الثقافة والسياسة في مستقبل الماضي

 

 

إذا كانت السياسة تحتاج هامشاً مريحاً لتكون ممارسة العمل السياسي ممكنة وفعّالة، فإن العمل الثقافي سيحتاج الهامش الأكبر والأهم والأرحب، لكي تكون مزاعمنا على المستوى الحضاري الذي يتطلبه العمل الثقافي.

فالثقافة، وهي تتقدّم (أو يقدّمونها) بوصفها الوجه الحضاري، والفعّال في مشاريع التنمية، التي نتأخّر عنها منذ ما يُنيف على القرن، نتمنّى من الذين يرفعون المشاريع والمقترحات (لئلا أقول الاجتهادات)، ويطرحون علينا الصوت عالياُ، في سبيل أخذنا إلى أحلام الثقافة، أتمنّى عليهم أن يدركوا قبل غيرهم، أنهم بصدد كائنات بشرية على درجة كافية من الوعي، بحيث يمكن لها (هذه الكائنات) أن تعرف الفرق بين أحلام الثقافة وأوهامها.

2

التنمية، في مثل مجتمعنا، لن تتحقّق، ولن تقوم لها قائمة، إذا ظل القائمون على مشاريع التنمية الثقافية، عاكفين على محاولة تطويع الشأن الثقافي لمتطلّبات الشأن السياسي. التنمية، منذ اللحظة الأولى، هي الإيمان بحق الكائن البشري في الحرية. نقول الحرية، مسارعين إلى القول بأن حرية الإنسان لا تَقبل مبدأ الجمع والمنع، وهو المبدأ العربي الذي ظلّت السياسة العربية تعتمده منذ القبيلة، حتى آخر مبتكرات الديمقراطيات (العربية). ولسنا في وارد تصديق المزاعم، أو الإعلان عن إعجابنا بالمشاريع قبل التيقّن من الأحصنة والعربة والطريق والطريقة.

 

 

 

3

الجزيرة العربية برمّتها، ومعها منطقة الخليج، بحاجة ماسّة لتعلّم المعنى الحضاري للثقافة. فدرجة التخلّف التي رزحنا تحت نيرها، من شأنها أن تجعلنا جديرين بالمقارنة مع إنسان الكهف. وعندما جاء إلينا الاستخدام السيئ والدموي للدين، وُضِعنا في لحظة الغابة. فها نحن الآن في الكهف والغابة في آن. ولتجاوز هذه المعوّقات يتوجّب أن نتحلّى بالجرأة والحرية معاً.

 

4

ليس فقط الخائفون لا يصنعون الحرية، ولكن الأهم هو أن المذعورين لا يقدرون على الإسهام في التنمية، فالخوف ليس من مميّزات طبيعة الحضارة. وأتمنّى على أصحاب السياسة، عندما يزعمون لنا الذهاب إلى الثقافة، أن يفكّروا في إطلاق حريّات الإنسان بكل طاقاته. ليس بتوسيع الشبكة لتظنّ الأسماك أنها في الحرية، ولكن بإلغاء فكرة الشباك جميعها. والذين يزعقون، في مناسبات تجديد العهود، بأن البشر هم ثروة الوطن الحقيقية، يخفقون الآن في إقناعنا، إذا لم يزيحوا عن كاهل الثقافة مسؤولية فشلهم السياسي. الثقافة في البشر هي الاستثمار الحضاري وإنعاش التنمية الاجتماعية بشرط العدالة. لم تعد الشعارات تنطلي، ولم تعد الأقوال أيضاً. ولئلا ننقرض ككائناتٍ بشرية، يتوجّب وضْع الثقافة في مكانها من القلب.

5

الحضارة هي أن تترك الثقافة تثبت جدارتها بالدور الجدير بها: النقد. الثقافة في عصرنا ليست مجبرة على الإعجاب بما يفعله السياسيون. الصنيع السياسي هو دائماً تحت طائلة النقد الثقافي، بشتّى فنون الثقافة. وعندما يتخلّى السياسيون العرب عن وهم خضوع الثقافة للشرط السياسي وبرامجه، نستطيع الزعم أننا نقترب من الحضارة. الثقافة والفنون قاطبة ليست موظَّفة عند أحد، ولا هي بوق لجهة. فأسطورة (الشاعر وزير إعلام القبيلة)، لم تعد واردة، وليست مقبولة، ولا رجاةَ منها.

6

تلك هي المسافة النقدية التي تختارها الثقافة كلما تعلّق الأمر بصنيعها التنموي في المجتمع. المسافة التي تتيح للثقافة حريتها الكاملة في قول ما تحب عمّا لا تحب. فهي ليست مضطرة أن تكون مع أحد (أو جهة) ضد أحد. الثقافة صديقة الجميع، وناقدة الجميع في الوقت نفسه. علينا أن نتعلّم الإصغاء للفنون قاطبة، وأن نقبل الثقافة بأسئلتها وقلقها وعدم امتثالها. فليس ثمة قانون للثقافة غيرها، شريطةَ أن تكون على درجة من الوعي تكفي لإقناع الأرض بكرويّتها.

7

الآن، كيف يتسنّى للثقافة أن تكون في سياسة غير مكتملة. عودة على مبدأ القول عن الهامشين، الثقافي والسياسي. لسنا في المناخ السياسي الحضاري، إذن ستكون مطالبتنا بالنظر الحضاري للثقافة ضرباً من السفه. لكنْ ينبغي علينا التشبّث بأحلامنا، الثقافية قبل السياسية. وعلى من يزعم الذهاب بنا إلى فارقٍ من العهد الثقافي، ألّا يتوقّع منا السهو والنسيان عما يليق بتلك المزاعم. شرط الحرية هو الأجنحة لمن يريد التحليق بالمجتمع نحو المستقبل. أما نحن فلا نزال في مستقبل الماضي. في الحاضر الذي وعدوا أن يكون أفضل من الماضي.

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد