لحظة النقد... الدكتور علوي الهاشمي في ذاكرة الابداع النقدي


إن ما قدمه الناقد والشاعر والأكاديمي البحريني الدكتور علوي الهاشمي خلال مسيرته النقدية والأكاديمية والفنية من جهد نقدي حول الشعرية البحرينية يكاد يكون آخر ما قدمه النقد البحريني المعاصر من إسهام تحليلي للنتاج الشعري البحريني المعاصر، ولم يستطيع إلى حد اليوم أحد من نقاد الجيل الثاني تجاوزه كميا أو نوعيا، بل يبدو من الواضح أن هذا الجيل، ما زال يعيش عالة على هذا الجهد، مكرراً مقولاته الأساسية. ولذلك يظل الجهد النقدي لعلوي الهاشمي هو المرجع الرئيس لأهم ما كتب إلى حد الان في هذا المجال.

والدكتور علوي عندما بدأ مغامراته الإبداعية في الستينات من القرن الماضي، كان أحد أهم من أسسوا الحركة الشعرية الجديدة، بل وكان لتجربته الشعرية تميز واضح على مستوى النضج الفني كما على مستوى المضامين، تشهد بذلك مجموعاته الشعرية الأربعة "الجرح المسافر"، "من أين يجيء الحزن"، "العصافير وظل الشجرة" و"محطات التعب".. وبالرغم من ذلك، فإن علوي الهاشمي الناقد، وصاحب "ما قالته النخلة للبحر" "وشعراء البحرين المعاصرون" قد طغى على علوي الشاعر، وقد يعود ذلك إلى عكوفه طوال سنوات طويلة على الدراسة النقدية الأكاديمية المعمقة، والتي أعطاها من وقته وجهده الكثير. وقد أثمرت الدراسة النقدية الشاملة (السكون المتحرك) ً، وهي ثمرة سنوات من البحث في ثنايا مدونة التجربة الشعرية البحرينية المعاصرة، على امتداد خمسين عاما، ابتداء من سنة 1930، إلى منتصف الثمانينات من القرن الماضي.

بنية الإيقاع وبنية اللغة وبنية المضمون


ظهر جهد علوي الهاشمي "السكون المتحرك"، الصادر منذ عدة سنوات عن اتحاد أدباء وكتاب الإمارات. وهو مؤلف من 3 أجزاء، يتعلق كل جزء من أجزائها ببنية من بنى الشعر الثلاث: بنية الإيقاع (ج1) بنية المضمون (ج2) وبنية اللغة (ج3) ، وليس المهم في هذه الدراسة مسحها للتجربة الشعرية البحرينية المعاصرة على مدار نصف قرن من الزمان، وإنما المهم حقا أن الرجل اتبع فيها منهجا علميا صارما اتكأ فيه على الطرائق البنيوية والأسلوبية، دون التقيد بنهج مدرسي ضيق، بأدواته المعلنة والصارمة، وإنما اعتمد على دراسة الشعر من الداخل بأدوات أسلوبية وبنيوية مبتكرة من خلال الاشتغال النقدي والمقاربة اللصيقة للنصوص، وذلك في البحث في علاقة النص الأدبي بقاعدته الاجتماعية، وبذات الشاعر في نفس الوقت.. وهي تكاد تكون المرجع الأكثر أهمية لمن أراد الدخول إلى تجربة الشعر البحريني المعاصر من بابها الواسع والشامل:

-المدخل التاريخي، أو مدخل تاريخ الأدب، من أراد أن يؤرخ للحركة الشعرية في البحرين من حيث نشوؤها وارتقاؤها من الثلاثيات وحتى الثمانينات، بمدارسها وروادها وأجيالها ومنعرجاتها وتطورها.

-والمدخل الثاني هو المدخل المضموني بالمعنى التقليدي للكلمة، فالدراسة بالرغم من عدم انتهاجها منهجا أغراضيا، فقد انصب جهد الباحث فيها في قسم كبير منها على دراسة جدلية المضمون مع الواقع ومع البنى الفنية ولذلك يلمح القارئ تحليلا وافيا للمضامين المختلفة لتلك التجربة بمختلف رؤاها واتجاهاتها المدرسية والفكرية.

-أما المدخل الثالث فينصب على الدراسة البنيوية الأسلوبية الإيقاعية، وهي الأكثر طرافة وصعوبة في ذات الوقت، لأنها انصبت على تحليل بنى تلك التجربة بكل تعقيداتها وفي خط تطورها التاريخي والفني.

و قد استند الباحث في الأجزاء الثلاثة على المنهج البنيوي الأسلوبي، مبتعداً عن ساحة المعيارية وإطلاق الإحكام أو الانتقائية، وقد مكنه هذا الخيار المنهجي المستند إلى البنية والأسلوب في ذات الوقت (أو ما يسميه هو السكون المتحرك) من تحليل تلك التجربة الشعرية البحرينية، في مكوناتها الثلاثة: (المضمون-اللغة-الإيقاع) وقد مكنه ذلك أيضا، من تقليب التجربة الشعرية على وجهيها الرئيسين، الداخل والخارج أو الخاص والعام أو الذات والواقع، منهيا بذلك ذلك الانفصام غير المبرر بين النص والواقع، كما ظهر في بعض الدراسات السابقة، التي انطلقت من خارج النص إلى داخله، أو ظلت سجينة البنى الداخلية دون أن تقوى على الفكاك من أسر الشكلانية الخالصة...وقد تمكن الباحث في هذه الدراسة من اختراق تلك الثنائية بأداة منهجية متناسقة تقوم على علاقة الجدل المتفاعلة بين الداخل والخارج، لان الفصل بين الثنائيات في هذا المقام- كما يقول الباحث- أمر في غاية الصعوبة.

كان من الطبيعي أن تعكس ثنائية السكون المتحرك في التجربة النقدية التي أسسها الدكتور علوي الهاشمي في كتابه النقدي الأكثر شهرة " السكون المتحرك" على خطة البحث، وتكوين أقسامه المختلفة، إذ جنح المؤلف إلى عدم الفصل-أثناء تحليل أي ظاهرة من الظواهر الشعرية-بين الشكل والمضمون، متجاوزا بذلك الوضع الثنائي السكوني الذي كان يتم فيه الفصل بين الجانبين في المنهج التقليدي، معتمداً على ما سميه "المضمون المتشكل" أو يحلو له تسميته "السكون المتحرك".

وبالرغم من أن الباحث قد اعتمد على خطة مثلثة الأضلاع تنطلق من المضمون فاللغة فالإيقاع، وهي بنى تتدرج تراكبيا، من الواقع (المضمون)، فاللغة (التراكيب والخيال)، فالإيقاع (كتكوين وكإطار)، مشكلة بذلك بنية هرمية تركز على الواقع الاجتماعي والنفسي، فإنه( أي المؤلف) قد قام بانقلاب على ذلك التراكب أو التدرج بادئا بقمة الهرم، أي البنية الإيقاعية للشعر ليمر باللغة ويستقر في القاعدة (المضمون).

وقد برر المؤلف هذا المسار المعكوس بأن البنية الإيقاعية هي البنية الأكثر صلابة وضبطا ووضوحا من سواها، رغم طابعها التجريدي، حيث أفضى بنا هذا الاتجاه إلى قاعدة النص الشعري، المتمثلة في العاطفة.

ولاشك أن علوي الهاشمي قد نجح في تجنب الوقوع في مزالق عديدة، عندما فضل البدء بالتصنيف الإيقاعي (البنيوي) للتجربة الشعرية في البحرين، وأكثر تلك المزالق خطورة كان يمكن أن يظهر-ويحدث تشويشا على منهج الدراسة-لو أن الباحث انطلق من التصنيف المضموني أو التاريخي في ملاحقة تطور تلك التجربة، نظراً لتداخل تلك المدارس والرؤى وتقاطعها عند الشاعر الواحد، وفي مختلف مراحل التطور ضمن التجربة الواحدة ..

كما شكل الانطلاق من البنية الموسيقية للنص تطابقا مع المسار التاريخي لتطور التجربة الشعرية في البحرين، فقصيدة العمود، كانت المنطلق، ثم تلتها قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر، ولعل هذا ما دفع الباحث إلى اتخاذ قصيدة العمود كقاعدة انطلاق التجربة الشعرية في دراسته، جاعلا من قصيدة التفعيلة مرحلة انتقالية جعلت البحث أقرب ما يكون إلى عدة بحوث في بحث لأنه اتسع إلى مادة غير متجانسة، تتوزع على مراحل عديدة وأطوار ومنعرجات في تاريخ التجربة الشعرية في البحرين، ولعل تفسير ذلك يعود إلى أن الدراسة كانت بحثا جامعيا، آل الكاتب فيه على نفسه استقصاء كل تفاصيل تلك التجربة منذ بداياتها وحتى نهاياته، ومما زاد الأمر تشعبا أن الباحث جنح إلى دراسة البنى الثلاث عبر مجالاتها المزدوجة الخارجية والداخلية، أي من خلال بعديها البنيوي والأسلوبي، ولعل هذا التشعيب المقصود يرتد إلى طبيعة المادة الشعرية ومراحل تطور التجربة ومكونات النص الشعري نفسه.


أما على مستوى دراسة التجربة الشعرية نفسها، فقد انطلق الباحث فيها من القصيدة العمودية، والتي تستقطب عشرة شعراء، أغلبهم من الرواد، ولهم أكثر من ديوان واحد، ويبلغ عدد الأبيات التي خضعت للدراسة والتحليل والتصنيف ما يربو على 50 ألف بيت لشعراء مثل إبراهيم الخليفة، وعبدالرحمن المعاودة، وإبراهيم العريض....وغيرهم، وقد توصل إلى نتيجة بارزة-وبديهية في الحقيقة- وهي أن القصيدة العمودية قد بدأت صلبة "متزمتة" ثم بدأ الانزياح فيها عن النموذج الكلاسيكي يتسع ليبلغ مداه مع الشاعر إبراهيم العريض الذي كاد يكتب قصيدة التفعيلة على حد قول الباحث.

وتأتي بعد هذه المرحلة مرحلة ثانية تضم خمسة شعراء منهم غازي القصيبي وعبد الرحمن رفيع وعلى عبدالله خليفة، وعلوي الهاشمي ويوسف حسن، وهي التي يسميها علوي بالمرحلة المزدوجة. أما مرحلة قصيدة التفعيلة الخالصة، فتضم عشرة شعراء أشهرهم قاسم حداد، وعلي الشرقاوي...وهي أيضا مرحلة متجهة نحو التحرر من التفعيلة تدريجيا إلى أن تبلغ عند بعضهم مرحلة قصيدة النثر...

وقد استغرقت المرحلتان (العمودية/التفعيلة) جل الدراسة وجل اهتمام الباحث على مستوى المساحة كما على مستوى المنهج وخطة البحث جميعا، أما قصيدة النثر، فهي لم تستقطب أكثر من جزء ضئيل من مدونة البحث، لأنها جاءت كشكل شعري متأخر عن الحدود الزمنية التي حددها الباحث لبحثه (30/80)، إلا أن الباحث اهتم بأربعة من شعراء هذه المرحلة لأن بداياتهم الشعرية اتصلت بإحدى المرحلتين السابقتين أو بكليهما، وركز في هذه المرحلة على ما أسماه تأسيس بنية عضوية جديدة تدعى تميزها بالتناقض والضدية أو التجاوز لتتخطى حضن البنية الأم.



ملاحظة: إسهاب...

-بقيت بعض الملاحظات التي نسجلها بخصوص هذه الدراسة، منها أنها كانت مسهبة جدا، بل إن قد يجد القارئ بعض التكرار والدوران حول نفس الفكرة او النقطة في بعض الأحيان، وقد يكون ذلك عائدا إلى الخيار المنهجي الذي اختاره الهاشمي، من خلال تقليب التجربة الواحدة على مختلف أوجهها، لما لها من اتصال وثيق ببعضها البعض، ولما لها من مساحات مشتركة، فضلا عن أن الشاعر الواحد قد يكون منتميا إلى أكثر من مرحلة شعرية، وتجربته قد تكون موزعة على أكثر من محور و" مدرسة" شعرية.

ومع ذلك تمثل هذه الدراسة جهدا متسع المدى وكبير الفائدة بالنسبة لمن أراد أن يطل على تجربة الشعر المعاصر في البحرين من الباب الأكثر اتساعا ومنهجية، حيث أن علوي الهاشمي قد تسلح في مقارباته النقدية بالمناهج الحديثة في مقاربة النص الأدبي، مقاربة منهجية، بما مكنه من تحقيق مثل هذا الانجاز النقدي.

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email