رؤية (القصيدة) أثناء محاكمتها

 

عنوان هذا المقال هو جوهر الفيلم الأمريكي "عواء" Howl من إنتاج ٢٠١٠ ، وإخراج روب إيبشتين وجيفري فريدمان. الفيلم عن حياة الشاعر الأمريكي الدادائي (ألن غينسبيرغ) المتوفي عام ١٩٩٧ بعد أن تم إنقاذه من عملية انتحار وعاش لغاية ٨٠ سنة. واسم الفيلم "عواء" هو اسم قصيدته الأكثر شهرة، حيث طبعت منها الملايين أثناء وبعد محاكمة ناشر القصيدة. جسّد دور الشاعر الممثل جيمس فرانكو.

كان من المفترض أن يقوم المخرجان بإخراج فيلم وثائقي عن الشاعر الراحل، وذلك عام ٢٠٠٢، لكن مشروعهما تحول وتطور فيما بعد إلى فيلم ركّز فيه على مسيرته الفنية عبر محاكمة قصيدته "عواء" في المحاكم الأمريكية، حيث تم رفع دعوى قضائية على ناشر هذه القصيدة باعتبارها إباحية وبذيئة، لا علاقة لها بالشعر وشروطه -علماً بأن الشاعر رفض حضور جلسات محاكمة قصيدته باعتبارها لا تعنيه كمبدع، رغم تضامنه مع صديقه الناشر-، ومع التوازي لهذه المحاكمة التي أثيرت فيها مداخلات جميلة بين محامي الدفاع ومحامي المدعى العام والشهود المتعاطفين مع الشاعر والمنتقدين لقصيدته من ذوي الاختصاص الأدبي، حيث برزت جدليّة الحرية الإبداعية وحق الشاعر في التعبير والتأويل والنقد الشرس للواقع المعاش، وبين الرؤية المحافظة التقليدية الرافضة لهكذا حرية والتي تدعو وتشجّع على تحطيم القيم والأخلاق.

 

بموازاة تلك المحاكمة كان جيمس فرانكو يمارس دور الشاعر حيث يصدح دون توقّف في المقاهي الخاصة بمريديه والرافضين من الهيبيز وباقي تيارات الشباب الرافض للحياة الأمريكية والمعبّرة عن أحلامهم في حقبة نهاية الخمسينات من القرن الماضي في التمرد والرفض لجفاف المجتمع الرأسمالي الإسمنتي، وبالحق في الحرية الكاملة للإنسان، بما فيها الحرية الجنسية والمثلية. وفي كل مشاهد إلقائه لقصيدة "عواء" والتي كانت باللونين الأبيض والأسود، مع تلمّس بصري جميل لإعجاب وانبهار وآلام متلقّيه من الجمهور المستمع لقصيدته. 

أن تُحاكَمْ "قصيدة" بحد ذاتها فكرة جميلة -رغم إنها حدثت واقعياً- وهي تُذكرنا بمحاكم التفتيش في النوايا والأفكار، سواء محاكم القرون الوسطى، أو محاكم أمن الدولة في عصرنا الراهن!. ومعظم من تمّت محاكمتهم في هكذا محاكم أمنية من المفكرين والثوار والأدباء والفلاسفة والعلماء خرجوا منها -سواء استشهدوا من أحكامها أو سجنوا أو تحرروا- خرجوا كطائز الفينيق الأسطوري الذي حَلَّقَ من رماد حريق جسده منطلقاً لفضاء الحرية، مُجدداً ريشه مواصلاً نشر أفكاره ومبادئه!. وهكذا هذه القصيدة التي عبّر محامي الناشر بأن محاكمة هذه القصيدة وحدها تكفي بأن تنتشر كالنار في الهشيم، ويزداد معجبوها، وهكذا في الواقع حدث.

 

رؤية القصيدة:

 

البشر عادة وعبر حواسّهم، إما أن يستخدموا حاسّة البصر لرؤية لوحة فنية أو مسرحية أو فيلم، أو قراءة قصيدة، وحاسة سمعهم لسماع موسيقى أو أغنية، أو سماع قصيدة.

لكن أن تسمع اللوحة أو ترى الموسيقى، أو أحداث القصيدة، فهنا يتجلى الإبداع البصري. وفيلم"عواء" بالإضافة إلى الإلقاء السمعي للقصيدة وجمالية هذا الإلقاء عبر الطبقات الصوتية لحنجرة الشاعر، وتعبيرات وجهه وعينيه ويديه وجسده، ستنكشف بعض مفاتيح القصيدة أمام المتلقي وتتحول إلى صور بصرية في ذهنه وخياله، بالإضافة أيضاً إلى اللقاءات الصحفية مع الشاعر الذي كشف فيها عن بعض أسرار هذه القصيدة وغموضها وصراحتها ومفاتيح دواخلها من معان ومقاصد. هناك جمالية مُبهرة في قدرة الفيلم في "رؤية" مضمون القصيدة، حيث تم تجسيدها من خلال تقنية (الإمنيشن Emanation) واستخدام رسوم كارتونية ملونة تمكنت، في لحظات إلقاء القصيدة شفاهةً، من أن تتحول القصيدة إلى كائنات وتشكيلات تُجسّد مضمون وروح القصيدة. وعبر هذا الفضاء البصري الذي تناغم كالمرآة مع القصيدة، وكأنها رقصة باليه تشاهد الراقصات والكائنات وهنّ يجسّدن ما تسمعه من سيمفونية، فإذا بك ترى هذه الموسيقى أمامك، حيث الحاسّتان البصرية والسمعية تندمجان معاً لتوصيل المضمون. وهكذا أيضاً تمكّن فيلم عواء من دمج حاسة البصر مع "حواس" داخلية شعورية وخيالية للقصيدة المقروءة أو المسموعة.

 

فيلسوف العواء:

 

حينما انتهيت من مشاهدة فيلم "عواء"، تذكرت الفيلسوف الروماني أميل سيوران، العدمي التشاؤمي، الذي كان يفضّل أن يلقبونه بفيلسوف (العواء)، حسبما ورد في مقال بموقع الحوار المتمدن، لأن كلماته وأفكاره لا تُفسر وإنما تنبح، كصوت العواء، بل تفجر الأشياء، وتصرخ في كل مكان، وفي كل شيء تسمع عويل القصيدة وتحسّ بها بل وتشاهدها بعينيك وخيالك!.

ملحوظة:

هناك بعض الأفلام التي تناقش الشعر ومحورها قصائد بعض الشعراء، منها:

١- كسوف كلي  Total Eclipse إنتاج ١٩٩٥ عن الشاعر آرثر رامبو.

٢- solaris للمخرج ستيفن سبيلبيرغ، حيث استخدم قصيدة (لا سيطرة على الموت) للشاعر ديلان توماس، كانعكاس للأزمة التي يمر بها بطل الفيلم.

٣- Bright star من إنتاج ٢٠٠٩ 

الشعر هو بطل الفيلم، حيث يحكي سيرة الشاعر الإنجليزي الراحل جون كيتس، كأحد أهم شعراء الرومانسية في مطلع القرن التاسع عشر.

٤- Paterson من إنتاج ٢٠١٦ للمخرج المعروف جيم جارموش ومن تأليفه، حيث يبدأ سائق حافلة في كتابة الشعر الذي ينقذه من هزائم الحياة اليومية.

٥- Dead Poets Society من إنتاج ١٩٨٩ وهو من إخراج بيتر وير وتمثيل روبن ويليامز. حصل الفيلم على أوسكار كأحسن سيناريو لتوم شولمان، لا يحكي الفيلم حياة شاعر محدّد، وإنما محاولة المعلم (روبن ويليامز) في مدرسة تقليدية محافظة جداً، تعليم الطلاب التحرّر من التقليد والانطلاق في رحاب الشعر بحرية وخيال بدون قيود

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد