أفكار حول الفراغ والعمل



لا أشك في أن الوضع الذي نعيشه اليوم يجبر العديد من البشر -- ممن قُدِّر لهم قسط من الحظ -- على التفكير في الفراغ. وأزعم أن الإنسان عندما يتدبر الفراغ فهو يتدبر أمر نفسه، وعندما يدبِّر الفراغ فهو يدبِّر سكناه الحميمة وأنفس ما يملك.


الشعراء والفنانون والأنبياء، وغيرهم ممن رافقتهم تهمة الغواية، أدركوا هذه الحقيقة منذ زمن، وأدركوا أن رغبة الإنسان الأسمى هي في فردوس التعطّل والكسل. إذن لماذا يبرز الكدح والعمل كميزة عامة لحياة البشر رغم تبدّل الحضارات، ولا سيما في حضارة السوق؟

اشتغل البشر لأغراض شتى. ومنذ ظهور الحضارات الزراعية الأولى حول الرافدين والنيل ووادي السند، راح شغلهم ينتظم بشكل ملحوظ. هذه الحضارات الأولى وكل ما أتى من بعدها تميزت عن أزمنة الإنسان البدائي المتنقّل بإنتاج ما يفيض عن حاجات الحياة الأساسية من مأكل وملبس ومسكن. لكن في حين اشترك الجميع في إنتاج الفائض، فإن قلّة قليلة فقط هي التي استأثرت به. وغدا نمط الاستئثار بالفائض واستهلاكه محدّداً رئيسياً للشكل الحضاري لمجتمع ما. وحتى "نمط الإنتاج" -- أو النظام "الاقتصادي" -- يمكن رؤيته كجزء من منظومة الاستهلاك: استهلاك القدرة البشرية على العمل. لكن المهم في هذه النظرة "الاستهلاكية" للمجتمع بالنسبة لنا اليوم هي أنها تكشف عن أن ما نسميه "الاقتصاد" بالمطلق في العالم الحديث يشير تحديداً إلى نوع واحد جزئي ومحدود من تدبير قدرات وموارد المجتمع ككل، وهو ما يمكن أن نسميه بـ"الاقتصاد الربحي"، أو تدبير طاقات الأرض وما (ومن) عليها من أجل استدرار الأرباح التجارية وما يقتضيه ذلك من تنامٍ مطّرد لـ"قوى الإنتاج". في مقابل الاقتصاد أو التدبير الربحي، ثم أيضاً الاقتصاد أو التدبير الروحي للمجتمع. ويعتمد كل من التدبير المادي والتدبير الروحي بهذا المعنى على الاستهلاك أو هدر الطاقات. فائض الطاقات البشرية المنذور للهدر بشكل أو بآخر هو ما يسميه باتاي بـ"النصيب الملعون"، نصيب الإنسان من فائض الحياة المنذور للفناء.

  • فيليب جورون، "سيادة الشر: جورج باطاي والبراءة الآثمة"، ترجمة ميلود خيزار

  • ابن باجه، تدبير المتوحد (تونس: سراس للنشر، 1994)، "معنى التدبير" ص 5-14.

*

يسعفنا النظر إلى مجتمع ما من زاوية الاستهلاك في ربط منظومته الروحية بالمنظومة المادية. وأقصد بالمنظومة الروحية أشكال الحياة الثقافية، كما نسميها اليوم، من هندسة عمرانية وفنون إلخ. وهي ما كان يسمى بالأمس بمظاهر الحياة الإيمانية، كما تجلّت في المعابد والكنائس والمساجد، وفي الغزوات والفتوحات كتصريفات روحية لفائض الطاقة البشري، أو في الرهبنة كتصريف آخر في أوقات أخرى، ناهيك عن التصريفات المتعلقة بالملك والسلطان من بذخ وهيلمان، وحدائق معلقة وأبراج وأهرامات وقصور، وكل ما يستدعيه ذلك من قوانين سائدة ومؤسسات مساندة. وكل من الحياة الثقافية والدينية مرتبط بغايات الإنسان الكبرى، التي تسمو حكماً على الوجود المادي وعلى شروط التدبير المادي (ناهيك عن الربحي)، المنوط حكماً بحياة الشقاء والكدح والقسر. هذه "الغايات الروحية" لطالما تمثلت لبني البشر كأهداف ترتجى من الحياة في إطار الجماعة. وربما استفدنا من النظر إلى أهداف الحياة في حضارة ما كصور للاستهلاك الروحي.

  • ت. س. إليوت، ملاحظات نحو تعريف الثقافة، ترجمة: شكري عياد (تونس: التنوير، 2014).

  • رايموند وليامز، طرائق الحداثة، ترجمة: فاروق عبد القادر (الكويت: عالم المعرفة، 1999)، "استخدامات النظرية الثقافية" ص 221-239

يشيد برتراند راسل بالإنجازات الحضارية التي ندين بها للترف والكسل والفراغ، وإن امتزج بتلك الإنجازات العديد من مثالب الأنظمة القسرية التي أفرزتها: "كانت هناك طبقة صغيرة مترفة وطبقة كبيرة كادحة.. وكانت الطبقة المترفة تتمتع بامتيازات لا أساس لها من ناحية العدل الاجتماعي. وقد أدى هذا بالضرورة إلى تحويل هذه الطبقة إلى طبقة ظالمة، محدودة في إشفاقها وعطفها، كما أدى إلى اختراع نظريات تبرر بها هذه الطبقة الامتيازات التي تسمتع بها. هذه الحقائق أساءت إساءة بالغة إلى أصالة هذه الطبقة وامتيازاتها ولكننا على الرغم من هذا العيب مدينون إلى هذه الطبقة بكل ما اصطلحنا على تسميته بالحضارة، فقد احتضنت هذه الطبقة الفنون واكتشفت العلوم وكتبت الكتب واخترعت الفلسفات وأقامت علاقات اجتماعية مهذبة … ولولا هذه الطبقة المنعّمة التي يدين لها الفراغ لما خرجت الإنسانية أبداً من غياهب البربرية."

  • برتراند راسل، في مدح الكسل ومقالات أخرى، ترجمة: رمسيس عوض (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009).

فيم تصرّف البشرية فائض قدراتها اليوم؟ نظرياً، لا تصريف، لا استهلاك بالمعنى الفعلي للكلمة، أي إهلاك الشيء وإفنائه، بل نمو وتنامٍ وتكديس حد التشبع، ومن بعد ذلك الانهيار (تارة بذراع المؤشرات المالية وتارة بذراع الحرب)، ثم البداية من جديد على أرضية أكثر بطشاً بالكائن البشري في أكثر أنحاء الأرض. تلك هي دورة الحياة في حضارة السوق. نظرياً، الفائض يُستثمر أو يُرسمل، أي يوجه مرّة أخرى للسوق، يُستهلَك ربحياً ويوظّف لأغراض التجارة. لكن كما يقول باتاي: "لا بد من أن يأتي اليوم الذي يتوقف فيه الاستثمار ويبدأ الإهدار." وربما كان المثال الأشهر لهذا "الإهدار" الضروري هو الحرب، فهي إهلاك وهلاك بالكامل، وهي انفلات عن الرشاد وانتهاك للترشيد الذي يمثله عالم التبادل التجاري، فالحرب لا تنشد التنمية بل الهدم والدمار، وإن كان السوق ينشد الحرب من جهته ولمصالحه الخاصة في أحيان كثيرة.

*

وماذا بعد؟ لعلنا سنعلق بأن الاقتصاد الربحي يحلّ إشكالية الاستهلاك، كونه قائماً على تشجيع استهلاك البضائع. ألا نقول بأن مجتمعاتنا "استهلاكية"؟ لكن البضائع هي ما يشتريه المرء لقاء مبلغ، وفي هذه الحالة فإنه لا يهدر نفيساً. المبلغ ليس أضحية يمنحها الزبون بلا مردود، بل يعود على الزبون بمنفعة ما، وفوق ذلك فإن المبلغ نفسه في أغلب الأحيان مجرد مقابل لعمل ما قام به الزبون، والأنكى أن ما يعود على الزبون مقابل المبلغ لا يعدو في أغلب الأحيان كونه لهواً سلبياً يرتاح به البال ويسلو ريثما يحل يوم العمل التالي. الأساس في الهدر المنشود هو انتهاك مبدأ المنفعة الذي يحرك الاقتصاد الربحي. لذلك يسوق باتاي جملة من الأمثلة من الجنس حتى الموت، ومن العشق حتى الحرب، ومن الأضاحي البشرية إلى أبّهة الكنائس والمنارات والقبب، وشتى ضروب الانتهاك والإسراف فيما بينها كقنوات ممكنة جربتها البشرية في مراحل وأماكن مختلفة لإهدار الفائض. فإهدار الفائض قد يتعلق بإهلاك النفوس البشرية، ولكنه قد يسمو بها إلى التناغم والتجانس المترفع عن التوظيف النفعي، وربما كان ذلك من غايات الأديان والشرائع.

  • جورج باطاي، الإيروسية: تأملات في الشبق والموت وفي جدلية العقل والإسراف، ترجمة: محمد مطيمط (تونس: التنوير، 2017).


مثال آخر ممكن في عالم اليوم، حسب باتاي، هو نموذج "خطة مارشال" التي أقرّتها الولايات المتحدة عام 1948 لإعادة تعمير أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، إذا نظرنا إليها كمنحة لتنمية مجتمعات ما بعد الحرب دون اشتراط مقابل. وسواء كان باتاي محقاً أم مغبوناً بشأن الخطة، فإن قصده من ذكرها هو الإشارة إلى إمكانية تطبيق أنواع من الاستهلاك هي أقرب إلى البذخ التنموي منها إلى العبث التدميري الذي تمثله آلة الحرب، بشرط أن يتوفر الرخاء الكافي (يذكر باتاي أن المبلغ الممنوح وفق خطة مارشال لم يتعد 2% من إجمالي الناتج القومي للولايات المتحدة). فقد مولّت خطة مارشال بناء الطرق والمدارس والمصانع ومدن بأكبرها، وأنعشت الاقتصاد بل كادت تخلقه من فراغ. ولا شك أن الولايات المتحدة جنت أضعاف ما قدمته من المنحة لاحقاً، لا سيما عبر تأسيس حلف شمال الأطلسي "الناتو" عام 1949 والهيمنة على "الغرب" في ظل الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي، الذي يبدأ التأريخ لها مع توقيع خطة مارشال، وما زالت هيمنة الولايات المتحدة العالمية مقرونة بتبعات تلك الخطة. لكن في حين تقديم المنحة كان الأمر أقرب للهدية، ولم تكن بأي شكل مبادلة قائمة على المنطق الربحي ولم تعتمد على آليات السوق.

  • "خطة مارشال لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.. ما هي ملامحها؟"، موقع أرقام.

يمر عيد العمال هذا العام والحكومات العالمية تضطر لإعادة النظر في هياكلها الاقتصادية. لعل جانب من التصدي للمشكلة يكمن في توسعة تصور "الاقتصاد" ليشمل لا مجرد تدبير الإنتاج الربحي ولكن تدبير الاستهلاك غير الربحي في المقام الأول، والإسراف في تنمية القطاعات الحيوية ومنها إلى القطاعات العلمية والثقافية، وتقليل ساعات العمل بدلاً من تقليل الرواتب. فلعلنا -- كما يقول راسل -- "نفكر أكثر مما ينبغي في الإنتاج ونفكر أقل مما ينبغي في الاستهلاك".


0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email