علينا أن نعيش الهزائم لنستمتع برقصة التانغو..


الفيلم عن حياة رئيس الأورغواي. خوسيه ألبيرتو موخيكا كوزدانو، المعروف باسم پيپي. وقبل أن يكون رئيسًا عاش مناضلاً فقيراً ثائراً، اشتراكياً يسارياً زعيماً لحركة ثورية أورغوايية (توباماروس) التي نفذت عمليات خطف سياسيين، وسرقة مصارف، وأصيب بست رصاصات وتعرض للتعذيب الفاشي، وأصبح رهيناً مع رفاقه لدى الحكم العسكري بعد محاولة هروبهم من السجن، حيث تمكّنوا من حفر نفق هرب من خلاله ١٠٦ من الثوار المعتقلين وواصلوا كفاحهم وتم اعتقال پيپي من جديد مع بعض رفاقه في مدينة حرروها من حكم العسكر لأيام. وبقي في سجن انفرادي لمدة ١٣ عاماً، يشرب بوله ويحلم بغد مشرق، بعد أن عرف كل سجون أورغواي، انتهى الحكم العسكري وتم الإفراج عنه وبقية رفاقه ( يوجد فيلم آخر عن سنوات اعتقال پيپي بشكل تفصيلي. أنظر الملاحظة عن هذا الفيلم في آخر هذا المقال) وفي عام ٢٠١٠ رشح نفسه في الانتخابات الرئاسية ونجح بأصوات كثيرة، واستمر في الحكم رئيساً لغاية عام ٢٠١٥، حيث رفض التجديد وترك الحكم فرجع مزارعاً بسيطاً كما كان. هذا هو الفيلم الوثائقي الحقيقي مع هذا الرئيس، اسم الفيلم “El PEPE a supreme Life” . انتاج ٢٠١٨. للمخرج الصربي أمير كوستاريتسا، الحائز على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان لمرّتين.

غرَّد المبدع العراقي الفنان والروائي الصديق ورفيق دربي أيام دراستي الجامعية في الكويت نوفل الجنابي صاحب الرواية الجميلة" الحلة، عاصمة السخرية العراقية المُرة وذكرى الساخرين" قائلاً: أين تجلّى أمير كوستاريتسا مخرج فيلم el pepe، تجلّى حين ترك أدوات الفيلم تصنع طينتها الحرة بنفسها، تتفاعل أمام عينيه وهو (الأسطة) الجالس بعيدًا لا يتدخل إلا في لحظات متباعدة،عرف أنه أمام شخصية لها قدرة من الصدق تفسد أمامه تقنيات الإخراج وألاعيب السينما، إنه فيلم متصوف يعلّمنا قيمة الزهد. ومثلما في الصوفية مراتب كذلك في السينما؛ وبهذا فإن المخرج أمير كوستاريتسا (القطب الأكبر) يصنع قوانينه بنفسه، وهذا ما فعله في فيلمه el pepe الذي يتناول حياة الرئيس الأورغواياني اليساري الذي كان يعطي الفقراء ٩٠٪ من راتبه الرئاسي البالغ ١٢٠٠٠ دولار!. في هذا الفيلم يتكلم پيپي الرئيس الحقيقي عن فلسفته أثناء رئاسته لجمهورية أورغواي، فلسفة إنسانية صادقة وهو في السلطة.

أولاً: سنوات السجن هي عجينة حياته: الشيء الذي أثّر فينا،هو السنوات العديدة التي أمضيناها في السجن، فالسجن كان يعني وحشة كبيرة، وللبقاء على قيد الحياة كان علينا التفكير ملياً. لذلك ندين الكثير لتلك السنين الموحشة، وفي الواقع ما كُنا لنصبح ما نحن عليه الآن لو لم نعش في ذلك المناخ السياسي الفظيع والمعادي. بالنسبة لي...وسأقول أمراً قد يبدو قاسياً، الإنسان يتعلّم من الألم والمعاناة أكثر بكثير مما يتعلّمه من الانتصارات والحياة السهلة. في سياق الفيلم تكتشف بساطة وزهد هذا الرئيس العصامي، لم يكن يحلم بشيء سوى أن يحقق الأحلام البسيطة لفقراء شعبه. يقول: إن ما أفعله الآن في حياتي هو ثمرة سنوات اعتقالي، لولاها لكنتُ ولأصبحت أكثر تفاهةً وعبثاً وسطحية، ولكنت أنساق وراء النجاح أكثر، وأعاني من قصر نظر، ولأصبحت أكثر عدائية، على الأرجح كان ليجذبني النجاح أكثر وكانت لتزداد تلك الصفات، وهو ما لست عليه اليوم. حديثه العفوي مع المخرج الصربي تستشف فيه عمق التفكير وحكمته. يقول: أحياناً السيء يكون جيداً، وأحياناً بالعكس يصبح ما هو جيد سيئاً، لذا يجب أن تعيش هزائم لتبدأ بالاستمتاع برقصة وغناء التانغو!!. ثانياً: إغراءات كرسي الحكم والسلطة: لقد جَسَّدَ في سلوكه ومواقفه ما كان يؤمن به تجاه السلطة والبروتوكولات المخملية والقصور وإغراءات كرسي الحكم وصندوق النقد الدولي ومليونيرات تجار المخدرات المسيطرين على مناطق واسعة في العديد من دول أمريكا اللاتينية. ويكشف في هذا الفيلم فلسفته تجاه هذا الكرسي المُغري: أنا جمهوري، لكن هل تعرف ما هي العلّة؟ إن الرؤساء يميلون إلى التصرف كالملوك، بساط أحمر ووو. يجب أن تكون الجمهوريات مختلفة. فإن كانت السلطة بيد الأغلبية الشعبية فيجب أن يحاول المرء العيش كما تعيش هذه الأغلبية، وليس كما تعيش الأقلية الثرية. وفي كلمة له أمام حشد من السياسيين،يقول: في السياسة يا رفاقي الأعزاء، يجب أن تختار من لديهم قلوباً كبيرة وجيوباً صغيرة. لذلك رفض صفقات وشروط المؤسسات المالية والنقدية الرأسمالية، واستخدم سيارة متواضعة ومنزلاً أكثر تواضعاً، وبدلة واحدة استخدمها لحظة رئاسته للحكم عام ٢٠١٠، ولبسها للمرة الثانية عند تنحّيه عن الحكم عام ٢٠١٥!. كان ينظر إلى المال وسيلة لغايات الفقراء وبالأخص الأطفال منهم، ولغايات حماية الطبيعة. سأله المخرج كوستاريتسا: ماذا كنت لتفعل لو كنتَ تملك ٨٠ مليار دولار،مثل ذلك الرجل المكسيكي؟ - يستحيل ، لكن لو حصل ذلك لكنتُ أعيش مثله، بحالة يأس دائم لمعرفة من يسرق مني، يُخِيّل إليّ أن هذا هو همّه الرئيسي. ثالثاً: الاشتراكي الذي عشق شعبه والطبيعة معاً: في سياق نفس السؤال السابق، كرر المخرج : لو كنتَ تملك ٨٠ مليار،ماذا كنت لتفعل لبلادك؟ - لا، لا يستحيل أن أجمع ذلك المبلغ، لكنتُ أنفقته قبل أن يصل إلى جيبي (وهو يضحك) وبجدية واصل حديثه: - تحتاج البشرية إلى استثمارات هائلة لصالح الحياة، بدلاً من أن يجمع هؤلاء العجائز المليارات أو يصنعوا سيارات بمليون أو مليونين دولار. ممكن تحويل الثلوج الذائبة في القطبين إلى أنهار جديدة توجه للصحاري والبلدان الجافة في أفريقيا وآسيا أو حتى بعض البلدان الأوربية، ممكن حماية الغابات من التلوث والاحتباس الحراري، ممكن تحويل أراضٍ خصبة إلى مزارع يستفيد منها شعوب كثيرة.

حينما يستمع المرء إلى هذا الرئيس وهو يتكلم عن الطبيعة، يُخَيّل له ما كتبه كارل ماركس عن علاقة الإنسان بالطبيعة، وذلك في مخطوطاته الفلسفية المُبَكرة عام ١٨٤٤. ففي مقال لتيد بينتون في الموقع الإلكتروني "ميدان" ترجمة كريم الطرابلسي، يوضّح بأن التدمير الثابت والمتسارع الذي تحدثه الرأسمالية الحديثة للموارد الضرورية للحياة ذاتها، بما في ذلك الحياة البشرية. وهو التحدي الأساسي الذي يواجه البشرية اليوم- كما تكلم عنه پيپي تماماً- كظاهرة تغير المناخ، والتلوث السام للمحيطات، والتصحّر وتدهور التربة والتنوع البيولوجي على نطاق هائل. ففي موضوعة الاغتراب/الاستلاب التي ناقشها ماركس، يوضّح فيها بأن عملية الاغتراب بدأت مع تسييج الأراضي العمومية حول العالم، أي تحويل الأراضي الزراعية إلى ملكية خاصة، مما ترك العديد من سكان الريف دون أي وسيلة لتلبية احتياجاتهم غير بيع عملهم إلى الطبقات الصناعية الناشئة، وتحدث ماركس عن الاحتياجات الروحية وفقدان نمط حياة بأكمله بعد هذه المرحلة من التاريخ. إذا كان البشر يجدون معنى لحياتهم من علاقتهم بالطبيعة، فإن إحدى الأفكار التي تتكرر عبر مخطوطات ماركس المبكرة هي رؤيته للتاريخ كمسار يتم فيه استغلال العمال والطبيعة جنباً إلى جنب. يعتمد الإنسان في معيشته على الطبيعة، حيث أن الطبيعة هي جسده، ويجب عليه أن يبقى في تعاون مستمر معها لتفادي الموت، إن الحياة البدنية والروحية للإنسان مرتبطة بالطبيعة، ما يعني ببساطة أن الطبيعة مرتبطة بنفسها لأن الإنسان جزء من الطبيعة. إن هذه العلاقة بين الإنسان والطبيعة قد أصابها الخلل في حقبة الصناعة الرأسمالية، وفي كل مكان في العالم الرأسمالي والاشتراكي السابق والمتخلف. لذلك ركز هذا الفيلم كثيراً على العلاقة الروحية لهذا الرئيس بالطبيعة وبمزرعته الصغيرة التي حولها إلى مشاريع عامة لفقراء منطقته. يقول پيپي إنه في أعماقه يرى في الطبيعة هبة إلهية، فالعالم أو الكون المادي، عالم الهيدروجين، شاسع وضئيل على حد سواء، بذرة الحياة التي يمكننا تخيّلها ولمسها تجعلني أشعر برقة الحياة!. في علاقته بالزهور التي يرعاها في مزرعته الصغيرة، يقول عنها: الزهور قاسية، هناك قسوة ناعمة فيها، إنها حساسة، وهي تمرض، تحتاج إلى أساليب زراعية ذكية جداً، يجب على المرء أن يتعلم التمييز بين ألوان أوراقها لتعرف احتياجاتها، هي تقول عبر هذه الألوان "بأنها تحتاج إلى النيتروجين" أو "يجب أن تعطيني الفوسفور"، إنها تجبرك على المراقبة، أثبت علمياً بأن النباتات كائنات حساسة. يجب العمل لصالح الحياة والطبيعة، وليس ضدها كما هو حاصل الآن. رابعاً وأخيراً، العلاقة الإنسانية الراقية مع زوجته: يكشف الفيلم عن تلك العلاقة العاطفية بينهما عندما تعرّفا على بعضهما أثناء فترة النضال الثوري، واستمرت العلاقة رغم غياب پيپي في السجون ١٣ عاماً. تقول هذه الزوجة بأنهما عاشا معاً في طوباويتين؛ طوباوية الحب وطوباوية النضال، وهذا ما أدّى إلى تجاوزهما الكثير من التجارب المؤلمة والظروف الصعبة التي واجهتهما معاً، وعلى العيش لحظات جميلة كثيرة. احلامه: هذه هي أحلام هذا الرئيس، ورغم قناعته وماضيه اليساري الثوري، إلا أن في فترة ولايته الرئاسية اعتمد في المجال الاقتصادي على قطاع الأعمال والاستثمارات الأجنبية دون أن يرضخ للتوحش النيوليبرالي، وصُنف من قبل منظمة الشفافية الدولية في عهده بأن الأورغواي البلد الأقل فساداً في أمريكا اللاتينية، وفي مايو ٢٠١٥ ووفق المفوضية العليا للاجئين، أعلن پيپي عن استعداد بلاده لاستقبال مائة طفل يتيم سوري ممن أجبروا على اللجؤ للبلدان المجاورة لسوريا برفقة بالغين من ذويهم، وذلك بمنزله الصيفي، وفتح جزء من قصر الحكومة للمشردين لمن لا سكن ومأوى لهم. سأله المخرج سؤالاً أخيراً: - هل ندمت قط في حياتك؟ - نعم... لم أنجب أطفالاً !!!!.

ملاحظة: الفارو بريختر مخرج فيلم A twelve year night، مترجم في النتفلكس. La noche de 12 andos عن حياة پيپي ورفاقه في السجن لمدة ١٢ عاماً. فيلم يعاني فيه هؤلاء الثوار-وبينهم پيپي- من الذلة والظلام والحبس الانفرادي والتعذيب، وتاتي الأحلام حاملة معها بصيص من الحياة، ومنها إضراب واحتجاج پيپي للحصول على زهرة استلمها من والدته في إحدى زيارتها له- إنهم يحاولون الحصول على حريتهم ومقاومة محاولات تحطيم النفس).

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email