ظلٌ عاقل



-أنت مجنون.

تتجسد صورته أمامي ولسانه يتدلى وهو يوجه إتهامه إليّ. ويتلاشى مثل الدخان.

يظهر وجهها؛ يتشدق لسانها بتهمة باطلة.

-أنت مجنون.

تذوب في مكانها مثل تمثال من الثلج. تبقى نقعة الماء دليلا على صدقي وتثبت للدخان المخاتل وللثلج الجبان بأني عاقل.

في الليل تدق الطبول في أذني..

-أنت مجنون.

لست طبلا في جوقة الراقصين ونفي يُثبت أني عاقل. تتلاشى الدقات؛ تصبح أصداء خارج الغرفة، تهيم على وجهها.

يهمس ناي قرب نافذتي.

-أنت مجنون.

حتى أنت! كم عشقتك منذ الصبا، هل تذكر اليد التي انتشلتك من مكب النفايات حينما رموك كما ترمى الخرق البالية وكما ترمى الزبالة؛ حينها امتدت يد طفل ورفعتك عاليا ثم بدأ ذلك الصغير في النفخ فيك حتى تناثرت نغماتك في أرجاء المكان.

هل كنت عاقلا وأصابني مس من الجنون دون أن أعي؟ لا زلت أتذكر الوجوه وأتعرف على الأصوات؛ إذا فأنا عاقل!

-أنت مجنون؛ منذ أن وقعت في حبها.

كذبت وكذبوا.

صوت آخر في الزاوية.

-أنت مجنون؛ منذ اللحظة التى غوتك وسرت كالنائم خلفها.

ولكني كنت أرى المجانين وأجلس مع بعضهم وأدعهم يثرثرون. لا لست مثلهم. لم أضحك وأنا ألتقي الآخرين؛ دون سبب ولم أتحدث بكلام يشي بنقص في عقل. وهم يتحدثون بجمل غير مترابطة. يمزحون حينا وحينا آخر يغضبون.. مرة تشي ملامحهم بسلامة عقولهم ومرات يقذف القدر بحسائه على الآخرين.

-أنا عاقل حتى هذه اللحظة.. لماذا الإصرار على وسمي بالجنون.

حط الغراب الأسود قرب نافذتي ونقر عليها ثلاث نقرات.

-أنت مجنون، يوم سلمت نفسك إليها فهامت بك في وديان سحيقة.

ولكنك أنت الوحيد الكاذب في وضح النهار ياغراب النحس!

طار اللعين وحط على غصن الشجرة المقابلة لغرفتي وأخذ ينعب بجنوني!

-أنت مجنون.

-أنت مجنون.

-أنت مجنون.

-أنت مجنون.

تداخلت الأصوات في بعضها؛ صوتها وصوته وآخرون معهما. أختلط الحابل بالنابل؛ أصوات بشر، نعيب غراب، دقات طبول وترانيم ناي. عادت متجسدة في صورة سريالية تتقاذف لفظة الجنون.

تسقط الألف على رأسي مثل إزميل فيسيل دمي. وتلومني اللام وهي تعي بصدق مقالتي. تحرقني الجيم كجمرة فوق ظهري وكم كنت أحملها ودودة وأليفة فوق كتفي. تحورت النون حتى غدت قوس نبلة ترشقني بالسهام وأنا الذي ناغيتها في المهد؛ حين كانت طفلة شقية.

حتى الواو وشت بي دون وجه حق ونسيت كم كنت أمينا معها منذ أن شربت الصدق حليبا حانيا. وتركض نونا أخرى، ترقص في الطرقات.. المجنون وصل.. المجنون وصل.. يقذفني الصبية بالحجارة؛ حثالة تزفني.

لو كنت مجنونا لما شكوت الحال؛ وهل يشتكي المجانين!

ولو كنت كما يدعون؛ لما ميزت مايقولون ويتشدقون.

كنت دائما أمشي في ظلال الحيطان؛ لم أشتم أحد، لم أتبل على أحد، لم أنظر بشماتة لإنسان.. ولدي شهودي.. أسألوا تلك الجدران؛ فهي لم تعد صامتة!

ومن التي أحببتها؟ ولماذا يرجموني بالجنون.. ؟ وهل حبها ضرب من الجنون!

أحببتها نعم وعشقتها عين قارئة وأنامل تعشق الكتابة..

سحرتني.. أغوتني.. همت معها في أودية الخيال.. ولازلت أهيم معها وأرتحل..

-لكنك مجنون..

-نسغ قلمك أسود ويقطر بالجنون..

-كل ما ألقته في روعك محض جنون..

دعوني وجنوني.. أنتم اليوم الفائزون.. تربعتم على عرش الصفحات وتسللتم إلى أسلاك الأثير..

صرت.. صرنا ظلا لا يُرى إلا بمعيتكم..

هل أنا عاقل أم مجنون!

-طالما صرت ظلا فقد كمل عقلك!

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email