كورونا قال لي .. اسم الرواية ورواية الإسم




إن في اسم فيروس كورونا المستجد Novel Corona Virus وبالتحديد في كلمة Novel ما يذكرنا بالجدل حول أصل فن (الرواية) في العالم العربي.


لقد شغل العرب أولا حول من هو كاتب أول رواية عربية ثم ما أصل هذا الفن وما جذوره وهل هو محض تقليد للغرب، أم أن له اصل في فن المقامة وفي قصص العرب القديمة؟.

ويمكن القول إن هناك ثلاثة اتجاهات رئيسية في هذا الصدد، أحدها يرى أن هذا الفن قد وجد سابقا في الخطاب السردي العربي في التاريخ و في الحكاية وليس هو مستجدا Novel بينما يرى الاتجاه المقابل أنه جاء مع الانفتاح على الغرب أو انفتاح الغرب علينا من خلال الاستعمار خاصة الحملة الفرنسية ١٧٩٨م والتواصل الثقاقي مع الغرب. وفي اتجاه ثالث يتبناه بعض منظري الرواية مثل سعيد يقطين يرى ان الرواية فن حديث ليس له أصل مطابق في التراث ولا هو أيضا تقليد للغرب ولا من نتائج الاستعمار مستدلا مثلا بأن الجزائر استعمرت من الفرنسيين قبل مصر لكن الرواية ظهرت في مصر قبل الجزائر ويرد ظهورها إذن لما يسميه بالوسائط الجماهيرية الجديدة وعلى رأسها الصحافة.


غير أن ما ساحاول هنا ربطه بفيروس كورونا المستجد هو فقط كلمة Novel اي (رواية) في الانجليزية وهي تعني أيضا مستجد والتي يلفتنا فيروس كورونا إليها.


نحن في الاسم العربي منذ النطق بالكلمة (رواية) نبني على سابق.


فكلمة رواية تعود بنا فورا إلى الوراء بعيدا إلى ما قبل الإسلام ثم الى مرحلة صدر الإسلام وما تلاها بكل حمولاتها كتعبير عن النقل الشفاهي الديني والسياسي والأدبي من فم إلى آخر في شجرة عنعنة تمتد إلى مئات من السنين.


صحيح، ربما كما يقول سعيد يقطين أنه في بدايات القرن العشرين ظهرت في المطبوعات الأدبية كتابات نقدية جديدة تعالج السرد نقديا واتخذت اسم (رواية)،


لكن يظل الأسم مجردا من مسماه المعاصر ، يوحي لوحده بالقدم والعراقة والنقل، ويشكل بمجرد النطق به عبئا فهو تعبير عما يروى وكل ما يروى بالطبع يحيل بداهة على أصل أقدم و هذا الأصل بدوره يحيل على أصل أكثر قدما فنحن لا نروي جديدا ولا مستجدا بل نروي ما روي لنا.


وعلى سبيل التذكر الشخصي أشير إلى ما كشفت عنه في أكثر من لقاء، وهو أنني في يفاعتي لم أعرف شيئا يحمل اسم رواية إلا تلك الكتب التي بمكتبة والدتي رحمها الله، وكانت كتبا تفتح بالطول تسمى روايات وأحدها رواية، مليئة بسرد القصص الديني - الحسيني خاصة - والمفارقة المهمة هنا أن معظم وربما كل مؤلفيها كن نساء.


فيما بعد سوف ألاحظ لكن دون أن اربط أن الناقد عبد الله الغذامي في كتابه النقد الثقافي قد كشف عن بنية الفحولة في الثقافة العربية في الشعر اساسا دون السرد، كما سوف اقرأ سعيد يقطين في كتابه (قضايا الرواية العربية المعاصرة) وقد كشف عن أن السرد كان أساسا بنية معارضة للسلطة السياسية والثقافية في التاريخ العربي اكثر من الشعر الذي كان ينتقل من ربقة سلطان إلى آخر.


اما بالمقابل كلمة Novel مستجد في جذرها اللاتيني ثم في اللغات الأوروبية اللاتينية والإنجليزية فهي مرتبطة بالجديد الطاريء الذي لا سابق له.


رب قائل أن الإسم مجرد اعتباط والمعول اساسا على المسمى، لكن في لغة مثل العربية، ارتبطت اصلا بالإسم قبل الفعل فجعلت الإسم من السمو والرفعة والمسمى يفخر باسمه وجعلت بالمقابل الفعل في مرتبة أدنى والمفعول به منحطا، فهل ثمة في لغة كهذه مفر من أن يحاصرنا طوفان اسم (الرواية) بعمقه الضارب في تاريخ النقل، حتى ولو أن المدلول الفني المعاصر يحيل إلى أول عمل روائي عربي هو (زينب) لمحمد حسين هيكل كرائد الرواية العربية، بل حتى لو إلى من هو أقدم منه بنصف قرن وأبكر ريادة، ألا وهو اللبناني خليل أفندي الخوري بروايته (وي .. لست بافرنجي)، كما يقول محمد سيد عبد التواب في كتابه بواكير الرواية العربية؟؟.


ترى ألهذا الوعي المستلب بمقولة الْقَبْلِيَّة (بتسكين الباء) وهي أن كل شيء كان قَبْلَاً، لا مستجدا، وأن كورونا قد ورد في كتاب فلان وفلان و ألا مستجد هناك، دور في تعاملنا مع الوباء بوصفه نبؤة حتمية وردت في

"روايات" الأقدمين او مؤامرة معروفة سلفا ولا حيلة لنا إزاءها؟

ربما، ولكن هذا موضوع آخر.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email