فيصل جلول: " الرسائل الخليجية قادمة"



عدد المثقفين العرب الذين يحاولون تشجيع التبادل الثقافي فيما بينهم من أجل إعادة احياء صلة قد تكون انقطعت ليس بكثير. الكاتب فيصل جلول هو واحد منهم. حوارنا الآتي ينطبق عليه شعر قاسم حداد الذي خط في أبياته هذه الكلمات :


تعال، يا صديقي

هذه طِرِيقنا

فلا أحد يضيع في بيته

الآخرون تائهون

لأنهم ليسوا نحن

تقدم ، و لا تقلق

فإن كان ذلك ظلك

سوف يتبعك


و ان كان جلول من أشد أعداء التبعية، الا أن رأيه في الشأن العربي يستحق التأمل ...



  • فيصل جلول، أنت كاتب وصحافي لبناني مقيم في باريس. عملت في صحف لبنانية وعربية وفي مراكز أبحاث في بيروت وفي أوروبا. لديك العديد من المؤلفات في الشأن العربي. لماذا اختيار الإقامة في باريس من بين كل المدن؟


في الحقيقة، أول زيارة لباريس كانت من أجل غرض الدراسة. كنت أحضر دكتوراه في عّلم الاجتماع وزوجتي في الأنثروبولوجيا. كان رئيس لبنان في ذلك الوقت أمين جميل، و كان لديه مشروع هدم الضاحية الجنوبية، أي تغيير الجغرافيا و الديموغرافيا الخاصة بالمنطقة، و قد أخذ الترخيص من الولايات المتحدة و فرنسا للقيام بذلك. في هذا الوقت قررت جريدة السفير طرح الموضوع. لماذا استهداف الضاحية الجنوبية؟ تم توكيلي مهمة عمل التحقيق ، و قررت اتخاذ المنهج العلمي بجمع فواتير الكهرباء. تصوري بأن ٧٠٠٠٠٠ألف نسمة كانت تعيش في تلك الضاحية. قد تبدو لك المنطقة صغيرة و لكن كثافتها السكانية عالية جداً. هذه النسبة تشكل ربع سكان لبنان. الذي أعطى جميل الضوء الأخضر انتزعه منه، و خسر المشروع و انسحب من الضاحية و نتائج حرب ١٩٨٢ انهارت بالكامل. قرر أمين جميل الانتقام بمحاولة قتل رئيس تحرير جريدة السفير طلال سلمان، الا أنه نفذ. تمت محاولة ملاحقتي، لكنني هربت و انتزعوا مني جواز السفر لمدة ستة أشهر، عملت فيها المنظمات الحقوقية على استرداده و جهود من الداخل كذلك. أرجعوا اليّ وثيقة السفر و طلبوا مني الرحيل الى باريس دون رجوع. كان هذا عقاب أمين جميل لي. بعد سنتين انهار نظام هذا الرئيس و كان بإمكاني الرجوع و لكنني كنت قد استقريت في باريس، لي أسرتي و لي عملي. عملت وقتها بمجلة اليوم السابع و كانت قيد التأسيس. الشاعر البحريني قاسم حداد كان يكتب في هذه المجلة على سبيل المثال، و كنت من المشجعين لمشاركته. كانت تلك المجلة ذو أهمية في العالم العربي.


  • ما هي علاقتك باللغة الفرنسية ؟ الأدب الفرنسي ؟ هل هما مكملان لثقافتك ؟


تكويني الثقافي متنوع، لا يأتي من اللغة الفرنسية وحدها. صحيح، منهجنا التعليمي فرنسي في لبنان، و لكن لم أقف عند هذا الحد. المفارقة الوحيدة ، أن ما تعرفنا عليه في بيروت من أدب ، كان مختلفاً عندما قرئناه في باريس. أذكر أنني لم أستوعب جيداً ١٨ برومير انقلاب لويس بونابارت الذي كتبه كارل ماركس عندما قرأته في لبنان و فهمته أكثر عندما أعدت قراءته في باريس. الشيء تماماً ينطبق على أحدب نوتردام، على البؤساء و الى ما آخره. هل تعرفين لماذا؟ لأنك تكونين قريبة من الأماكن، فيصبح لها معنى حسي و تتجسد أمامك. بالنسبة للغة، فالعلاقة تختلف كذلك. أذكر بأن زوجتى مرضت ذات يوم. ذهبت الى الصيدلية و لم أكن أعرف كيف أقول ميزان الحرارة باللغة الفرنسية، فقلت للصيدلي : هل لديك الجهاز الذي بواسطته نقيس الحرارة؟ ضحك و قال لي هذا ؟ قلت نعم ! ما اسمه ؟ فقال لي ال Thermomètre . علاقتك باللغة تصبح مثل الطفل الذي يولد على العالم و يتعلم التفاصيل شي فشيئاً.



  • كتبت في نهاية التسعينات "الجندي المستعرب" التي تروي فيها سنوات مكسيم رودنسون في لبنان و سوريا بين ١٩٤٠ و ١٩٤٧. أنت تقول في هذا الكتاب بأن رودنسون امتنع عن استخدام سنواته اللبنانية في تقديم نفسه و دعم نصوصه لدى قرائه. هل تعتقد بأن علاقة المثقف الفرنسي المعرفية بالعرب محكومة دائما بثقافة الرأي العام الفرنسي و أهداف القومية التي يأمل الفرنسيين تحقيقها ؟ كيف ؟


أخبرني رودنسون بأن اختصاصيين اللغة العربية و الأنثروبولوجيا كانوا موظفين في الإدارة الكولونيالية. كان دورهم اداري و هم معروفين و لا ينكرون ذلك. ماسينيون و غيرهم كانوا إداريين. اختلاف رودنسون عنهم هو الذي شدني لاصدار كتاب عنه. كان يهودي الديانة ووالديه قتلوا في معسكرات أوشفيتز. عرض عليه العيش في فلسطين و لكنه رفض معتبرنها أرضاً ليست لليهود. أطلقوا عليه صفة المعادي للسامية في باريس.

رودنسون توفي و هو أستاذ جامعي و لم يطلب أن يعلو في الإدارة الجامعية. لم يستخدم سنواته في لبنان و لغته العربية ليصل لمنصب كبير . قدمته على أنه نموذج مخلص للاستشراق، فقد كتب رودنسون كتاباً عن النبي محمد (ص) و كان من أفضل ما كتب عن الرسول. قال لي ذات مرة : "الرسول العربي هو الوحيد الذي ولد في التاريخ. كل الرسل الآخرون ولدوا قبل التاريخ، نعرف أين ولد و أين انتقل و لدينا إثباتات عن حياته". إسهام رودنسون نوع جديد و معرفي للاستشراق و ليس كإرنست رينان الذي آذى العالم العربي باستشراقه، عندما اعتبر بأن العرب لم ينتجوا شيئاً.


  • و ماذا عن شارل دو فوكو؟ لماذا هذا الهجوم عليه و هو الذي قال: " لا أريد تغيير دياناتهم، و لكنني أريد الفوز بمحبتهم" مشيراً للمسلمين.


لأن فوكو كتب تقريراً كي يستدرج حملة عسكرية فرنسية للاماكن المغربية التي لم تكن محتلة. بالمحصلة العملية، هذا النوع من الاستشراق مرتبط بالإدارة الاستعمارية. لا نستطيع مقارنة دوفوكو بردونسون ، فهذا الأخير بدأ حياته في لبنان ببنطلون واحد. كان بوسعه أن يعيش بظروف أحسن و لكنه فضل السعي وراء المعرفة


  • ما رأيك في كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد ؟ هل غرض المستشرق كولونيالي ؟


أذكر بأن رودنسون وجه اليّ نقد في هذا الشأن عندما حاورته جريدة السفير حول كتابي عنه و قال بأنني أتبع كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد في منهجي. ليس كل ما قاله إدوارد سعيد مبجل، و لكن نقده للاستشراق ممتاز، بل ضروري جداً لأنه سمح بتكوين ثقافتنا حول علاقتنا بالغرب الذي يريد أن نبقى محلنا. سمح لنا بتغيير ثقافة التابع لنكون شيء آخر ، غير تابعين له. ستقولين لي، كيف ننتقد الغرب و نحن نعيش فيه ؟ نحن نعيش فيه وفق شروطه التي تسمح لنا بالانتقاد. عندما يستقيل وزير الدفاع الفرنسي بسبب حرب الخليج، لماذا أعتبر نفسي أقل منه ؟ أنا أيضاً أستطيع أخذ موقف.

كل الحركات القومية العربية تم تأسيسها في فرنسا و على صدرها حركة ميشيل عفلق و المؤتمر العربي الأول . كل هذه الحركات تأثرت بالقومية الألمانية و الفرنسية و الإيطالية. نحن نعيش في عالم متداخل الآن أكثر من ذي قبل.

  • و هل هذا شيء جيد أم سيء؟


بحسب ما تريدينه منه. ان كنت تريدين أن تصبحين في موقع أفضل ، عليك التخلص من التبعية، و هذه مشكلتنا في العالم العربي. أكثرنا تابعين و أول من رسخ هذه الفكرة هو نابليون بونابارت عندما برهن للمصريين بأنهم توابع . عندما زار رفعة الطهطاوي قال: " نحن على تقدم في هذا الميدان و هم في تقدم على ميدان آخر". لا أحد يتجرأ اليوم على إعادة قول ما قاله الطهطاوي. نحن نعي جيداً بأن التابع يعيش وفق شروط المتبوع.


  • مالحل للعالم العربي اذاً؟


تغيير الثقافة السياسية . كيف نستطيع تدمير بلد بأكمله من أجل الوصول الى لا شيء من الأهداف المخطط لها ؟! هذا ما وصلنا اليه اليوم. التابع لا يقرر بنفسه بل يقرر عنه. لدينا ثروات هائلة في العالم العربي ، و مع ذلك يسكنه سكان يموتون من الجوع. سبب مشاكلنا ليس الدين ، فقد كنّا في زمن كنّا فيه مسلمين و نصدر أحسن طباً. أول طبيب عيون كان عربي و كان اسمه محمد الغافقي. كان طبيباً و كان فقيهاً. المشكلة ليست في الاسلام و إنما في نوع المسلمين. مثلما هنالك مسلمي داعش، هنالك أيضاً مسلمي الغافقي و ابن رشد و ابن سيناء و غيرهم. أهم العلوم نشأت بواسطة مسلمين و تم تصديرها للغرب الذي تقوم أسسه اليوم على تلك العلوم.


ادوارد سعيد و غيره ساهموا في تأسيس وعي جديد. العالم العربي لم يعد يستطيع العيش على الصيغ القومية الاندماجية التي طرحها حزب البعث أو الناصرية. لا نستطيع مجالسة البحريني و إلغاء هويته ثم دمجه مع القطري و السوري . نحن لا نتوحد بهذه الطريقة بل بتوحد الوعي و الخروج من فكر التبعية.


  • ماذا عن مؤلفاتك الأخرى ؟ من أين جاءت فكرة الرسائل الدمشقية ؟


الرسائل أتت من "الرسائل الفارسية" لمونتسكيو. نحن نعرف بأنه كتب هذه الرسائل نقداً للنظام الملكي الفرنسي الحاكم لبلاد الفرس، و أذكر انه انتقد في أحد الرسائل مسألة الطائفية بين السنة و الشيعة و ووبخ أطرافها من أجل الكف عن ذلك بدل تضيعة الوقت. أنا لم أأخذ صيغة الرسائل الفارسية كما هي بل اخترت تقديمها كنصوص مخطوطة بواسطة كتّاب يعرفون المدينة جيداً و يجمعون في كلامهم بين الأدب و السياسة و المجتمع و المشاعر الشخصية ، و هذه من أصعب النصوص نوعاً على فكرة. طبعاً هذه الرسائل لا تخلو من المعلومات و المعرفة و لكن هذين العنصرين لا يشكلان كل شيء.




  • نستشف من بعض كتبك مثل باريس كما يراها العرب و الرسائل الدمشقية و المغربية بأن لديك حب جمع المؤلفين . لماذا و مالهدف ان كنت تستطيع إرسال ذات الرسالة بقلمك وحدك ؟



التواصل في العالم العربي مفيد للجميع. عندما استلم أحد الوزراء في ذلك الوقت "العقد الفريد" لمحيي الدين ابن عربي قال : "هذا بضاعتنا ردت إلينا" . يشير هذا للوصول الى نوع معرفي قياسي. هذا النوع من التبادل الثقافي بين المشرق و المغرب انقطع بعد الاستعمار . في العالم العربي، ما زلنا ندرس المتنبي و غيره ، الا أن التواصل الثقافي انقطع . هذه الطريقة في الجمع هي بمثابة اعادة الاعتبار لظاهرة كانت موجودة من قبل و يجب اعادة احيائها. الهدف منها هي دعوة الكاتب للكتابة عن بلد ليس ببلده و لكن يعني له، أو عاش فيه. عندما تأتين بكاتب مغربي ليكتب عن المنامة، قد يثير ذلك فضولك و قد يقدم لك معرفة لن يقدمها البحريني.



  • أنت تظهر على وسائل الإعلام العربية بصورة كثيفة. ما رأيك بها ؟

ما يجمع القنوات، الصفة العربية، و لكن ما يفرقها السياسة التي توجهها. بشكل عام، أنا وصلت لمكان أصبحت فيه قادر على التقييم، ان كان ذلك بخصوص دوري أو دور من يحاورني. الشيء الذي أحاول تجنبه دائماً، هو السجال الفقير و المدجج بأحكام مسبقة و الذي لا يؤدي لطريق.



  • هل لديك مشاريع جديدة؟ ما هو عملك القادم يا ترى ؟


الرسائل الخليجية بالتعاون من الصحافي و الكاتب سامي كليب و التي نخصص فيها مكاناً للمنامة، كما لأربعة عشر مدينة أخرى. و نحن سائرون في هذه السلسلة حتى تطال جميع أقطار العالم العربي. عالجنا في الرسائل الخليجية الدور الذي يلعبه في مجال الثقافة و النفط. الخليج يضم اليوم أكبر نسبة من الكوادر العرب المهمين عالمياً و يمتلك كل الوسائل لينتقل لموقع أفضل، و علينا تسهيل هذا الانتقال.



1 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email