الكتابة تفادياً لسأم التكرار

 

 

هل سيعرف الكاتبُ كيف يكتب؟

من تجربتي، سوف أشكّ في هذا. فالحق أن فعل الكتابة، بالنسبة لي على الأقل، يأتي على غير مثال في كل مرة. وكلما جاءت الكتابة اكتشفتُ لها طريقة جديدة، طريقة ليست مختلفة فحسب، بل ربما تكون نقيض المرة السابقة لها. وفي هذا شكلٌ من أشكال ابتكار الأسلوب. وعند الكاتب، تسعف الكتابةُ الشاعرَ وهو يعمل على صياغة أشكاله واجتراح أساليب كتابته. مثل نهرٍ يحفر مجراه.

2

في أول الأمر

أعني في بدايات التجارب الأولى عندي، كان ثمة طريقة في الكتابة، اعتقدتُ بها، مثل أبناء جيلي في تلك السنوات، مفادها أن القصيدة، لابد أن تكتب في دفقة واحدة، في جلسة واحدة، ففي ذلك إخلاصٌ فنيٌّ يتوجب الامتثال له، لكي نتلقى الحالة الشعرية بشكل كامل. غير أن تلك الطريقة، مع التقدم في السن والتجربة، لم تعد تناسبني، أو هي، على وجه التعيين، لم تعد تناسب طبيعة التجربة الراهنة، الأمر الذي غيّر عندي طريقة الكتابة.

الآن، منذ سنوات، صرت أكتب النص في حالات وأوقات وأشكال مختلفة، خصوصاً ليس في جلسة واحدة. ليس فقط لاختلاف طبيعة تجاربي الأخيرة، التي تظهر في صورة مشاريع كبيرة، بالغة التركيب وتعدد العناصر، ولكن أيضاً لاختلاف المزاج النفسي والفني الذي تتأثر به حالات الكتابة. وربما وجدت نفسي، في بعض الأحيان، أضع العديد من النصوص الصغيرة مشكلاً بها مداخل متعددة لكتابة النص، خصوصاً، إذا كان على شكل مشروع كتابي متنوع الرؤى والعناصر.

 

3

واتصالاً بتجربتي التي صرت أقتنع (اقتنع) بها ببعض الشك، وأعيد النظر في متوالياتها نصاً بعد نص. وهي المتمثلة في فكرة النص المفتوح من جهة، والتقاطع الفني لأنواع التعبير الفني، حيث النص يمكنه أن يكون متصلاً بالنثر والحوار والسرد والشعر والمسرح، وغير ذلك مما يمكن للكاتب أن يجد في لحظته الإبداعية ما يستدعي الاستغراق في موجه.

أقول، إن هذا الشكل من الرؤية الفنية، ربما أخذني إلى مداخل مختلفة يمكن أن تساعدني على الانهماك الكتابي الغني والمتنوع في أشكال الكتابة والتعبير.

4

كل ذلك، من شأنه أن يمنحني المزيد من حريات التعبير، شكلاً ومضموناً، وموضوعاً أيضاً. وظني أن فنّ الكتابة الذي يتعرض يومياً للمزيد من التحولات، سوف يُغني الكتابة من حيث التقنية، التي لابد لها أن تتميز بالرحابة والعمق معاً، لأجل وضع التجربة في مهب الحريات الضرورية، للتحرر من جاهزيات الأساليب ومستقرات الأشكال.

5

أكثر من هذا، ربما جاء يتمثّل الشرط الفني للكتابة، يتمثل في هذه المغايرة الدائمة في التنوع اللامتناهي للأسلوب، حيث تبدو اللغة في غير شكلها كل مرة. ذلك هو العنصر النوعي الذي يسعى إليه الكاتب، أجل أن يبدو جديدا في كل نص. وإلا ما المبرر لمواصلة الكتابة، وما هو الجديد الذي يغري الكاتب بالكتابة، وما الجديد الذي يغري القارئ بالقراءة.

6

ماذا كتبت من جديد أيها الكاتب، ما الجديد الذي أتيت به أيها الشكل؟ ذلك هو السؤال الذي يتبادله الكاتب مع أسلوبه غداة كل نص. وإذا كنّا نتذكر تلك المقولة القديمة المتصلة بمعنى (الأسلوب هو الشخص)، سوف نقبل إمكانية تطويرها، بالقول إن الأسلوب المختلف، هو الشخص في كل مرة.

7

علينا التحلي بدرجة واضحة من رحابة الصدر والصبر، وانتظار ما يفتننا به الكاتب، كلما كتب. ليس من المتوقع أن نقبل بتكرار الأشكال والأساليب من الكاتب. فالكاتب لابد أن يكون جديداً في كل مرة. والذين يسأمون من تأكيدنا على هذه المسألة، سيكون سأمهم أكثر إذا هم صادفوا التكرار في أسلوب وشكل ولغة الكاتب في نصه الجديد. فنحن إنما نرى لهم مستقبل القراءة في مستقبل الكتابة.

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد