أحوال ما قبل النظرية


تصلنا النظرية أخيرا كما تصلنا النبوة في ختامها. فنحن قلما نكترث بما كان قبلها من أحوال. نحن ننظر للنظرية وقد اكتملت في خلاصاتها الأخيرة وكأنها هي التأسيس. لكن ثمة تلك الإشراقات التي تسبق الفتح.

قلما نلتفت إلى تلك الإرهاصات. (الإرهاص: الأمر الخارق للعادة، يظهر للنبي قبل بعثته - القاموس). في سيرته يقول ابن إسحاق: "كان صلى الله عليه وسلم يعتكف كل عام في غار حراء قبل بعثته".


أما ما رأيناه نحن وسمعناه هو فقط ما بعد النبوة.

هناك ما يسميه مخرجو المسلسلات والأفلام اليوم (شيء ما شفتوه).

وهو ما يعرضونه لنا بعد الحلقة الأخيرة.

كذاك نشر غارسيا ماركيز كتابه (نعيشها لنرويها) قبل موته، ليرينا (شيء ما شفناه) صنع منه رواياته.


و يعود الناقد المجري جورج لوكاش في عام ١٩٦٩ ليكتب مقدمة لكتابه (نظرية الرواية) والذي كان قد صدر اصلا في عام ١٩١٤، قبيل تحوله إلى أن يصبح ماركسيا لينينيا، يعود لوكاش لكتابه هذا بعد 55 سنة ليكشف أنه وضع تلك النظرية آنذاك في مهب نقاشات محتدمة وقت اندلاع الحرب العالمية الأولى بين المثقفين الأوروبيين، حيث بدا أن التحيزات القومية والوطنية تجعلهم يقفون مع حكوماتهم بدلا من الوقوف مع ضمائرهم كمثقفين تقدميين ضد فكرة الحرب في حد ذاتها.


يقول لوكاش: "كنت مرعوبا حقا من احتمال انتصار ألمانيا". أما نحن حين قرأنا نظرية الرواية فيما بعد، إلى أي حد شغلنا هذا الجدل السابق على النظرية والممهد لها.


وبالمثل حين قال رولان بارت بنظرية (موت المؤلف) في ١٩٦٧، وهو لم يكن أول من نادى بها كفكرة، لكنه وضعها كمقولة خاصة وأطلق عليها عنوانا The death of Author ، كان بارت يتلاعب صوتيا بعنوان قصة قصيرة صدرت في القرن الخامس عشر بعنوان The death of Arthur (موت آرثر)، متخذا منه إيقاعا يحدث نفس الرنين الصوتي خاصة في الانجليزية. تماما مثلما تلاعب ابن رشد صوتيا بعنوان الغزالي (تهافت الفلاسفة) فكتب (تهافت التهافت). رنين لم يشغلنا ابدا ونحن نتلقى (موت المؤلف).


وحين وضع د.علوي الهاشمي في ١٩٧٣ نظريته في التجربة الشعرية البحرينية (ما قالته النخلة للبحر)، ألم يكن على خلفية الوطنية التقدمية مع نشوء الدولة الحديثة؟ و في خضم السعي إلى تأسيس ذاكرة جديدة تقطع مع التكوين التشطيري وفكرة الطوائف وتوظف الطبيعة جماليا لخدمة الفكرة الوطنية الجامعة سياسيا وثقافيا؟


ولكن ما نصيب ذلك من تفكيرنا ونحن نقارب النظرية المنهجية فيما بعد؟


تلك "الإكراهات" و "الالتماعات" إن صح التعبير، ما نصيبها من كعكعة العلم النظري المجرد؟


وعودة إذن إلى رولان بارت، هل لنا أن نضحك ونحن نسأل: هل مات مؤلف نظرية موت المؤلف؟؟

أم تراه حاضرا في تاليفها؟ و في اقتباسه عنوان أسطورة من عصر النهضة ليمارس فيه إبدالا لطيفا ثم يجعله ترويسة لمقولته في عصر الحداثة؟

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email