المؤرخ هشام جعيط :المستشرقون عجزوا عن فهم السيرة لأنهم كتبوا من خارج السياق الثقافي



لم تحظ أي سيرة عند العرب والمسلمين باهتمام منقطع النظير، مثل سيرة الرسول محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم. فقد كتب فيها العرب والمسلمون من غير العرب والمستشرقون، ولذلك تبدو الكتابة فيها اليوم تواجه صعوبة أن هذا المجال قد تم تغطيته بشكل واسع دراسة وبحثاً، وأن أي تجديد في البحث فيها لا يخلوا من صعوبة معرفية ومنهجية، ومن احتمالات ردات الفعل من خارج الإطار المنهجي والمعرفي فقد ظهرت العديد من الكتب في العصور القديمة، مثل سيرة ابن هشام والروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام، لأبي القاسم السهيلي. والفصول في اختصار سيرة الرسول، لابن كثير، وزاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم الجوزية. كما كتب العديد من المحدثين عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم عشرات الكتب، منهم طه حسين وعبد الرحمن الشرقاوي ومحمد حسنين هيكل وتوفيق الحكيم وغيرهم ....

المؤرخ الكاتب التونسي هشام جعيط أصدر مؤخراً كتاباً جديداً من ثلاثة أجزاء حول هذا الموضوع بعنوان " في السيرة النبوية " عن دار الطليعة:

- الجزء الأول خصصه للوحي والقرآن والنبوة.

- الجزء الثاني خصصه لمعاني القرآن.

- الجزء الثالث خصصه لتاريخية النبوة والنبي.

ويثير هذا الكتاب الضخم، بأجزائه الثلاثة سؤالين أساسيين:

- هل ثمة جديد يقترحه جعيط على القارئ العربي، بعد أن أنهك الدارسون هدا المجال دراسة وبحثاً إلى درجة بات معها الجديد صعباً؟

- وهل ثمة منهج مختلف يقترحه جعيط على القارئ العربي في تناول هذا الموضوع يستدعي مثل هذه المراجعة؟

بالعودة إلى الكتاب نجد أن ما حفز جعيط على العودة إلى السيرة النبوية هو كثرة ما كتب فيها تحديدا: "فكتب السيرة الإسلامية الأولى أختلط فيها الأسطوري بالتاريخي لأنها كتبت في فترة متأخرة، بعد قرن من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم". أما الدراسات الصادرة عن كتاب معاصرين مسلمين "فيعوزها المنهج العلمي لاعتمادها على مصادر السيرة، وكتب الحديث، والتاريخ بنقائصها من دون نقد أو تمحيص أو مقارنة". كما أن المستشرقين الذين اهتموا بالسيرة النبوية – في تقدير الكاتب-بقوا عاجزين عن فهمها لأنهم ظلوا يكتبون من الخارج السياق الثقافي، "فكانت دراساتهم في هذا المجال هزيلة وغير واقعية".


ماذا قدم هشام جعيط إذن لتجاوز الصورتين المشار إليهما؟


لقد اختار جعيط منهجاً جديداً تماماً، وخياراً قد يصدم البعض، ولكنه يظل خياراً مشروعاً من الناحية العلمية المنهجية، ويتمثل في الاقتصار على القرآن الكريم كمرجع وحيد لدراسة السيرة، واعتماداً منهج " عقلاني تفهمي يستند إلى تاريخ الأديان المقارن، منفتح على أفق الثقافة التاريخية والانتروبولوجية والفلسفية من أجل كتابة سيرة أقرب ما تكون إلى الواقع التاريخي". فهذا هو هدف جعيط المعلن وتحديه الأكبر، وهو إنه حاول أن يدرس السيرة كموضوع تاريخي، بعيداً عن الالتباسات الأيدولوجية والخرافة والأساطير. والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان: هل يمكن من الناحية العلمية الاكتفاء بالقرآن الكريم لدراسة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وهل ما فيه من إشارات وصفات وأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم كاف للوفاء بحاجة الدارس والباحث لرسم صورة النبي صلى الله عليه وسلم؟

نحن نعلم أن مستشرقاً مهماً مثل منتغمري وات، قد اعتبر ذلك مستحيلاُ إذ يحتاج الباحث إلى كل شئ حول السيرة من مختلف المصادر حتى يتسنى له الإلمام بالموضوع وإجراء المقارنات ... أما هشام جعيط فإنه واجه هذا التحدي وحاول فعل ذلك انطلاقًا من القول بأن "القرآن هو أصدق وثيقة تاريخية لدى المسلمين، وأن الاقتصار على القرآن هو أضمن وسيلة علمياً لكتابة السيرة لأنه وثيقة رائعة لصحتها التاريخية ومعاصرتها للبعثة المحمدية بكافة تفاصيلها"، أما ما جاء بعد ذلك من سيرة وتاريخ وطبقات وحديث فمن الصعب الاعتماد عليه بنفس الدرجة من الوثوقية والدقة. يقول جعيط:" القاعدة هي أن كل ما دوّن بعد مائة عام من البعثة المحمدية فاقد لا يحظى بالثقة الكاملة من الناحية التاريخية". فالقرآن إذن هو شهادة حية ومباشرة لا يمكن الطعن في صحتها بينما تدوين "قصص الغزوات وكل ما يتعلق بالسيرة فإنه لم يحصل إلا بصورة متأخرة جدا". وهو ما أدى إلى تدخل عدة مؤثرات أيديولوجية وسياسية، إضافة إلى ما لبعد المسافة الزمنية من تأثير في الذاكرة والدقة، وهو ما يجعل الدارس لا يطمئن كل الاطمئنان، إلى ذلك الموروث خصوصاً فيما يتعلق ببعض جوانب السيرة المتصلة بظروف البعث والوحي. إلا أنه من الواضح أيضاً، بأن الدكتور هشام جعيط، -مع ذلك-لا ينفي أهمية جميع تلك المرويات التي دونت في وقت لاحق " والتي على قاعدتها تشكل التقليد الديني، وتوحد الضمير الديني الجماعي للمسلمين". إلا أن الهم الرئيسي للباحث هو استجلاء الحقائق التاريخية المؤكدة فقط، لرسم صورة صحيحة يقينية وتاريخية للسيرة النبوية، وهو أمر مضمون في القران الكريم، (ولا تضمنه المرويات)، ولذلك قرر جعيط أن يكتفي بالاعتماد على القرآن الكريم وحده.


ولكن هل يكفي القرآن الكريم؟


يجيب جعيط بالإيجاب القطعي بـــ" نعم، وإذا كان القرآن لا يتضمن كل محطات سيرة الرسول، فهو يشير إلى المحطات الكبرى في حباته الخاصة: صفته القرشية، يتمه وفقره وغناه، تجلي الملك له، التكذيب والمعاناة، الهجرة، بدر، أحد، المنافقون، الفتح.... وكذلك من الأحداث الهامة على صعيدي النبوة والتاريخ".. صفحة 35 من الجزء الأول.

ويعلق جعيط بأن كتب السيرة " لم تتناول في نهاية المطاف أكثر من هذه الأحداث بأوضح مما تناوله القرآن ... "فهي جميعها انطلقت منه، ولكنها وشحت ما جاء فيه وكست ما يذكره بغلاف قصصي". صفحة 28 الجزء الأول.

ومع كل هذا يظل من الصعب في أن نقول إن القرآن وحده كاف لتقديم إضاءات واسعة وشاملة عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، خاصة وأن لغة القرآن الكريم تعتمد الإيجاز والإشارة بدل التفصيل. وإذا كنا نقدر لجعيط حرصه على المعرفة الصحيحة، فإننا نعتقد بأن الموروث المروري الذي دون بعد مائة سنة يظل غنياً بالمعلومات المنقولة بالرواية جيلاً بعد جيل، رغم ما يمكن أن يمسها من تحريف أو إضافة أو أخطاء، ولذلك تكون مهمة المؤرخ ان يمحصها ويميز بين الصحيح منها والخاطئ، بفحص المروي وما فيه من حقائق وأخطاء ومبالغات أو توظيف أيديولوجي.


وفي الخلاصة القول يحق للقارئ أن يتساءل: ماذا قدم لنا هشام جعيط من معرفة جديدة على صعيد القضايا التي طرحها في الجزء الأول وهي الوحي والقرآن والنبوة؟


بعد مناقشته لموضوع الوحي وقصة غار حراء، يعود جعيط على سورتي التكوير والنجم ليرسم صورة الوحي من منطلق تحليل علمي، رافضاً ادعاءات المستشرقين بنفي الوحي عن الرسول، واعتبر هذا الموقف الاستشراقي " لا يليق بأهل العلم " وأكد جعيط بأن "خصوصية عملية التبليغ في التجربة المحمدية تعود إلى أن الوحي قد اتخذ فيها أساساً شكل التنزيل على القلب، فالوحي يجري داخل الضمير، فيكون مباغتاً داخل الضمير لألفاظ ومعان مطبوعة بالغيرية أي أن محمداً متلقيها يشعر بصدق أن مصدرها هو الله تعالى".

وتحدث جعيط بعد ذلك عن موقف قريش من الدعوة المحمدية ومن الرؤية المحمدية مؤكداً خلاف لما يقوله المستشرقون أو قريش عن "جنون " : " لا مرض ولا جنون في النبوة، لأن الوحي كشف للحق المطلق والثابت وهو في الإسلام تعريف الله بذاته وإنذار الإنسانية باليوم الآخر، عن طريق بشر مختار يدخله في عالم روحاني، لكي يرجع على الناس فيما بعد ويبلغهم هذا التكشف".

ويتحدث جعيط عن خصوصية القرآن ككتاب مقدس " فهو من بين الكتب السماوية الموحى بها، وهو بالفعل الكتاب المقدس بالمعنى الدقيق للكلمة إذ هو الوحيد الذي اعتبرته العقيدة الإسلامية كلاما منبثقاً كلياً عن الله في الشكل والمضمون وهذا ما يشرع مطلب تصديق كل ما أتى به ومنح الثقة لمن بلغ".

وعندما يتحدث الكاتب عن النبوة وتفاصيلها ومراحلها يعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم " مجدداً للتوحيد، إلا أنه يختلف عن غيره من الأنبياء والرسل بكونه قام بدور استثنائي فريد في بلورة الإسلام بينما غيره لم يحظ بهذه الفرصة"..

ويتصدى جعيط لبعض القضايا المرتبطة بسيرة الرسول(ص)، فيُفند ما جاء في الكثير من كتب السيرة حول العديد من العجائب المرتبطة بالسيرة، مؤكداً ما جاء في القرآن الكريم من أن محمداً بشر يوحي إليه. ويرى جعيط أن العديد من الجوانب والخرافات ألصقت بالسيرة النبوية، وهي مجرد اختلاق لا أساس لها في التاريخ، إنما تدخل في المخيال الديني الشعبي الذي أخذ يتنامى في العصر الأموي، وهو يندرج ضمن محاولات تشكيل أو رسم صورة محمد الرمزية في المخيال الإسلامي، وهو أمر مختلف في التاريخ. وحاول جعيط في هذا الجزء الأول من الكتاب أن يفصل الصورة الحقيقية الواقعية التاريخية عن الصورة الرمزية التي شكلت عبر التاريخ.

ويلخص جعيط إلى القول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم في نهاية التحليل الموضوع التاريخي لسيرته: " شخصية متميزة تستند بكل قواها على الوحي، عقلانية بعيدة عن دنيا الأساطير والخرافات، متواضعة لا تدعي الإعجاز، شخصية قوية بقوة قناعتها وثقتها بالله تعالى. كما ساهمت شخصية الرسول في بناء الضمير الإنساني الداخلي، ومن ثمة في بناء الحضارة والثقافة والأخلاق على الصعيد الإنساني". مؤكدا الباحث أيضاً بأن "الإسلام قد طوّر التوحيدية نحو روحانية أقوى وتنزيه لله عز وجل مما جعل الدين الإسلامي ديناً واقعياً وإنسانياً"..



وفي الخلاصة:


لقد حاول هشام جعيط في دراسته للسيرة النبوية وفي دراسته للقضايا المتصلة بها، مثل القرآن، الوحي، النبوة، أن يشكل المفاهيم العلمية وأن يدرس هذه القضايا من وجهة نظر معرفية وتاريخية، إلا أنه في العديد من السياقات لم يتخلص من الإطار العقائدي، فقد ظل هشام جعيط يدرس السيرة بروح المسلم المؤمن الذي يعمل من داخل هذا الإطار الإيماني على الكشف العلمي لقضايا النبوة والوحي دون أن يشعر بأن ذلك قد يخل بالشروط العلمية.

ويبقى السؤال المهم بعد ذلك يتعلق بجديد جعيط؟ فماذا قدم لنا في هذا الكتاب من مختلف عن الذي سبقوه؟

يمكن أن نحدد الجديد في جانب واحد مقارنة بمن سبق جعيط .. فالقدامى قد نظروا إلى الموضوع كرواية وخبر، وجعيط نظر إليه كمعرفة وكتاريخ بالرغم من أنه ظل في جميع الأحوال في إطار إيمانه وقناعته الدينية الأساسية التي لم يشكك فيها للحظة واحدة مع أنه يخالف من سبقه في إطار البحث والمنهجية. حيث قام بدراسة موضوع الوحي والقرآن والنبوة، وهو الموضوع الذي ظل باستمرار يشكل وعي المسلمين، دراسة موضوعية في ظل تنامي الدراسات الأنثروبولوجية.

فما أحوجنا في هذا العصر الذي يتنامى فيه التعصب داخل جميع الأديان دون استثناء إلى مثل هذه الروح العلمية التي تتبنى احترام المعتقدات وتتسامح مع الاختلاف، لكنها في ذا الوقت لا تنسى المنهج العلمي وتقديمه عن كل اعتبار.

______________________________

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email