النسوية والحب السري في حياة زعيم الثورة الروسية


في عام 2017م صدرت عن دار نينوي للدراسات والنشر والتوزيع "رواية" بعنوان (عشقٌ سرّي؛ حكاية إينيسّا ولينين). هذه الرواية تكشف فيها عن العلاقة العاطفية "السرية" بين زعيم الثورة البلشفية الاشتراكية الروسية فلاديمير إيليتش لينين وإحدى النساء "البرجوازيات" الفرنسيات. وأعتقد بأن مؤلفة "الرواية" الكاتبة والصحفية اليسارية الإيطالية، ريتانّا أرميني، قد تعمدت وصف كتابها بالرواية، لتتمكن من الانطلاق بخيالها في السرد القصصي، وبالتالي تضيف ما تؤمن به من وجود تلك العلاقة العاطفية السرية بين لينين وإينيسا في ظل وجود جدل واختلاف ووجهات نظر كثيرة حول مدى دقة وصحة وجود هذه العلاقة من عدمها. فقيادات الحزب الشيوعي السوفيتي- وحتى هذه اللحظة وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي- كانوا يعتبرون العلاقة بين لينين وإينيسا هي علاقة نضالية وحزبية ورفاقية حميمية، وأن محاولة ربط هذه العلاقة بالعاطفة والعشق والحب السري بينهما هدفها تشويه سمعة زعيم وقائد الثورة الروسية.

إن المُطّلع على أهم محطات حياة لينين أثناء تواجده في المنفى بأوربا- وخاصة في فرنسا وألمانيا- في السنوات ما قبل الثورة الروسية التي اندلعت عام 1917، وكذلك في السنوات الأولى بعد انتصار الثورة، فإنه دون تردد يقتنع بأن هذه "الرواية" ما هي إلّا سيرة تاريخية توثيقية لتفاصيل الأحداث وبعض الوقائع المؤكدة والعلاقات النضالية والرفاقية والاجتماعية والعاطفية التي كانت موجودة بين كثرة من المنفيين الروس، وخاصة البلاشفة الثوريين الذين عاشوا وناضلوا في الدول الأوربية، ومنهم لينين وزوجته ناديا وإينيسا الفرنسية التي آمنت بأفكار البلاشفة الروس، خاصة وأنها عاشت وترعرعت في روسيا مع أقاربها وتزوجت من برجوازي روسي، صاحب مصانع الغزل والنسيج ومالك لأراض زراعية وقصور.

رؤية مترجمة الرواية:

الشاعرة والكاتبة المغربية الدكتورة أسماء غريب، التي ترجمت هذه الرواية إلى اللغة العربية، قدّمت رؤيتها المنسجمة مع رؤية مؤلفة الرواية. حيث ترى بأن أحد أهم أهداف كشف هذه العلاقة الغرامية بين لينين وإينيسا هو إبراز الحقيقة لكيفية تعامل لينين كرجل وكسلطة ذكورية مع امرأة تحبه خارج إطار مؤسسة الزواج، بل تؤكد المترجمة بأن لينين كان لديه أكثر من عشيقة، دون أن توضح وتثبت ذلك. وأن الكشف عن هذه العلاقة سوف يساعد الدارسين على إجراء مقاربة بين الماضي والحاضر بشأن تحديد موقع المرأة من العمل السياسي، سواء في روسيا أو غيرها من دول العالم. وأن إينيسا تُجسِّد البذرة التي تبرعم منها ما يسمى اليوم "بالفكر النسوي" وفكرة "الجندرة"، وهي التي ساهمت مع مناضلات أخريات في اعتبار الثامن من مارس يوماً عالمياً للمرأة. ورغم ذلك عانت من تهميش التاريخ الرسمي والسلطوي السوفيتي لها. وقد تحمّست المترجمة كثيراً في ترجمة هذه "الرواية" لأنها تحاول رد الاعتبار إليها. وتضيف ملاحظة مهمة والتي أتفِق معها، فبالرغم من الزمن الذي يفصلنا عن الثورة الروسية، إلّا أن الزمن لم يتغير تجاه النظرة للمرأة في العمل السياسي، فما زالت معظم الأحزاب الشيوعية واليسارية والقومية التي تنادي بمساواة الجنسين، إلا أن المرأة السياسية فيها مهمشة وأدوارها ثانوية وشكلانية- عدا قلة من هذه الأحزاب-. ولقد كشفت الرواية كل ذلك، بل كشفت بأن أعضاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (قبل قيام لينين بتشكيل الحزب البلشيفي من الكوادر الثورية في هذا الحزب) كانوا ينظرون بحيطة وحذر وشك إلى الحركة النسائية ودعوات "الجندرة"، وكانوا يفضّلون ابتعاد عضوات الحزب عن هذه الحركة النسوية، لأنهم كانوا يخشون أن تتأثر نساؤهم بفكرة "النسويات" البرجوازيات، وتكون النتيجة ابتعادهن عن أساسيات الصراع الطبقي. وتستعرض الرواية هذه النظرة الذكورية بشيء من التفصيل. وكانت إينيسا ،كلما تقرر ولأكثر من مرة، وضع موضوعة عمل المرأة السياسي في الحزب ضمن اهتمامات الحزب البلشيفي، كان الرفض هو سيد الموقف، ليس فقط من أعضاء الحزب فحسب، بل حتى من زعيمهم لينين نفسه-على الأقل قبل انتصار الثورة الروسية-.

شلّال الحب عند لينين يجب مقاومته:


الحب بالنسبة للينين ضعف إذا ما أصاب إنساناً أتى عليه كاملاً، لذا فهو أمر لا يليق برجل مثله، وما زال أمامه الشيء الكثير حتى تتحقق أهداف الثورة، وبالتالي فكل من يترك نفسه لشلال الحب يجرفه حيثما يشاء. هكذا كان يقول لينين لزوجته ناديا. بل حتى مجرد الهوايات البسيطة كلعبة الشطرنج التي كان يحبها كثيراً، وكذا التزلج على الجليد تخلى عنها لأنه كان يرى فيها عائقاً سيحول دون تحقيقه لأهدافه التي تستوجب فكراً يقضاً وثاقباً لا تشغله العواطف. فالشطرنج تسلب الإنسان نفسه، وتضيع الكثير من وقته ويبعده عن كل ما له علاقة بالثورة، وكذلك التزلج الذي كان يرهقه جسدياً ويجلب له النعاس، وبالتالي يضيع عليه فرصة الدراسة والبحث، هكذا روت زوجة لينين لإينيسا.

إن هذا الموقف من الحب قد تكشف أكثر من مرة في سياق العلاقة بين لينين وإينيسا ضمن أحداث الرواية. فعندما قرر لينين قطع العلاقة العاطفية مع إينيسا، أصبح قاسياً معها، يعطيها الأوامر الحزبية وينتقدها، بل وفي الكثير من مراسلاته معها يجرح مشاعرها ويصدر عنه كلام بطريقة غير مهذبة!. فما الذي جعلها تتحمل أوامر لينين هذه في المنفى وقسوته، وهي التي لم تركع للبوليس السري القيصري أثناء اعتقالها أكثر من مرة؟ بل ما الذي يجعل امرأة مستقلة وحرة تقبل على نفسها هذا النوع من التبعية؟. الرواية لا تتعمق في البحث عن الأجوبة على هذه الاسئلة، بل فقط تقدم التبرير الحزبي المعروف، الالتزام الثوري "الأعمى" وطاعة الأوامر الحزبية، أي "نَفِذ ثم ناقش"، ولأنها ما زالت تحب هذا الزعيم وتحلم بعودته إلى أحضانها. ومع ذلك وأمام استمرار هذا السلوك من قبل لينين، بدأت إينيسا أخيراً تتمرد على أوامره، وتعتذر عن تنفيذها تحت حجج الإنشغال ورعاية أبنائها مثلاً، وأخذت تنفذ فقط ما تحب منها، وما لها ارتباط باهتماماتها. لذلك انخرطت في مشروع ثقافي ونضالي جديد، وأسست مع مجموعة من النساء البلشفيات مجلة "رابوتنيكا" أي المرأة العاملة، وكانت زوجة لينين، ناديا كروبسكايا، إحدى المشاركات في هذا المشروع أيضاً.

لينين يهاجم تأسيس المجلة:

ضمن نظرته البلشفية الثورية، كان لينين يرى بأن على الجميع- نساءً ورجالاً- أن يركزوا نضالهم وجهودهم لقضية إنجاح الثورة الاشتراكية في روسيا وأوربا ضمن تأجيج الصراع الطبقي، وعدم هدر جهودهم في مجالات ليست مهمة مرحلياً، كالدفاع عن حياة العاهرات والحرية الجنسية وغيرهما، لذلك كان يهاجم جهود المناضلات البلشفيات اللاتي أسسن مجلة المرأة العاملة، واعتبر ذلك تضييعاً للوقت والجهد، ووصل في انتقاداته القاسية لإينيسا إلى درجة قررت إشعاره بشكل غير مباشر بأنها لم تعد تلك المرأة التي تنفذ أوامره، فقد تغيرت مشاعرها وعواطفها أمام هكذا انتقادات، ولكن في سياق الرواية تتكشف المشاعر الرقيقة عند لينين، فكلما ازدادت إينيسا في إهمالها الرد على الخطابات القاسية للينين، كلما تراجع الأخير عن هجومه وانتقاداته وقَدَّمَ اعتذاراته لها وأصبح رقيقاً معها، وكأنه رغم قرار قطع العلاقة العاطفية معها ما يزال في أعماقه منجذباً لحبه لها!.

كولنتاي وروايتها عن علاقة لينين وإينيسا:


ألكسندرا كولنتاي مناضلة شيوعية معروفة، وكانت إحدى القيادات التاريخية في الحزب الاشتراكي الروسي، وهي من الرائدات اللاتي أسسن نواة مباديء الحركات النسوية، ولديها العديد من الإصدارات حول المرأة العاملة وحقوقها وحريتها ومتطلبات استقلاليتها في المجتمع الاشتراكي. وحسبما ورد في هذه الرواية، كانت كولنتاي قريبة جداً من أسرة لينين، وصديقة حميمية مع زوجته ناديا وكذلك مع إينيسا. وقد استلهمت قصة الحب والانفصال بين لينين وإينيسا في روايتها (حب كبير) التي نشرتها عام 1927م-أي بعد وفاة لينين بثلاث سنوات- فرغم تغيير التفاصيل والأسماء في روايتها، إلّا أن الأحداث والتشابه الكبير بين بطلي الرواية وبين إينيسا ولينين، وهي التي تؤكد أن كولنتاي لم تكن تتحدث في روايتها هذه سوى عن زعيم الثورة وحبيبته بشكل لا مجال فيه للشك والجدال. فهناك علاقة حب وعشق بين الطرفين، تترافق معها مهمات نضالية وحزبية، ثم قرار الانفصال وجفاء العلاقة والقسوة الذكورية وغيرها من المحطات الشبيهة بالمحطات الحياتية التي مرت فيها إينيسا مع لينين.

إينيسا بين الحضور والغياب في حياة لينين:


هناك كثرة من الأحداث التاريخية التي مرت فيها إينيسا ولينين معاً، ولكن كانت الرقابة البلشفية تمنع كشفها، ومنها وجودها مع لينين وزوجته في القطار الألماني الذي انطلق نحو بطرسبورغ الروسية، ليخرج بعده لينين مخاطباً الجماهير التي تجمعت في المحطة لاستقباله كزعيم وقائد للثورة التي أطاحت بالقيصر. فحسب الوقائع التاريخية المثبتة بأنه قد جرى اتفاق بين لينين والحكومة الألمانية أثناء الحرب العالمية الأولى والتي كانت تستنزف روسيا القيصرية وألمانيا العدوة ضد روسيا، استنزاف في ملايين الأرواح والثروات، لكن ورغم هذه العداوة والحرب بين البلدين إلّا أن ألمانيا قررت دعم الثورة البلشفية لإسقاط الحكم القيصري مقابل عقد اتفاق سلام بين البلدين بعد سيطرة الثوار على مقاليد الحكم في روسيا. وتستعرض الرواية تفاصيل الرحلة الطويلة والمرهقة في قطار "دبلوماسي" محميّ من جنود ألمان وفيه لينين وزوجته وإينيسا ومجموعة قليلة من رفاقه البلاشفة، بعد أن رفض المناشفة المنفيون السفر معهم. وتكشف الرواية "الصفقة" السرية لضمان وصول لينين إلى الأراضي الروسية، وهذا ما حصل واقعياً حيث أدى لاحقاً إلى عقد اتفاق سلام بين البلدين، وهذا ما تم كشفه عام 1924 ضمن الأرشيف السري. ورغم ذلك، فإن إينيسا المناضلة ورفيقة درب لينين في هذه الرحلة المصيرية والخطيرة والتاريخية والمفصلية في مصير الثورة الروسية، وبعد استقرار الثورة نسبياً، لم يتم أي إشارة لاسم إينيسا نهائياً كواحدة من اللاتي كن مع لينين في هذا القطار. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي تم الكشف عن الوثائق السرية للحزب الشيوعي السوفيتي والتي أشارت إلى تلك التفاصيل والأحداث والأسماء، بما فيهم اسم إينيسا.


العلبة السرية تكشف العلاقة العشقية:


الرواية تشير إلى أن لينين ومع اقتراب الثورة ودعواته لاستغلال الحرب لتأجيج الصراع الطبقي ضد القيصر، ومع المزيد من مراقبة البوليس السري القيصري لتحركاته، ومن أجل حماية سمعة الثورة وقياداتها، طلب من إينيسا أن ترسل له جميع خطاباته الغرامية حتى لا تتسرب هذه العلاقة للبوليس السري، وبالفعل جمعت إينيسا كل مراسلات لينين لها وأرسلتها له، ولذلك اختفت كل المستندات الرسمية بخط يد لينين التي تثبت وجود تلك العلاقة العشقية السرية. لكن وفي السنوات الأخيرة من انهيار الاتحاد السوفيتي، وفي فترة حكم الرئيس بوريس يلتسين بعد إسقاط الرئيس غوربتشوف، فقد سمح يلتسين للباحثين دخول مكان أرشيف الحزب الشيوعي السوفيتي ومكتبته الضخمة وذلك عام 1992، ولم تكن آنذاك قد مرت سوى بضعة شهور من إنزال العلم السوفيتي وتفكيك الاتحاد السوفيتي إلى جمهوريات. ومن ضمن هذا الأرشيف، وُجِدَ الأرشيف الخاص لقائد الثورة فلاديمير لينين، حيث تم اكتشاف رسالة لم يسبق لأحد أن اطلع عليها أبداً، لأنها كانت مخفية في علبة مغلقة. هذه الرسالة بخط إينيسا سلمتها لابنتها لتحتفظ بها لغاية ما ترجع من إحدى سفراتها الحزبية السرية، وإذا لم تتمكن من الرجوع فعلى الإبنة توصيل الظرف المسجل عليه (إلى ف.إ) أي "فلاديمير إيلتش" إلى أخت لينين. وتكشف الرواية محتوى هذه الرسالة بالكامل، وهي رسالة حب وعشق وحنين للماضي الجميل بينهما وتذكير بلحظات الخلوات والقبلات، كتبتها إينيسا أرماند للينين في كانون الثاني من عام 1914، رسالة تظهر للجميع محاولات النظام ورجال التاريخ السوفيتي إخفاءها وإنكارها بالكامل للعلاقة العاطفية التي كانت تجمع بين مؤسس الاتحاد السوفيتي والمرأة إينيسا.

أما كيف وصلت هذه الرسالة إلى الأرشيف، خاصة أن إينيسا رجعت من سفرتها السرية، وعادة كانت تمزق مثل هذه الخطابات التي كانت تكتبها وتحتفظ بها ابنتها كاحتياط لغاية رجوعها، فإن الرواية لم تتطرق إلى كل ذلك، كما لا توجد أي إشارة في الأرشيف السري للينين حول أسباب الاحتفاظ بهذه الرسالة فقط من بين عشرات الرسائل المتبادلة بينهما.


إينيسا تتألق من جديد بعد انتصار الثورة:

<