رواية دمية كوكوشا..  اسطورة الحرب والحب في حكايات لا تنتهي

 

 

 

 

"في كل عمل تقرأه لكروش تجد نفسك مجذوبا لفكرة واحدة، وهو أن علينا أن نقلص الفجوة بين الخيال والواقع" 

الروائية الكويتية بثينة العيسى

-2-

يقول الروائي الاسباني افونسوكروش: "الخيال ليس هروبا من القبح، ومن الرعب، ومن المظالم الاجتماعية، وإنما، هو بالضبط تصميم لبناء بديل، هندسة فرضية لمجتمع أكثر انسجاما مع انتظاراتنا الإنسانية والأخلاقية."

وفي روايته دمية كوكوشكا ترجمة مها عطفه ونشرتها دار مسلكلياني للنشر في العام 2018م، اعتمد الكاتب على خلفيتين أساسيتين؛ 

 الخلفيةالأولى : قصة الحب الغرائبية بين الفنان النمساوي أوسكار كوكوشكا والفنانة والملحنة الموسيقية ألما ماهلر ، 

 

والخلفيةالثانية : أسطورة مدينة درسدن الألمانية ، ليبني عليها نسخته الخاصة؛ عن الخير والشر وعن الحب والصداقة وعن العلاقة مع الآخر وأشياء أخرى كثيرة في قالب فلسفي أحياناوساخر في أحيان أخرى. 

تمكن كروش من توظيف ملكاته المتعددة في الكتابة والرسم والموسيقى لبناء هذا النسيج المذهل الذي بين يدينا. النص يكشف لنا عن كاتب متمرس وقارئ واسع الاطلاع  

 قد يساورنا الشعور في البداية ربما، بأن كل شيء في الرواية لا ينتمي إلى الآخر. وقد يحضرنا السؤال : ماذا يريد الكاتب أن يقول بكل هذه الاستعارات والمجازات.  وقد تربكنا الخطوط المتوازية في مسار الشخصيات وكأنها لن تلتقي أو لم تلتقي أبدا.

 

  

بقليل من الصبر وحين نصل إلى المنتصف أو قبله بقليل، ندرك أن كل شيء لا ينفك يتصل بشيء آخر، وأن كل شخصية تتجذر في الشخصية الأخرى. كل حادثة أو شخصية مهما كان حضورها طاغياً أو بسيطاً له ارتباط أما بألمانيا النازية أو تأثر بالحرب العالمية بصورة أو بأخرى .

مثلا:

• أوسكار كوكوشكا: فنان نمساوي تعرضت أعماله لمصادرة الحكم النازي 

• مدينة درسدن: مدينة المانية غنية بالمباني و المتاحف التاريخية و الهندسة المعمارية المميزة  

• مغني الجاز جانغو رينهارت: هو مغن غجري ، عندما وصل هتلر إلى السلطة ، حظر معظم موسيقى الجاز باعتبارها جزءا من مؤامرة دولية لتقويض عظمه ألمانيا. 

• جرائم الحرب التي ارتكبها الحلفاء لم تكن أقل ضراوة من جرائم النازية 

• أمراض الشيخوخة – الباركنسون – مثالا 

  • ولكن هل صحيح أنه لا شيء في هذه الرواية " لم يفعله الأدب من قبل" ؟ 

برع كروش في التعبير عن أفكاره بتوظيف أسلوب الرمز والاستعارة والمجاز تاركاً فسحة الخيال للمتلقي بدعوته إلى امتطاء خياله الخاص ، والتسلح ببصيرة المرتاب في كل ما تقوله الكلمات وما الذي يتلطى حقيقة بين السطور . 

نحن إمام كتاب في داخل كتاب، وعلى القارئ إن ينتظر حتى مابعد مئة صفحة ليجد دمية كوكوشكا ، الدمية التي بعد أن طعنت ورميت بعيداً عادت للحياة أكثر من مرة بشكل فنتازي لتلعب دوراً كبيراً في مصائر عدد من أشخاص الرواية . 

يقول كروش : قصة دمية كوكوشكا قصة حب غير اعتيادية وفريدة واعتقد أنها استعارة جيدة لعدد من الأمور في الحياة التي نعيشها ، ففي نهاية المطاف فإنها تشكل خلفية الأحداث كلها ، وهناك عدد من الشخصيات التي تحركت كالدمى في الرواية . " 

كم دمية وجدتم في الرواية ؟

 

 

 

 

-3-

  • أسطورة مدينة دريسدن (لا يوجد أخيار في الحرب) 

يقال إنه قبل الحرب العالمية الثانية ، كانت درسدن تسمى "فلورنسا الألب" وكانت من أجمل مدن العالم من حيث الهندسة المعمارية والمباني والمتاحف التاريخية ، وهناك روايتين لتفسير التدمير الذي حل بهذ المدينة : إحداهما تقول إنه لم تكن مساهمة درسدن في المجهود الحربي كبيرة مقارنة بالمدن الالمانية الأخرى ، بل إنها كانت بعيدة عن جبهات القتال فلجأ إليها العديد من الفارين من تقدم الجيش الروسي في فبراير 1945 ، وكانت دفاعاتها في حدها الأدنى لانشغال معظم القوات في الدفاع عن برلين . بينما تذكر الرواية الأخرى إن المدينة كانت تخفي وراء وجهها البريء ، مصانع للمعدات الحربية والأسلحة . 

وبهدف ضرب الاقتصاد وكسر الروح المعنوية للشعب الالماني ودفع القوات إلى الاستسلام السريع ، تعرضت درسدن في الثالث عشر من فبراير في 1945 لهجوم حلفائي كبير (بريطانيا وأمريكا وروسيا) ولمدة ثلاثة أيام ، وبحلول الخامس عشر من فبراير أصبحت درسدن خراب كامل وقتل شامل لم يفرق بين الجنود والمدنيين . 

 المفارقة هنا أن التحالف استخدم تكتيك حربي يعرف (بالمنطقة أو التشبع ) ، (كان هتلر هو أول من استخدم هذه التكتيكات الحربية – في سبتمبر 1939- عند هجومه على وارسو وروتردام و لندن وكوفنتري) ، حيث تستهدف جميع مناطق العدو وليس الجنود و الذخائر الحربية فقط ، فيتم طمس أجزاء مدنية جنبا إلى جنب مواقع العسكر ، فضربت المدن بأقصى قدر من الفعالية ودمرت بنيران شرسة باستخدام قنابل حارقة . . ومع نهاية الحرب كانت درسدن قد سويت بالأرض . و بالنظر إلى صور درسدن بعد القصف ، يمكن تخيل الأعداد الهائلة للقتلى والتي لم تتفق الروايات علىى حقيقتها حتى وصلت بعض التقديرات إلى خمسمائة ألف ، بينما في عام 2010 أعلنت لجنة تاريخية تقديرها لعدد الضحايا بواقع خمسة وعشرون الفا ويرجح أنه العدد الأصلي الذي أخفاه المسؤلون آنذاك لأسباب سياسية . 

يقول كروش : كنت أريد أن أكتب عن ولد يهودي يكون بمثابة الضمير لرجل الماني قليل الذكاء ، وبعد تفكير في أفضل سيناريو لهذه الفكرة قررت أن اختار ألمانيا النازية كمكان . واخترت درسدن لتميزها ، فبعكس المدن الأخرى التي عانت على يد النازيين ، حدثت معاناة هذه المدينة على يد الحلفاء ، هنا أردت أن أضيء على فكره الخير والشر ، فقد جاء تدمير هذه المدينة على يد من يفترض أنهم "الأخيار" في تلك الحرب . 

 

أوسكار كوكوشكا و ألما ماهلر 

 

يعتبر الرسام والأديب النمساوي أوسكار كوكوشكا (1886-1980) أحد الفنانين التعبيريين، والتعبيرية مدرسة في الرسم من أهم سماتها المبالغة في أحجام الأشياء والمبالغة في عنف الألوان ، تنقل الواقع بشكل انفعالي وذاتي . ومن أهم روادها الهولندي فنسنت فإن غوخ (1853-1890) والبلجيكي جميس إينسور (1860-1949) والنرويجي أدوارد مونك (1863-1944) . 

وحين سيطر النازيين على ألمانيا رأوا في كل المدارس الفنية الحديثة ومن بينها التعبيرية فناً لا يليق بالألمان واتهموا كل المدارس الفنية الحديثة بأنها يهودية أو أنها مظهر من مظاهر الجنون . صادر النازيون  ستمائة وخمسون عملا فنياً من المتاحف الألمانية وجمعوها في معرض عام 1937 أسموه معرض (الفن المنحط أو ا لمنحرف) . 

و بيعت بعض اللوحات بعد المعرض لمن يريد الشراء حيث أمل النازيون بأن يحققوا ولو بعض الربح من هذا الفن “المنحط” أما الرسامين فقد نُصِحوا بالتوقف عن الرسم والكثير منهم تم فصله من وظائفه الأكاديمية . 

كان من بين لوحات كوكوشكا المعروضة في المعرض النازي لوحة “العاصفة” وهي ربما أثارت سخرية النازيين كثيراً لأنهم رأوا فيها اضطراباً وهلوسة جاهلين إن لهذه اللوحة قصة حب عاصفة . 

ولكي نعرف شيئاً من قصة هذه اللوحة دعونا نعود إلى قبل خمسة وعشرون عاماً قبل المعرض النازي ذاك، أي إلى عام 1911، حيث توفي الموسيقي الشهير غوستاف ماهلر (1860-1911) ، تاركاً زوجته الجميلة ألما ماهلر (1879- 1964) أرملة. 

التقت ألما صدفة بكوكوشكا في أحد الأيام، وعزفت له على البيانو معزوفة “تريستان وإيزولده” ، التي كان قد ألفها زوجها، وفيما كانت تعزف، خطط كوكوشكا بورتريه لوجهها . 

ومن بعد لقاءهما الأول جن العاشقان ببعضهما بعضا واشتهرت قصة هذا العشق . إلا أن علاقتهما كانت مثار استغراب البعض ، فألما ماهلر كانت تكبر كوكوشكا بسبع سنين، وهي من أسره غنية تعودت في حياتها في فيينا على الترف، بينما عانى أوسكار كثيراً من الفقر وغالباً ما كان يسكن في إحياء فقيرة . 

رسم كوكوشكا ألما كثيراً ، وكتب لها الكثير من رسائل الحب، وكان غيوراً عليها وهي المعروفة بكثرة العشاق، ثم حدث أن حملت ألما ففرح كوكوشكا ، لكنها أسقطت الطفل بدون علمه الشي الذي أثَر عليه كثيراً . 

كان كوكوشكا يتمنى أن ترى ألما فيه رجلها، وكان يتمنى أن تقبل به زوجا لكنها كانت ترفض الزواج ، فعقد العزم على أن يرسم لوحة بعنوان “ترسيتان وإيزولده” ، وتريستان وإيزولدة هي أسطورة عاشقين قديمة استوحاها الكثير من الشعراء والموسيقيين في أعمالهم ومنهم زوج ألما السابق الموسيقي الشهير غوستاف ماهلر وهي نفس المعزوفة التي عزفتها ألما لكوكوشكا يوم لقاءهما الأول ، فكان كوكوشكا بقراره هذا يقول لألما بأنه يريد أن يصير كما كان زوجها السابق غوستاف ماهلر لها . 

أثناء الرسم بدأت أفكاره حول اللوحة بالتغير ، فبعد أن كانت التخطيطات الأولية للوحة تصور العاشقين مشتبكي الأيادي ، قرر أثناء الرسم إن لا يترك أياديهما مشتبكة . و رغم أن كوكوشكا كان قد بدا رسم اللوحة مقررا أنه سيرسم “تريستان وإيزولدة” إلا أنه وجد نفسه شيئا فشيئا يرسم نفسه وألما في مشهد عاصف . 

 

قال كوكوشكا فيما بعد عن هذه اللوحة : “هي لوحة تصورني أنا وامرأة أحببتها يوما ما بشكل كبير في حطام سفينة في وسط محيط” . 

أكمل كوكوشكا اللوحة عام 1913 لكن علاقته بالما لم تكن على ما يرام وبعد مرور أشهر من ذلك بدأت الحرب العالمية الأولى ، فتطوع كوكوشكا للجيش في سلاح الفرسان وكان حينها ، على من يتطوع في سلاح الفرسان أن يجلب معه حصانا من عنده ، فباع كوكوشكا لوحة “العاصفة” لصيدلي واشترى بمالها حصانا وذهب للحرب . حين رجع إلى فينا اكتشف أن ألما قد تزوجت أحد عشاقها القدماء . 

من غرائب كوكوشكا أنه بعد أن عرف بزواج ألما طلب من صانعه للدمى أن تصنع له دمية بحجم الإنسان الطبيعي وأرسل لها رسالة تفصيلية زودها فيها بأدق التفاصيل للجسد الذي يريده مع بعض الرسومات التوضيحية تبين أدق التفاصيل حتى عن طول وشكل رموش العين . بدأ كوكوشكا بالتصرف مع الدمية على أنها إنسانة حية فكان يلبسها الملابس بعناية ويقال إنه اصطحبها معه إلى صالات الأوبرا والمطاعم . حتى جاء أحد الأيام الذي شعر بالملل منها ، فدعى كوكوشكا أصدقاءه إلى حفلة صاخبة وفي أثناء تلك الحفلة قام بطعن تلك الدمية بالسكين ورماها . قال كوكوشكا فيما بعد : “في تلك الليلة ، قتلت ألما” . 

يقول كروش : قرأت رسالة الفنان أوسكار كوكوشكا ، وكانت تقنية بحته حتى تستطيع صانعه الدمى من تشكيل محبوبته بتفاصيلها ولكن النتيجة كانت فضيعة ولم أتجرأ حتى على وضع صورتها غلافا لكتابي" 

في عشرينيات القرن العشرين باع الصيدلي لوحة “العاصفة” لأحد المتاحف ، وهي إحدى اللوحات التي صادرها النازيون من أجل معرض “الفن المنحط” عام 1937 وعرضوها هناك من أجل السخرية ، وحين انتهى معرضهم ذاك، عرضوا اللوحات للبيع فاشتراها أحد الناس الذي يبدو أنه كان يعرف قيمتها وجلبها لبازل في سويسرا حيث تستقر اللوحة في أحد المتاحف هناك إلى يومنا هذا.

 

-4-

  • دعوة لفتح الأبواب والالتقاء بالآخر 

يدعونا كروش إلى فتح اقفاصنا وعدم الانغلاق على أفكارنا ، فالمسألة كلها أبواب وعلينا أن نعرف الباب المطل على الشارع فمالم نفتحه ونخرج لن نلتقي بأنانا الأخرى ولن يكون لنا وجود . 

اختيار أفونسو كروش النازية واليهود كخلفية لروايته ، تأكيد على عنصرية الحركتين وانغلاقهما على فكره (الجنس الأنقى وشعب الله المختار) ، وجاء احتجاجاً على هذه الأفكار بحكم دورها في إثارة النزاعات وقيام الحروب . 

 " علينا فهم الاختلافات لنجد نوعاً من السلام وسط هذا التوتر.  لن يكون اندلاع الحروب أمراً سهلا حين تفهم الناس بعضها بعضاً. سيصبح سقوط القنابل أقل وتيرة وستبقى الأبنية واقفة، ولن تتقطع الأوصال بالوتيرة ذاتها ولن تتطاير الأذرع . ومن الممكن أن لايعود للأقفاص وجود وإن تتحول مراكز الاعتقال إلى متاحف لذاكرتنا . " 

  • يونيفاز فوجل؛ الفم المفتوح : 

نتعرف على شخصية يونيفاز كرجل بسيط التفكير ، مندهش من كل ما يشاهده ومستسلم لصوت ضميره (أوسكاردرسنر) ولا يتعدى أفقه الشارع المقابل لدكانه . أنه بشكل أو بآخر يشبه دمية (كوكوشكا ) فهو رغم أنه حي وقادر على الحركة والكلام إلا أنه مستسلم تماما لإرادة أوسكار درسنر . 

  • الباركنسون : 

أهدى الكاتب روايته إلى أمه التي كانت مريضة بالباركنسون وقد تمثلت في أكثر من شخصية ، أبرزها يونيفاز فوجل ، وانستازيا الجدة واميليو كوردا . 

يصور لنا الكاتب كيف هي طبيعة هذا المرض القاسي باستعارة وضع دمية كوكوشكا فهذا الفنان متشبث بحبه لدرجة أنه منح الحياة لدمية جامدة دون عقل ، بينما باركنسون يعمل بالعكس تماما ينغلق الجسد على نفسه وتتوقف الأعضاء عن أداء وظيفتها بينما العقل حاضرمتشبث بالحياة . فيراقب كيف يصبح جسده عبئاً أو التزاماً غير محتمل على أهله . 

"بدأ بونيفاز فوجل يصبح لا مرئياً على نحو متزايد وغير محتمل إلى أغلب الناس . . . مكث جالسا لساعات دون أن ينبس ببنت شفة ، وكان على إسحق درسنر أن يذهب به إلى المرحاض كي يبول، وهو ماكان يفعله عادة في بنطاله" 

أناستازيا فارجا – الجدة : "لم تكن متشبثة بالسرير، لقد كانت متشبثة بالحياة" . 

  • أوسكار درسنر : العقل المدبر لحياة يونيفاز 

عاش طفولة قاسية وظل يجر ذكرى قتل صديقه برجله اليسرى . استعارة عن حمل اليهود للحقد والكراهية ضد النازية بسبب ما ذاقوه من اضطهاد وقتل وتشريد على يديهم . 

هذه الشخصية البريئة المضطهدة تكشف لنا عن وجهها الآخر في الكتاب الثاني ، حيث يتحول أوسكار درسنر إلى شخصية شريرة ولئيمة ومتآمرة، تختبئ في دور ناشر يملك دار النشر كنوما آت بلروما و يستخدم توماس بوبا –نيكولاس مارينا- لكتابه كتب مليئة بالأكاذيب الخيالية والشخصيات المختلقة 

"1962 – دار النشر كنوما آت بلروما تكلفه بتأليف كتاب غريب : "لا شيء لم يفعله الأدب من قبل" . . الناشر رجل يعرج (اسحق درسنر) طلب أعمالاً مستحيلة ، ودفع مبالغ طائلة مقابل كتب وأسماء وقصص مختلقة بشخصيات تتفاعل مع الواقع ، حيوات متخيلة . كتب ومصادر وهمية تنقل وتستشهد بكتب و أسماء وهمية أخرى . . (تقمصات فيثاغورس ثلاث كتب اخرى) . . 

"اختلاق شائعات كي يتم تداولها قامت بها شخصيات أنا اختلقتها . أدخل فضائح في مقالاتي تلعب بطولتها شخصية من الشخصيات التي تخيلتها كما لوانها حقيقية . شعرت أنها ديانة أكثر من كونها مهنة . " 

هل هذه استعارة عن قصص الهولوكوست والمبالغات الصهيونية حولها . 

-5-

  • هل للخطايا وزن؟ 

زيغموند فارجا آمن بأن للخطايا وزن ، وإن وزن الروح يختلف باختلاف الحياة والموت وكرس حياته وأمواله لإثبات هذه النظرية . 

ماهي الاستعارة في شخصية زيغموند فارجا المليونير جامع الفراشات ؟ 

حاولت تفكيك هذه الشخصية حتى أعيتني . . 

• بيتان متطابقان في الهندسة والتصميم في بودابست وفي درسدن يختلفان في اللون أسود (سواده يفوق سواد الزمن)في بودابست بني في بداية القرن العشرين وأبيض في درسدن 1912 . يعيش فيه الشرعيون فقط . 

• أكثر من خمسين ولدا من عدة نساء ، ثمانية شرعيون فقط ! 

• اراد أن يؤسس هرما خاصا من سبع طوابق يخصص الطوابق العليا لأبنائه المميزين . . . طمح أن يبني حارة للأسرة بأجملها أكثر من 120 شخص . 

• جامع الفراشات 

• وازن الخطايا 

هل هو استعارة عن الحركةالصهيونية ؟ أم أنه استعارة عن النازية ؟ 

الشر أسود والصهيونية حركة شريرة والنازية أيضا كانت حركة شريرة 

العنصرية : لن يسمح للعيش في البيتين إلا للأولاد "الأسوياء" ، طردت لويزا لأنها عشقت الغجري وتم ترحيل انستازيا لأنها تصادقت مع الزنجي 

الفراشة كائن خفيف هش قصير العمر يكمن في شرنقته حتى يصبح كامل النمو،  

الابنتين الشرعيتين لفارجا ، انستازيا الطيبة فاعله الخير ولويزا الخاطئة ، هل تعكسان جانبي الخير والشر في شخصيته ؟ 

فرغم أنهما لم تلتقيا أبدا ، فقد تشكل مصيريهما بين الخيط الممدود بين والدهما جامع الفراشات والمسيرة الفنتازية لدمية كوكوشكا . كانتا خطين متوازيين لا يمكن أن يلتقيا إلى ما لا نهاية إلا أن حياتيهما تقاطعتا بشكل أكثر واقعية من الخيال الذي اخترعهما . 

من كان الأعمى في العلاقة بين زيغموند فارجا والغجري عازف الكمان ؟ 

"الحياة عبارة عن عقده متشابكة من الخيوط أغلبها غير مرئي ، لذلك لا نقدر أن نعرف كيف تشابك بعضها مع بعض . فالاحداث كلها يرتبط بعضها ببعض بهذه الخيوط . . . أن ما أفعله هو إني أبرز ما أراه واضحا واعتبره ذا صلة بالموضوع . أترك الكثير من الأشياء الأخرى التي لا صلة لها بالموضوع وغير المرئية بالنسبة إلي . لهذا السبب تشبه هذه القصص ، قصص الحياة ، معجزات القدر الكبيرة : لأننا ننقيها من كل ما هو غير مهم ولا يضيف لنا شيئا ، أننا نبرز ما هو جوهري ليس أكثر . " هل هذا صوت افونسو كروش ؟ 

-6-

  • بين الكتاب الأول والكتاب الثاني 

في الكتاب الأول قسمت الفصول متتابعة و متسلسلة ويملك كل منها عنوانا منفصلا . 

ولكن كان التلاعب بالزمن حاضرا في تناقض أعمار عائلة يونيفاز فوجل : بينما جميعهم توفوا أو قتلوا في 1944 

- العم هيلمر ولد في 1903 بينما ولده وكارل ولد في 1908 أي أنه أكبر من أبيه بخمس سنوات! 

- آنا والده يونيفاز ولدت في 1874 بينما والده لوتز فوجل ولد في 1967 بينهما مايقارب -93 – ثلاثة وتسعين سنة ! 

أما الفصول في الرواية الثانية فإنها تبدأ بالفصل الأول ثم تقفز إلى الثالث وبعده الخامس وهكذا تتوالى الأرقام إلى ما لانهاية ، بصورة قفزات كبيرة وكأنها تطوي الزمن طياً ، وتتجاهل بعض التفاصيل والأحداث ، فالقصة مكتوبة من منظور واحد ويرويها شخص واحد لا يعرف كل شيء، وكل ما يملكه كان الخيال وتصورات عما سيحدث في المستقبل وكأنها روى ونبوءات . 

حسب ما قرأت عن النسخة الأصلية باللغة الاسبانية والانجليزية كان هناك غلافين ، غلاف مختلف لكل كتاب ، كما أن نوع الخط كان مختلفا وكأنه كتب بالآلة الكاتبة ، فقد تم تمييزه لتوضيح تغير شكل السرد الذي جاء بضمير المتكلم مختلفا عن الكتاب الأول ، وهذا مالم يحدث في طباعه النص المترجم إلى اللغة العربية . 

وأخيرا : 

في البار حيث جلست أدل (الكتاب الثاني) والتقت بالموسيقي ووقعا في الحب "وبقيا كذلك في هذه الحال غير الطبيعية بقية الدهر : يحاربان الكون : كانت موسيقى جانغو رينهارت : دموع ، تسمع في الخلفية . " 

وفي الخاتمة ، تلتقي أدل الحقيقية ، في نفس الظروف بكوردا الموسيقي (ديجافو : حدث هذا من قبل) وتطلب منه أن يعزف لها مقطوعة دموع . هي لا تعرفها ولكن تشعر بأن عليها إن ترغم القدر . 

 ليس ميرو كوردا وحده ، إنما كل الموسيقيين في الرواية جاءت عناصر شخصياتهم من هذا آل جانغو رينهارت .

 

 فمن هو جانغو رينهارت : django Reinhardt 

 كان مغني جاز وعضوا من فرقه خماسية ، وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية ، كان الخماسي الأصلي في جولة في المملكة المتحدة . عاد راينهارت إلى باريس ، -تاركا زوجته في المملكة المتحدة . 

بينما كان يحاول الاستمرار في موسيقاه ، قدمت الحرب مع النازيين راينهارت مع اثنين من العقبات الكارثية المحتملة . أولا ، كان من الغجر . ثانيا ، كان موسيقيا جازيا . 

وابتداء من عام 1933 ، منع جميع الغجر الألمان من العيش في المدن ، وتوغلوا في مخيمات استيطانية ، وتم تعقيمهم بشكل روتيني . طلب من رجال الغجر ارتداء مثلث بني للهوية الغجرية مخيط على صدرهم مشابها للمثلث الوردي الذي كان يرتديه المثليون جنسيا ، ويشبه إلى حد كبير نجمة داود الصفراء التي كان على اليهود أن يلبسوها لاحقا . خلال الحرب ، قتل الغجر بشكل منهجي في معسكرات الاعتقال . 

بالإضافة إلى ذلك ، كان الموقف الألماني تجاه موسيقى الجاز عدائيا طوال النصف الأول من القرن العشرين . بين 1916 و 1920 , تم حظر جميع موسيقى الجاز رسميا في جميع أنحاء ألمانيا . عندما وصل هتلر إلى السلطة ، حظر معظم موسيقى الجاز . ويبدو أنه وجوزيف غوبلز كانا ينظران إلى موسيقى الجاز باعتبارها جزءا من مؤامرة دولية لتقويض عظمه ألمانيا . (ويكيبيديا) 

  • الرسومات 

الرسوم المصاحبة للنص هي من أعمال المؤلف ، ورسمت جميعها بعد كتابه النص وليس قبله - يقول كروش – يمكن للنص أن يطبع دون هذه الرسوم فليس هدفها توضيح شيء إنما هي صور رسمتها بعد انتهائي من الكتابة متأثرا بما جاء فيها . 

  استعارات استعارات استعارات : 

الرواية كلها يمكن أن تقتبس فكل مفردة وعبارة تحمل فكره عميقة ويمكن تفسيرها بأكثر من معنى . 

• كان يخشى أن يهشم أعذب التغاريد 

• دوت ثلاث طلقات بجوار روح إسحاق درسنر تماما لكنها أصابت جدران الغيتو 

• الحرية أحد أكثر الأبواب آثاره للفزع . . . كان القفص في داخلها 

• العدو يعيش في داخلنا . . . هو أكثر ما نخشاه وأكثر ما يهددنا 

• حين تكثر التقاطعات لا نعرف أي طريق نسلك 

• اننا نرى العالم من خلال زجاج متسخ ؛ بما في ذلك حين نضع نظارات نظيفة 

• كان شيئا متفجرا ، مثل نشأة الكون ، كان انفجارا شخصيا ، لم يكن هناك شيء قبله وفجأة حضر كل شيء . 

• كتب ، أحبك بحبر دائم ، كما ينبغي للحب أن يكتب ، بحبر دائم 

. . .  وهكذا يمكن أن اقتبس إلى مالا نهاية ولكن الاقتباسات وحدها لا تصنع رواية؛ 

هناك الكثير مما يمكن أن يقال ويكتب عن هذه الرواية ، أنها عمل فذ وذكي يكشف عن براعة أدبية فائقة، هذا التنقل الكثير بين الأماكن والأزمان ، والكم الهائل من المعلومات يخبرنا عن قارئ نهم في مجالات متعددة، أهدانا افونسو كروش كتابا كثيف الطبقات يجمع الأدب والفلسفة والتاريخ والفن والموسيقى في رواية خيالية ماورائية مذهلة . 

 

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد