الفلسفة، وبهجة اليقين

لا افهم (منطقياً) الموقف السلبي الذي تتخذه المنظومات الاكاديمية العربية في كثير من الجامعات العربية. اكثر من هذا، لن يعود مقبولاً التحفظ الفض الذي يتخذه كهنة الدين في عديد من المجتمعات العربية.

عدم الفهم هذا، وعدم القبول يصدران من باب السجال الافتراضي مع اصحاب هذين الموقفين، ليس سعياً لاقناعهما، ولكن لئلا يأتي علينا يوم يقال اننا ام نكن نقرأ التاريخ ولا نعبأ بالواقع.


٢

عندما كان قدماء العرب يترجمون الفلسفة اليونانية، حرصوا على تفادي جوهرها السجالي الصادر عن الشك والذاهب الى الحوار، كان بعض العرب، تحت ربقة الدين، لا يقبلون طرح الاسئلة على الفكرة الدينية، ولا يطلقون للفلسفة حرية محاورتها مع الدين. لذلك كانوا يأخذون من الفلسفة اليونانية النتائج، ويطرحون الألية ومنطقها العقلاني.


٣

وقتها كان متاحاً وسهلاً اتهام اصحاب السؤال والشك بالزندقة، ليكون هدر دمهم مشاعاً بين الناس، وكان علينا الانتظار قرون طويلة لنفهم الوقع الايجابي لأسئلة وفكر ابن سينا في الثقافة الغربية.

وكذلك الفاراببي وغيرهما. المعزولون في الثقافة العربية.

كان علينا الانتظار طويلاً، لنفهم هذا الامتثال المثالي الذي يفرضه الدين على العرب، حيث الاسئلة المحرمة، وحيث من يسلم عليه ان يستسلم لفكر الدين، فثمة دين عندما تدخله، اما ان تقبله كله او .. ليس لك ان ترفض منه شيئاً، بل لن يكون بوسعك ان تطرح عليه الأسئلة. فجميع الاسئلة موجودة في النص الأول.


٤

فإذن، فالفلسفة ليست مرغوباً فيها، ولا تكون مأمونة العواقب اذا ما استفردت بعقل الشخص.

من هؤلاء الذين اتوا يستبصرون لنا النص وتأويله؟

من هؤلاء (المتميزون باللؤم العربي) الذين يطرحون علينا درس الفلسفة للتشكيك في ايماننا المتين بالدين؟ هؤلاء الجهلة الذين يعرفون (بعنجهية الخبث) ان الدين، أي دين، لا يصمد أمام الأسئلة.

فإذن، فالفلسفة ليست في برنامج حياتنا، لئلا ننغص في عقولنا غفلتها.

فإذن، فلتكن البهجة في يقين البهائم.


٥

“باسكال” هو الذي قال : (ان رفض الفلسفة هو تفلسف مسبق). غير اننا قصرنا عن مجارات الفلسفة في الثقافة الانسانية، لتأخرنا عن اطلاق حريات الحوار في ثقافتنا ومجتمعاتنا وتفكيرنا نحو المستقبل. وربما عشنا، بلا حس تاريخي، بتاريخ لا يعبأ بالمستقبل، إلا بوصفه تهديداً لمستقرات الحال. حتى ان العودة المتأخرة للفلسفة في بعض دوائر الثقافة والمجتمع العربيين، جاءت كمحاولة لمجابهة اصحاب الدين والسدنة الموكلين من الله، وللتصدي للردة الوحشية للهؤلاء. لكأن الناس صاروا يتسلحون بالحديد الذي يفلّ حديد الدين.

حتى ان “باسكال” سوف يفضحنا مجدداً، نحن الذين بلا فلسفة نلتفت لدينٍ ينقض الفلسفة بوصفها العدوّ الوشيك.


٦

سيفوت الراجعين (لجوءاً) الى الفلسفة، لمجابهة الفاشية الدينية، أن الشرط الأول لحيوية الفلسفة وفعاليتها هو الحريات بكل ابعادها وأشكالها وعناصرها. فليس من المتوقع التلاعب بشرط حرية الفكر في سبيل استغلال التأمل العقلاني لمعالجة أزمات المجتمع العربي. فمن غير توفر المناخ الحر للعمل الفلسفي في المؤسسات الأكاديمية والثقافية والاجتماعية، سيكون العمل الفلسفي كناية عن التمثل الشكلي غير الجوهري في حياتنا. والامتثال لنقض العقل.


٧

ليس ثمة منطق يفسر لنا وجود جامعات برمتها، تخلو مناهجها من درس الفلسفة. وعدم وجود المنطق يتصل أصلاً بغياب الفلسفة، بوصفها علماً، من بين عناصر درسها البديهي، علم المنطق.

بعضنا قد لا يصادف المفارقة في حياته اليومية. فهو يتناول ويستخدم ويستهلك منتجات العلم الحديث، دون ان يطال المنطق السجالي الذي يقوم عليه ذلك العلم، ولا يتصل بالحريات المتصلة بفكره.

ولعل الاستدراك المتأخر (كل وقت مناسب للعودة عن الخطأ) الذي سيلجأ اليه بعض العرب، من شأنه ان يسعف الأحفاد وينقذهم من التيه. سيكون على العرب الانتباه (مهما تأخر) لتفادي تسليم اجيالنا القادمة الى الفراغ. فكل ممارسة اجتماعية تخلو من العقل وآلياته الحرة، هو ذهابٌ صريحٌ للفراغ.


٨

هذا هو وقت المرح. ليس ثمة تناقض مع الفلسفة. الفلسفة هي ضربٌ من مرح متاح لعقل نشيط. المثل لا يتناسب مع الاثنين، المرح والفلسفة. كليهما يتطلب النشاط.

الذهاب الى المرح واحد من حقوق الانسان، ولذا كان الفرنسيون قد غفلوا عن تثبيت هذا الحق في اعلانهم الشهير وقت كتابته، فهذا ليس من شأننا. المرح حق لازم، وليس لنا تفاديه او تفادي المطالبة به، عندما يدور الكلام عن الفلسفة.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email