رواية دمية كوكوشا..  اسطورة الحرب والحب في حكايات لا تنتهي




"في كل عمل تقرأه لكروش تجد نفسك مجذوبا لفكرة واحدة، وهو أن علينا أن نقلص الفجوة بين الخيال والواقع"

الروائية الكويتية بثينة العيسى

-2-

يقول الروائي الاسباني افونسوكروش: "الخيال ليس هروبا من القبح، ومن الرعب، ومن المظالم الاجتماعية، وإنما، هو بالضبط تصميم لبناء بديل، هندسة فرضية لمجتمع أكثر انسجاما مع انتظاراتنا الإنسانية والأخلاقية."

وفي روايته دمية كوكوشكا ترجمة مها عطفه ونشرتها دار مسلكلياني للنشر في العام 2018م، اعتمد الكاتب على خلفيتين أساسيتين؛

الخلفيةالأولى : قصة الحب الغرائبية بين الفنان النمساوي أوسكار كوكوشكا والفنانة والملحنة الموسيقية ألما ماهلر ،

والخلفيةالثانية : أسطورة مدينة درسدن الألمانية ، ليبني عليها نسخته الخاصة؛ عن الخير والشر وعن الحب والصداقة وعن العلاقة مع الآخر وأشياء أخرى كثيرة في قالب فلسفي أحياناوساخر في أحيان أخرى.

تمكن كروش من توظيف ملكاته المتعددة في الكتابة والرسم والموسيقى لبناء هذا النسيج المذهل الذي بين يدينا. النص يكشف لنا عن كاتب متمرس وقارئ واسع الاطلاع

قد يساورنا الشعور في البداية ربما، بأن كل شيء في الرواية لا ينتمي إلى الآخر. وقد يحضرنا السؤال : ماذا يريد الكاتب أن يقول بكل هذه الاستعارات والمجازات. وقد تربكنا الخطوط المتوازية في مسار الشخصيات وكأنها لن تلتقي أو لم تلتقي أبدا.


بقليل من الصبر وحين نصل إلى المنتصف أو قبله بقليل، ندرك أن كل شيء لا ينفك يتصل بشيء آخر، وأن كل شخصية تتجذر في الشخصية الأخرى. كل حادثة أو شخصية مهما كان حضورها طاغياً أو بسيطاً له ارتباط أما بألمانيا النازية أو تأثر بالحرب العالمية بصورة أو بأخرى .

مثلا:

• أوسكار كوكوشكا: فنان نمساوي تعرضت أعماله لمصادرة الحكم النازي

• مدينة درسدن: مدينة المانية غنية بالمباني و المتاحف التاريخية و الهندسة المعمارية المميزة

• مغني الجاز جانغو رينهارت: هو مغن غجري ، عندما وصل هتلر إلى السلطة ، حظر معظم موسيقى الجاز باعتبارها جزءا من مؤامرة دولية لتقويض عظمه ألمانيا.

• جرائم الحرب التي ارتكبها الحلفاء لم تكن أقل ضراوة من جرائم النازية

• أمراض الشيخوخة – الباركنسون – مثالا

  • ولكن هل صحيح أنه لا شيء في هذه الرواية " لم يفعله الأدب من قبل" ؟

برع كروش في التعبير عن أفكاره بتوظيف أسلوب الرمز والاستعارة والمجاز تاركاً فسحة الخيال للمتلقي بدعوته إلى امتطاء خياله الخاص ، والتسلح ببصيرة المرتاب في كل ما تقوله الكلمات وما الذي يتلطى حقيقة بين السطور .

نحن إمام كتاب في داخل كتاب، وعلى القارئ إن ينتظر حتى مابعد مئة صفحة ليجد دمية كوكوشكا ، الدمية التي بعد أن طعنت ورميت بعيداً عادت للحياة أكثر من مرة بشكل فنتازي لتلعب دوراً كبيراً في مصائر عدد من أشخاص الرواية .

يقول كروش : قصة دمية كوكوشكا قصة حب غير اعتيادية وفريدة واعتقد أنها استعارة جيدة لعدد من الأمور في الحياة التي نعيشها ، ففي نهاية المطاف فإنها تشكل خلفية الأحداث كلها ، وهناك عدد من الشخصيات التي تحركت كالدمى في الرواية . "

كم دمية وجدتم في الرواية ؟

-3-

  • أسطورة مدينة دريسدن (لا يوجد أخيار في الحرب)

يقال إنه قبل الحرب العالمية الثانية ، كانت درسدن تسمى "فلورنسا الألب" وكانت من أجمل مدن العالم من حيث الهندسة المعمارية والمباني والمتاحف التاريخية ، وهناك روايتين لتفسير التدمير الذي حل بهذ المدينة : إحداهما تقول إنه لم تكن مساهمة درسدن في المجهود الحربي كبيرة مقارنة بالمدن الالمانية الأخرى ، بل إنها كانت بعيدة عن جبهات القتال فلجأ إليها العديد من الفارين من تقدم الجيش الروسي في فبراير 1945 ، وكانت دفاعاتها في حدها الأدنى لانشغال معظم القوات في الدفاع عن برلين . بينما تذكر الرواية الأخرى إن المدينة كانت تخفي وراء وجهها البريء ، مصانع للمعدات الحربية والأسلحة .

وبهدف ضرب الاقتصاد وكسر الروح المعنوية للشعب الالماني ودفع القوات إلى الاستسلام السريع ، تعرضت درسدن في الثالث عشر من فبراير في 1945 لهجوم حلفائي كبير (بريطانيا وأمريكا وروسيا) ولمدة ثلاثة أيام ، وبحلول الخامس عشر من فبراير أصبحت درسدن خراب كامل وقتل شامل لم يفرق بين الجنود والمدنيين .

المفارقة هنا أن التحالف استخدم تكتيك حربي يعرف (بالمنطقة أو التشبع ) ، (كان هتلر هو أول من استخدم هذه التكتيكات الحربية – في سبتمبر 1939- عند هجومه على وارسو وروتردام و لندن وكوفنتري) ، حيث تستهدف جميع مناطق العدو وليس الجنود و الذخائر الحربية فقط ، فيتم طمس أجزاء مدنية جنبا إلى جنب مواقع العسكر ، فضربت المدن بأقصى قدر من الفعالية ودمرت بنيران شرسة باستخدام قنابل حارقة . . ومع نهاية الحرب كانت درسدن قد سويت بالأرض . و بالنظر إلى صور درسدن بعد القصف ، يمكن تخيل الأعداد الهائلة للقتلى والتي لم تتفق الروايات علىى حقيقتها حتى وصلت بعض التقديرات إلى خمسمائة ألف ، بينما في عام 2010 أعلنت لجنة تاريخية تقديرها لعدد الضحايا بواقع خمسة وعشرون الفا ويرجح أنه العدد الأصلي الذي أخفاه المسؤلون آنذاك لأسباب سياسية .

يقول كروش : كنت أريد أن أكتب عن ولد يهودي يكون بمثابة الضمير لرجل الماني قليل الذكاء ، وبعد تفكير في أفضل سيناريو لهذه الفكرة قررت أن اختار ألمانيا النازية كمكان . واخترت درسدن لتميزها ، فبعكس المدن الأخرى التي عانت على يد النازيين ، حدثت معاناة هذه المدينة على يد الحلفاء ، هنا أردت أن أضيء على فكره الخير والشر ، فقد جاء تدمير هذه المدينة على يد من يفترض أنهم "الأخيار" في تلك الحرب .


أوسكار كوكوشكا و ألما ماهلر

يعتبر الرسام والأديب النمساوي أوسكار كوكوشكا (1886-1980) أحد الفنانين التعبيريين، والتعبيرية مدرسة في الرسم من أهم سماتها المبالغة في أحجام الأشياء والمبالغة في عنف الألوان ، تنقل الواقع بشكل انفعالي وذاتي . ومن أهم روادها الهولندي فنسنت فإن غوخ (1853-1890) والبلجيكي جميس إينسور (1860-1949) والنرويجي أدوارد مونك (1863-1944) .

وحين سيطر النازيين على ألمانيا رأوا في كل المدارس الفنية الحديثة ومن بينها التعبيرية فناً لا يليق بالألمان واتهموا كل المدارس الفنية الحديثة بأنها يهودية أو أنها مظهر من مظاهر الجنون . صادر النازيون ستمائة وخمسون عملا فنياً من المتاحف الألمانية وجمعوها في معرض عام 1937 أسموه معرض (الفن المنحط أو ا لمنحرف) .

و بيعت بعض اللوحات بعد المعرض لمن يريد الشراء حيث أمل النازيون بأن يحققوا ولو بعض الربح من هذا الفن “المنحط” أما الرسامين فقد نُصِحوا بالتوقف عن الرسم والكثير منهم تم فصله من وظائفه الأكاديمية .

كان من بين لوحات كوكوشكا المعروضة في المعرض النازي لوحة “العاصفة” وهي ربما أثارت سخرية النازيين كثيراً لأنهم رأوا فيها اضطراباً وهلوسة جاهلين إن لهذه اللوحة قصة حب عاصفة .

ولكي نعرف شيئاً من قصة هذه اللوحة دعونا نعود إلى قبل خمسة وعشرون عاماً قبل المعرض النازي ذاك، أي إلى عام 1911، حيث توفي الموسيقي الشهير غوستاف ماهلر (1860-1911) ، تاركاً زوجته الجميلة ألما ماهلر (1879- 1964) أرملة.

التقت ألما صدفة بكوكوشكا في أحد الأيام، وعزفت له على البيانو معزوفة “تريستان وإيزولده” ، التي كان قد ألفها زوجها، وفيما كانت تعزف، خطط كوكوشكا بورتريه لوجهها .

ومن بعد لقاءهما الأول جن العاشقان ببعضهما بعضا واشتهرت قصة هذا العشق . إلا أن علاقتهما كانت مثار استغراب البعض ، فألما ماهلر كانت تكبر كوكوشكا بسبع سنين، وهي من أسره غنية تعودت في حياتها في فيينا على الترف، بينما عانى أوسكار كثيراً من الفقر وغالباً ما كان يسكن في إحياء فقيرة .

رسم كوكوشكا ألما كثيراً ، وكتب لها الكثير من رسائل الحب، وكان غيوراً عليها وهي المعروفة بكثرة العشاق، ثم حدث أن حملت ألما ففرح كوكوشكا ، لكنها أسقطت الطفل بدون علمه الشي الذي أثَر عليه كثيراً .

كان كوكوشكا يتمنى أن ترى ألما فيه رجلها، وكان يتمنى أن تقبل به زوجا لكنها كانت ترفض الزواج ، فعقد العزم على أن يرسم لوحة بعنوان “ترسيتان وإيزولده” ، وتريستان وإيزولدة هي أسطورة عاشقين قديمة استوحاها الكثير من الشعراء والموسيقيين في أعمالهم ومنهم زوج ألما السابق الموسيقي الشهير غوستاف ماهلر وهي نفس المعزوفة التي عزفتها ألما لكوكوشكا يوم لقاءهما الأول ، فكان كوكوشكا بقراره هذا يقول لألما بأنه يريد أن يصير كما كان زوجها السابق غوستاف ماهلر لها .

أثناء الرسم بدأت أفكاره حول اللوحة بالتغير ، فبعد أن كانت التخطيطات الأولية للوحة تصور العاشقين مشتبكي الأيادي ، قرر أثناء الرسم إن لا يترك أياديهما مشتبكة . و رغم أن كوكوشكا كان قد بدا رسم اللوحة مقررا أنه سيرسم “تريستان وإيزولدة” إلا أنه وجد نفسه شيئا فشيئا يرسم نفسه وألما في مشهد عاصف .