النافذة الخلفيّة ماذا يفعل فوتوغرافي عينه مكسورة؟




احتجاج محلّي، قديم، نقله لي الطبيب أحمد سالم العريض، أوّل الثمانينات: الوجع في عيونه والعلاج في رجوله!! وهو نفي لوجود أي علاقة بين العين والرجل، فلماذا يعالج الطبيب الرِجل بينما موضع الشكوى العين؟!

ذكرت هذا الاحتجاج وأنا أشاهد فيلم المخرج الأمريكي ألفريد هتشكوك القديم، (REAR WINDOW)، ١٩٥٤م: قصة المصوّر الذي كُسرت رجله، جُبّست، بقي مقعداً بجبسه في كرسي متحرّك في شقة بالدور العلوي. ماذا يفعل فوتوغرافي كُسرت رجله؟! كيف يتجوّل بعينيه؟ بكاميرته؟! العين لا تذهب وحدها!! ليس أكيداً. ولأنّ عين المصور لا تقبل أن تغضّ بصرها ولو مؤقتاً، لاذ جيمس ستيوارت الذي يقوم بدور المصّور المكسور بنافذة شقته، يجول بها في الشقق المقابلة له عبر نوافذها.

هذا هو زاد عين المصوّر في محنته: الصور الأكيدة لأحداث محتملة في شقة راقصة الباليه، شقة الفنانة التشكيلية الوحيدة، شقة العروسين الجديدين، شقة العائلة، شقة زوجين يعشقان النوم في الشرفة ولديهم كلب سيقتل لاحقاً، شقة المرأة المكتئبة، الملهى الليلي في الدور الأسفل والمرأة صائدة الرجال، وشقة بائع المجوهرات، الذي سيكون الحدث الأوحد الأبرز في متابعة المصور له. كانت كامرته المجهزة بعدسة كبيرة جوار صحن طعامه دائماً. حذرته ثيلما ريتر في دور مدبرة منزله ومدلكته من أن فعل البصبصة لا يليق به، بسنه، بسمعته، يعاقب عليه القانون. استاءت غريس كيلي في دور حبيبته من أن اهتمامه بالبصبصة أكثر من اهتمامه بها، تحتج عليه في كلّ مرّة وهو دائم الشرود بعينيه عنها في النافذة. الصورة أولاً. لكنّ المرأتين تنضمان إليه بعد أن أقنعهما بأنّ بائع المجوهرات قتل زوجته، مثلما أقنع صديقه المحقق القديم وإن تأخر في تصديق ذلك.

كثّف المصوّر متابعته لشقة بائع المجوهرات، الموضوع الواحد، وجعل مراقبة بقيّة الشقق في الهامش. صار الحدث واحداً، وتصويره لا يتوقّف، يتحاور فيه مع المرأتين، يذهب بهما للتفاصيل الصغيرة: خاتم الزوجة! يستفيد من حسّهما في تتبع سلوك زوجة بائع المجوهرات: المرأة لا تضع ذهبها في حقيبة اليد! يطلب منهما النظر عبر الكاميرا للشقة الضحية والمقارنة بين المشاهد في الماضي والآن، عبر سلايدات صور الأسابيع الفائتة لها! صارت الكاميرا فعل جماعيّ، التصوير مشاركة في حالة الخلل المؤقت (كسر الرِجل)، والصورة مهمّة في كشف القاتل، وفي أيّ كشف حتى لو قامت الكاميرا بفعل المراقبة، العدوانيّة، أو البداءة والشذوذ كما وصفته المصورة الأمريكية دايان آربوس.

تنكسر رِجل المصوّر، فخده، يده، إلا عينيه لا تنكسر!! إذا حدث ذلك، يغيب عنها معنى العين، ولا معنى لاسمها. عندها فقط تنقطع علاقة العين بالرِجل تماماً!! العين المكسورة ليست التي لا تصوّر، لكنّها التي فقدت شغفها، عين كسولة، يبست على صور نمطيّة. العين المكسورة صورها مكسورة! صور تشبه شيئا واحداً فقط: المصور نفسه.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email