينياً في جميع الأديان ،و‏فلسفياً في معظم الفلسفات بكل أنواعها، و‏تاريخياً واجتماعياً ونفسياً بل ونوقش أدبياً أيضاً ، إلا أن هذه الروايه تطرح فكرة الخير والشر ‏بطريقة غرائبية مكتوبة بأسلوب سلس يشبه قصص الأطفال رغم عمق الكلام والفكرة .

‏هذه الرواية هي الأولى للروائي كالفينو، من ثلاثة أجزاء عناوينها الرئيسية " أسلافنا"، ولكل رواية عنوانها الخاص، وهناك ما يجمع بين الروايات الثلاث ‏التاريخية والأحداث الغرائبية .

 

‏مفتاح الرواية 

 

‏في اعتقادي بأن كلمة أسلافنا على غلاف الرواية هي مفتاح فهمها، وتعكس جزءاً من تاريخ هؤلاء الأسلاف الإيطاليين. هذا المفتاح بمثابة مجرى مائي مغطي بالخيال والفنتازيا كالغابات والوحوش، ولكنه ينكشف ويفضح نفسه بين الفينة والأخرى، ‏وذلك عبر إشارات في الرواية حول تاريخ ‏الأسلاف وتلك الإشارات على النحو التالي:-

- الآلات التي تطورت ‏من أدوات الموت والتعذيب والإعدام (آلات الشر) في‏العصور الأوروبية المظلمة ‏إلى أدوات الإنتاج والعلم (آلات الخير) .

- الموسيقىٰ وتطورها، وأساليب ري الحقول ، ومساعدة العجائز ...إلخ إلـــخ

- تلاقح الحضارتين المسيحية والإسلامية في نهايات عصر الظلام الأوربي، ودخول العقلانية والتسامح بعد إعادة ‏ترجمة وقراءة الكتب الفلسفية لأرسطو من اللغه العربية، وبالذات عندما بدأ الغرب في ترجمة كتب الفيلسوف ابن رشد.

 

وعن روايته "الفيسكونت المشطور".

 

فهي تروى على لسان صبي صغير لم يذكر اسمه، إنما عرفنا بأنه إبن أخت الفيسكونت (ميداردو دي ترّاليا) الذي كان يحكم إحدى المقاطعات في إيطاليا، ‏ذهب ذات مرة إلى الحرب فأصابته قذيفة مدفع شطرته نصفين. حيث قدّمت الرواية صوراً ومشاهد عن هذه المعركة بدلالات تعكس قُبح الحروب " ما زال غائط الكثير من الشجعان على الأرض في حين صعدوا هم إلى السماء". 

قديفة المدفع أدت إلى تطاير الفيسكونت في الهواء، نالت الضربة من رأسه، فلم يبقَ غير عين واحدة وأُذن ووجنة واحدة ونصف أنف ونصف فم ونصف دماغ ونصف جبهة، أي لم يبقَ منه إلا نصفه الأيمن وبشكل جيد ودون أي خدش. نجا الفيسكونت ‏من الموت بأعجوبة لكن لم يبقً منه إلا نصفه الشرير، الذي مارس كل صنوف الشر والقتل والتعذيب، وذلك بعد رجوعه كنصف جسد إلى مدينته. وفي كل خطوة يخطوها يضع إشاراته التي توضّح بأنه سبق أن مر على هذا المكان أو ذاك، وكل شيء كان يقطعة لنصفين، فالثمار في المزارع أو الغابة مقطوعة من النصف، نصف ضفدعة وهي تقفز، فطر في الغابة مشطور إلى قسمين، لذا أصبحت الأشياء كلها والحيوانات والنباتات وغيرها المشطورة ثيمة بأن الفيسكونت قد مرَّ من هذا الطريق.

وفي عهده وحُكمه تحولت كل المهن إلى أعمال شريرة؛ فالمُعلِم (بيترو كيودو) حرفي ونجار لا شغل له إلا تحويل الأخشاب والآلات إلى نصب للمشانق وصناعة أدوات التعذيب.

" وجد المُعلِم بيترو أن عمله في بناء المشانق متقن للغاية، لقد كان عمله هذا يُشكل قمة من قمم النجارة والميكانيك، فقد كان منظره ممتعاً وهو يدأب على العمل بمهارة وشغف، لكن ضيقاً ما كان يثير على الدوام وخزاً في قلب النجار، ذلك إن ما كان يصنعه لم يكن أكثر من إثارة آلام الأبرياء، كان يقول في سرّه: ماذا سأفعل؟ لِمَ لا تتاح لي الفرصة كي أصنع أشياء مختلفة الأهداف؟ ما هي الآلات الجديدة التي تتيح لي أن أصنع أشياء أرغب بحقّ في صناعتها؟". لكنه كان يحاول أن يتناسى أي أهداف إيجابية لعمله، بل كان يحاول إقناع نفسه بأن ما يفعله أعمال جميلة، فألآت التعذيب والمقصلة كان يُحدق فيهما ويرى الهندسة المعمارية لهذه الدعامات، هذا الصعود والهبوط للذيول، الترابط الوثيق بين الآلات الرافعة بين البكرات.

وحتى الطبيب (تريلاوني) البريطاني القادم عبر سفينة، أصبح اهتمامه مركّزًا على الحفريات والحشرات المضيئة.

 

ظهور النصف الخَيّر من الفيسكونت

 

‏وبعد فترة من الزمن إذ يظهر ‏النصف الآخر بعد أن تم إنقاذه بأعجوبة أيضا، فقد ظل هذا النصف من جسده مدفوناً بعد انشطاره في المعركة تحت هرم من بقايا المسيحيين والأتراك، لذا لم يتم العثور عليه، وفي قلب الظلام مَرّ بالحقل "ناسكان لم يكن من الممكن التحقّق فيما لو كانا مخلصين للدين الحقيقي أم أنهما كانا مجرد منجّمين، ويُقال إنهما حاولا أن يُحدِثا مَزجاً بين الثالوث المسيحي وإله النبي محمد، تقوى هذين الناسكين هي التي وجدت جسد ميداردوا المشطور، حملاه إلى كهفهما وعالجاه".

و‏أخذ هذا النصف الآخر بعد عودته لمدينته يمارس طيبته وأعمال الخير للناس وباقي الكائنات. يقول هذا النصف "كُنتُ أمرّ من هنا فشاهدت الانقليس وقد علق بطرف السنّارة، وقد اجتاحني شعور بالرأفة تجاهه، ورغبة في تحريره، لكنني سرعان ما فكرت بالأسى الذي يمكن أن يصيب الصياد، فقررت أن أضع خاتمي مكان الأنقليس، إنه آخر شيء أمتلكه ذي قيمة لدي".

 

مدينة المجذومين

 

كل مرضى الجذام في المدينة يتم نفيهم وإبعادهم عن المدينة، لدرجة أنْ أصبحت تلك المنطقة المخصصة للمجذومين مدينة خاصة بهم، ولأن هؤلاء المرضى كانوا ينتظرون حتفهم القريب، لذا كانت حياتهم كلها عبث وغناء ورقص وعزف، كأنهم في عيد دائم وعربدة كاملة. وقرر النصف الطيب من الفيسكونت زيارتهم، وحينما شاهد تلك العربدة والعبث، أخذ ينصحهم بالابتعاد عن هذه الموبقات بشكل نهائي، وتخويفهم من عقاب الإله لهم، ومن كثرة إسداء النصائح الأخلاقية للمجذومين المرضى، وتدخله في خصوصياتهم الشخصية لم يعد أي منهم قادراً على أن يقوم بما يثير اللذة في نفسه دون أن يتجنب الإدانة والمحاكمة وسط الساحة، حتى الموسيقى الصاخبة ما انفكّ يوَبِّخهم وإنها تافهة ولا توحي بأي إحساس جميل، حتى أدواتهم الموسيقية باتت وقد غطّتها الأتربة، حتى النساء المجذومات فقدن القدرة على الرقص وغدون وحيدات في مواجهة مرضهن وأخذن يُمضين الأمسيات وهن ينتحبن. وأصبح يقال: من الشطرين، يبدو أن الطيب هو الأسوأ.

 

جماعة الأوغونتي الطيبون

 

وهم جماعة هربوا من فرنسا بعد أن أمر الملك بتقطيع أوصال كل من يتبع ديانتهم، ليس لديهم إنجيل ولا يقيمون قداس ولا ترانيم يرتلونها ولا صلوات يقيمونها، ليس لديهم ثقة بأحد، يعيشون في حالة عمل دائم منذ الشفق حتى غروب الشمس، لقد ظلت ذكرى هروبهم والخلاف الكنسي ماثلة أمام أعينهم لدرجة أنهم بدأوا يمتنعون عن لفظ كلمة الله أو أي تعبير ديني آخر. وقام النصف الطيب من الفيسكونت بزيارة حقولهم وهو يبدي أسفه لقلة محصول القمح لهذا العام في مقاطعته وسألهم: بكم ستبيعونه؟ قال زعيمهم بمبلغ كان مرتفعاً، فرد الطيب: لكن هذا المبلغ كبير، أهل ترّاليا سيموتون جوعاً أيها الأصدقاء، لن يقدروا على شراء حفنة قمح، ربما لم تكونوا على علم بأن البرد قد أتلف محصولهم من القمح، وأنكم أنتم الوحيدون الذين يمكنهم إنقاذ الأهالي من الموت جوعاً. فرد زعيمهم عليه: نحن نعرف هذا، ولهذا السبب بالضبط سنجني الكثير من الأرباح، فأجابهم النصف الطيب: ولكن فكروا برحمة هؤلاء الفقراء، خفضوا سعر قمحكم وستحصلون مقابله الخير. فرد زعيمهم: أن نفعل الخير لا يعني أن نخفض أسعارنا. واستمر النصف الطيب في نصائحه لدرجة تَمَنَّت تلك الجماعة أن يرحل عنهم دون عودة أخرى لقريتهم.

وهكذا بدأ يرهق الناس من مثاليته وطيبته. وبات الناس متعبين من تطرف ممارسة الخير المطلق من قبل النصف الخيرّ، و تطرف ممارسة ‏الشر المطلق من قبل النصف الشرير .

وبدأ نقيض نصفه الشرير يمارس أفعال الخير بشكل مطلق، وينصح الناس بالخير لدرجة مطلقة، و‏لا يراعي المصالح والغرائز واللذَّات والمُتع ، ‏فكل شيء في الحياة لابد أن يكون مستقيما وسوياً، وهذا هو الخير المطلق .

‏لذلك عاش الناس في المدينة حياة بين الرأفة والرعب، فالنصف الطيب غدا قديساً، لكنه كان يتدخل في زراعة الناس وينصحهم بالتضحية ونكران الذات دون مقابل مادي سوى حصولهم على الخير .

لذلك لم يتحمل الناس هذا الخير المطلق، لدرجة أنهم كانوا يقولون عنه ‏بأن هذا النصف الطيب هو الأسوأ من النصف الشرير الذي لم يحتملوا شرّه المطلق، وهكذا "كنا نمضي، وقد تبدلت أحاسيسنا، وغدت باهتة الألوان، و ‏صرنا نعيش الضياع بين الشر والفضيلة اللذين ‏أصبحا لا إنسانية بشكل متساوٍ".

 

 

 

الخير وتحويل القُبح إلى جمال خيالي

 

بيد أن هذا النصف الخير من جسد الفيسكونت تمكّن من تحويل كل الممارسات القبيحة واللاإنسانية إلى جمال وحب وإنتاج، بعض أفكاره الجميلة خيالية وغير عملية، فها هو يقنع المُعلِم بيترو الذي بدأ يتخيل صنع الآلات كما في الرسوم التوضيحية للنصف الطيب. كان يقول للنجار بأن الآلة الموسيقية الضخمة لا بد أن تؤدي إلى شيوع موسيقى عذبة، وهكذا فإنه انخرط يبحث عن الأخشاب الملائمة للأوتار، لقد فهم من الطيب أنه يريد أن يمر الطحين بدلاً من الهواء، ففي المحصلة النهائية يجب أن تكون هذه آلة موسيقية وطاحونة في الوقت نفسه، طاحونة تطحن الدقيق لحساب الفقراء، بل لعله كان فرناً لخبز الفطائر، ويجب أن تكون هذه الآلة الموسيقية والطاحونة والفرن لها القدرة على رفع المياه لكي تُجنِب كبار السن مشاق ذلك، وأن تكون لها عجلات تمكّنها من أن تجوب القرى والبلدات، وأن تكون لها القدرة على الدوران في الهواء والتقاط الفراشات التي تحوم هنا وهناك. وقد بدأ النجار يشكك في قدرة الإنسان على اختراع آلة من هذا النوع بينما توجد آلات قادرة على العمل بدقة وعملية كما هي المشانق وأدوات التعذيب !. 

أما الطبيب تريلاوين الذي كان مهتماً فقط بالحفريات والحشرات في عهد النصف الشرير من جسد الفيسكونت فقد أصبح بقدوم النصف الطيب يهتم بالانسان وعلاج الأمراض.

حين يتم الفصل المطلق بين الخير والشر:

تشير رواية (الفيسكونت المشطور) إلى نقطة مهمة تتمثل في أهمية فهم الخير المطلق منفصلاً و"منشطراً" عن الشر المطلق، حتى نستوعب بعد ذلك نسبية العلاقة و"الاندماج"! بين الخير والشر. 

ففي سياق الرواية النصفان من الجسد يحبّان نفس المرأة (باميللا) التي كانت تتهرب خوفاً من النصف الشرير، وبعد أن رجع للمدينة النصف الطيب، كانت تعتقد بأن الفيسكونت ذو طبيعة مزدوجة، تارة يصبح شريراً وتارة يتحول إلى الانسان الطيب، ولكن بعد حين عرفت أن النصف الخير منه قد رجع إلى المدينة وأنه أيضاً مغرم بها. 

الطيب يخاطب باميللا:" آه يا باميللا، هذا هو فضل أن يكون الإنسان مشطوراً، إنه يعني القدرة على فهم أي شخص، وما هو العذاب الذي يعانيه أي كائن في هذا العالم من جراء شعوره بأنه ناقص، أنا كنت كاملاً، ومع ذلك لم أكن أفهم جيداً، كنت أتحرك مثل أطرش، غير قادر على أن يقيم جسراً من الاتصال بينه وبين الآلام والجراح المنتشرة في كل مكان، هناك حيث الإنسان أقل كمالاً لكنه يجرؤ على أن يؤمن بشيء ما، ها أنذا الآن أملك شعوراً بالأخوة أكثر مما كنت أعتقد عندما كنت إنساناً كاملاً"

هنا محاولة لفهم الذات الخيّرة منفصلة عن الذات الشريرة في العقل الواحد. ويتوضح ذلك أكثر في الحوار الذي جرى بين النصف الشرير والصبي الراوي:" هكذا إذا ما رغبت بشطر شيء كامل إلى نصفين، ربما استطاع أي شيء أن يخرج خارج كماله الساذج البليد، عندما كنت كاملاً كانت تبدو لي الأشياء بأسرها طبيعية ومختلطة، بلهاء كالهواء، كنت أعتقد بأني أرى كل شيء، لكنه في الحقيقة لم يكن سوى مظهر خارجي للأشياء. هكذا إذا ما صادف وتبقى لك نصفك، عندئذ سأهنؤك أيها الصبي، عندها ستدرك تلك الأشياء التي تقع فيما وراء ذكاء الدماغ الكامل، ستفقد آنذاك نصفك ونصف العالم، لكن ذلك النصف الذي سيبقى سوف يكون أكثر عمقاً وثمناً بآلاف المرات".

 

‏النهاية لابد من وجود الخير مع الشر 

 

‏تنتهي الرواية بمعركة بين النصفين كمبارزة بينهما للحصول على الفتاة التي أحبها الإثنان،و ‏تعاركا وانجرحا، و‏تمكن الطبيب من علاجهما ولصق النصفين المشطورين، و‏بعد عدة أيام من العلاج فتح الفيسكونت ‏عينيه "كانت قد امتزجت واختلطت، كانت إحدى عينيه مقطبة والأخرى ضارعة، الفم مبتسم من إحدى زاويتيه ‏ومنفرج من الجانب الآخر، ثم رويداً رويداً بدأ الانسجام يحيط بكل قسماته، وأصبح إنساناً كاملاً" . 

‏وهكذا رجع الفيسكونت كاملاً، لم يكن ‏شريراً ولا خيّرا وإنما مزيج من الخير والشر لذلك أصبح أكثر ‏حكمة وعاش حياة ‏سعيدة وأصبح النجار يصنع الطواحين بدل المشانق، ‏وأصبح الطبيب مهتما بعلاج الناس بدل الاهتمام بالحشرات .

فلسفة الرواية أصبحت واضحة، وهي كأنها نقد للثنائية الزرادشتية بين الخير والشر، فللخير إله هو (أهورامزدا)، وللشر إله هو (أهريمان)، ويمكن تعطيل الثاني بالأول، بيد إن مجريات الأحداث في الرواية ونهايتها قد كشفت بأن لا الخير المطلق سيقبله المحيط المادي والمعنوي، ولا الشر مقبول، وحتى لا يتعادلان ويتساويان في القيمة، فعلى الإنسان أن يكون كاملاً لا مشطوراً !.

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد