كونديرا، المحاصر في عالم مسيّس


كتابة : إيفون جرينيه


يقول ميلان كونديرا: "إذا كان يتعيّن عليّ أن أعرّف نفسي، فسوف أقول إنني باحث عن اللذّة، محاصر في عالم مسيّس حتى الحد الأقصى".

بالنسبة لكونديرا، بوسع الروائي أن يستنطق السياسة من الخارج، من الموضع الأعلى للفن والرواية. بإمكانه أن يوفّر ملاحظات واضحة وشفافة عن السياسة في الوقت الذي يقاوم إغواءات المشاركة في الانفعالات السياسية والأيديولوجيات السياسية.

بخلاف العديد من مثقفي جيله، يتجنب كونديرا فكرة المسؤولية للكاتب، ويختار بدلاً من ذلك مسؤولية الروائي الجمالية لاعتناق ونقل تقليد أدبي معيّن. إن كونديرا يعتبر النظر إلى عمله الأدبي بوصفه "رواية سياسية" أمراً مهيناً. في كتابه "الوصايا المغدورة" يقول: "كنت دائماً أبغض بعنف وبعمق أولئك الذين يبحثون عن وضع (سياسي، فلسفي، ديني، أو أياً كان) في العمل الفني، مفضلين ذلك على البحث في العمل في محاولة للمعرفة، للفهم، للإمساك بهذا المظهر أو ذاك من الواقع".

مقالاته عن مهمة ورسالة الرواية تبدو مكتوبة للدفاع عن الرواية وما تمثّله (الثقافة، الحضارة، الحكمة، الاستقلال) ضد ما يراه بوصفه عالم الأيديولوجيا المختزل. مع ذلك، نجد أن كتابات كونديرا عن رسالة الرواية مليئة بملاحظات وتعليقات عن السياسة مثيرة للاهتمام وتتسم بنفاذ البصيرة. العديد من رواياته يمكن تأويلها، بسهولة ومن غير جهد، كروايات سياسية.

المعالجة السياسية، عند كونديرا، يتعذّر فصلها عن البيئة التي نشأ فيها، تحديداً عالم الشيوعية في المرحلة السوفيتية. على هذه البيئة تفتح روايات كونديرا نوافذها الفذّة، مطلّة على تعقيدات الحياة من خلال رؤية ساخرة، تهكمية. إن رواياته، في بعض جوانبها، وثائق أدبية مميزة ومهمة عن فترة تاريخية حاسمة.

النتيجة أن أعماله الكاملة، التي تتضمن توتراً بين نيّة المؤلف ومغزى النص، تسبب غموضاً مثمراً ومحفزاً لعلماء الاجتماع ونقاد الأدب معاً.

بالنسبة لكونديرا، ليست الغاية عزل الرواية (والفن عموماً) عن السياسة كلياً. الخيال الأدبي ليس – كما علّق ذات مرّة عند حديثه عن كافكا – "تهرباً شبيهاً بالحلم أو ذاتية صرفة، بل بالأحرى وسيلة لاختراق الحياة الواقعية، لكشف القناع عنها، لمفاجأتها".

وعندما يقول "الحياة الواقعية" فإنه يعني التجربة الإنسانية ككل، بما فيها السياسة. في الواقع، السياسة تستحق أن تكون مخترقة ومكشوف القناع عنها بما أنها الحقل الذي فيه تزدهر الأيديولوجيا المختزلة والدعاية (البروباغندا). الرواية (وهذا ينطبق على الأدب والفن بصورة عامة) ينبغي أن تقوم باختراق السياسة وكشف القناع عنها. ولا ينبغي أن تكون الرواية مخترقة ومتلاعب بها كما هو الحال مع الكثير من "الفن السياسي" في شكله التعليمي المواعظي. الروائي يتحدث عن السياسة لكن من موضع أعلى من السياسة، ذلك الذي لا يخفق أبداً في تطويق السياسة ببيئته الثقافية الأكثر رحابة والحافلة أكثر بالمعنى.

إنه يرى إلى الرواية بوصفها متنافرة على نحو جوهري مع الفاشية، خصوصاً في شكلها الأكثر تطرفاً: الشمولية (التوتاليتارية). وهو يرى أن الشمولية تقدّم كل الأجوبة سلفاً، وتحول دون طرح الأسئلة. بالنتيجة، فإن الخصم الحقيقي للنظام الشمولي هو الشخص الذي يطرح الأسئلة.. وهذا الشخص هو الروائي، الكاتب، الفنان.. وذلك لأنهم لا يتوقون إلى الأجوبة النهائية.

لكن ما هو مثير للاهتمام، أن التنافر بين الرواية والشمولية ليس سياسياً بالمعنى الضيق (القائم على الصراع بين النور والظلام) حيث يكون المرء مصيباً سياسياً والآخر مخطئاً. التناقض هو، كما عبّر عنه كونديرا في كتابه "فن الرواية"، وجودي أكثر مما هو أيديولوجي.

يقول: "إن التنافر بين الرواية والعالم الشمولي أعمق من التنافر الذي يفصل المنشق عن الموالي، أو الناشط في حقوق الإنسان عن ممارس التعذيب، لأنه ليس سياسياً أو أخلاقياً فحسب بل هو وجودي. بهذا أنا أعني: العالم ذو الحقيقة الواحدة، وعالم الرواية الغامض النسبي، تمّت صياغتهما من مواد مختلفة تماماً. الحقيقة الشمولية تقصي النسبية والشك والمساءلة. هي لا يمكن أبداً أن تتكيف مع ما أسميه روح الرواية".

من الجليّ أن وجهة نظر كونديرا بشأن رسالة الفن هي نقيض وجهات النظر التي ترى إلى الرواية أو الأشكال الفنية بشكل عام بوصفها نقطة انطلاق للرسائل.

إن تحرّر كونديرا من وهْم السياسة هو متعدّد الأوجه. بالنسبة له، السياسة مزدوجة وقائمة على الصراع بين النور والظلام. ويبدو أنها تفضي على نحو طبيعي إلى التعصب، والتحقيق التعسفي، والعقيدة. السياسة تنتمي إلى عالم القوى المختزلة في تباين حاد مع الإبداع التخيلي وانفتاح الفن. بالتالي، "إذا الرواية (أو الشعر، أو الفيلم) هي مضمون في شكل ما، فإنها لن تكون أكثر من رسالة أيديولوجية متقنّعة: خصيصتها الجمالية تنهار. القراءة الأيديولوجية للرواية هي تبسيطية، مسطحة، مخدرة كما هو الاختزال الأيديولوجي للواقع نفسه".


الرواية، حسب كونديرا، "لا تمتحن الواقع بل الوجود". على هذا يعني "عالم الاحتمالات الإنسانية، كل ما يمكن أن يصبح عليه الإنسان، كل ما هو مؤهل له".. والسياسة هي بوضوح جزء من عالم الاحتمالات تلك. السياسة، الأيديولوجيا، العقيدة، التضليل وخداع الذات، تنتمي إلى احتمالات الحياة ذاتها. وبالفعل هي، في حد ذاتها، مادة ممتازة للروائي. لا ينبغي للفن أن يأوي إلى برج عاجي، منفصلاً عن الواقع.

بالأحرى، "إذا المرء يلح على خصوصية الفن، فإن هذا لا يعني التماس عذر للتهرّب من الواقع، على العكس، إنه يعبّر عن رغبة في رؤية شجرة داخل الشجرة، رؤية صورة داخل الصورة. إنه يمثّل مقاومة ضد كل القوى الاختزالية التي تشوّه الكائن الإنساني والفن معاً".


لغة الفن ليست مختلفة عن لغة السياسة فحسب: إنها أكثر إنسانية على نحو حميمي وواسع الإدراك. عندما يناقش كونديرا الأيديولوجيا، سواء على نحو مباشر ككاتب مقالة أو حرفياً من خلال إحدى شخصياته، فإنه يدحض تعريف الأيديولوجيا كمجموعة ملتحمة، مترابطة منطقياً، عقلانية، من الأوضاع والمواقف. الأيديولوجيات لها عواقب درامية، بل حتى تراجيدية، لكن كبنى فكرية، هي تظل خفيفة وواهية، ستائر دخانية لحجب البحث الفج عن السلطة، الأمن، والإيفاء العاطفي.

الأفكار بشكل عام، والأفكار السياسية بشكل خاص، هي بنى مشتركة تبدو خفيفة على نحو لا يطاق عند استنطاقها من منظور التجربة الحياتية للفرد.

هنا كونديرا لا يطري غياب الأفكار أو الفقر الثقافي، رغم أن موقفه المضاد للسياسي قد يثير هذا النوع من التأويل. التأويل اليقظ أكثر يوحي بأن السياسة والأفكار السياسية تشغل، بالنسبة لكونديرا، وفي أحسن الأحوال، دوراً ثانوياً في الحياة، على الأقل من منظور الروائي (والذي هو ليس مجرد أي منظور). الميل إلى التأمل الثري يسمح للمرء بأن يرى السياسة من الخارج وكما تبدو عليه: نظرة اختزالية وفقيرة على التجربة الإنسانية.

الأفكار السياسية متغيرة اللون بفعل الاستعمال وسوء الاستعمال، وبالنسبة لكونديرا، وعلى نحو مدهش، قلة منها هي قيد التداول. في سوق الأفكار المستلَمة، الناس يلتقطون ويختارون الأفكار التي تناسبهم وترضيهم، عادةً بطريقة توفيقية ومتقلبة. إنهم يضللون أنفسهم بالتفكير أن اختيارهم هو حقاً اختيارهم الشخصي بينما في الحقيقة هم مجرد تابعين لاتجاهات راسخة بقوة. علاوة على ذلك، الأفكار السياسية قيد التداول ليست أكثر من انعكاس باهت لأنفسهم. هذا ناشئ عن الطرق السطحية، الحمقاء، التي بها توظَف الأفكار السياسية في عالم السياسة اليوم.

بالنسبة لكونديرا، "الحركات السياسية لا ترتكز كثيراً على المواقف العقلانية قدر ارتكازها على الخيالات الجامحة، الصور، الكلمات، والنماذج الأصلية التي تأتي معاً لتشكيل هذه المادة السياسية أو تلك".


في روايته "الخلود"، الراوي (الذي هو صدى لكونديرا نفسه) يفسر على نحو نموذجي أن "بقايا ماركس لا تعود تشكّل أي نظام منطقي من الأفكار، إنما فقط سلسلة من الصور المثيرة للذكريات والعواطف، ومن الشعارات (عامل مبتسم يحمل مطرقة، رجال بيض وسود وصفر بأيدٍ متشابكة على نحو أخوي، حمامة السلام وهي ترتفع نحو السماء، وهلم جرا). إننا نستطيع أن نتحدث على نحو شرعي عن التحوّل التدريجي، الشامل والهائل، للأيديولوجيا إلى علم الصورة".

ربيع براغ في 1968

إن آراء كونديرا بشأن الفن والسياسة ينبغي تحليلها لما تكونه: رؤى تشكلت واتسمت بنفاذ البصيرة من قِبل كاتب واعٍ سياسياً، والذي تجربته الحياتية تتضمن العيش في كلا جانبيّ الستار الحديدي. بسبب فرادته ومخيلته الخلاقة، رؤيته كانت قد تشكلت عبر رحلته الاستثنائية، وتجربته مع الشيوعية، الأمل وخيبة الأمل الذي أحدثه ربيع براغ في 1968، الاضطهاد والمضايقات، ثم المنفى الاختياري في باريس حيث وجد المشهد الثقافي تحت هيمنة اليسار، وعبر تجربة مختلفة جداً عن أحداث 1968 الفرنسية، وفي جو من الارتياب تجاه منشقي الكتلة الشرقية.

إن آراء كونديرا غالباً ما نجدها في مقالاته وفي رواياته. إنها تلقي ضوءاً على عدد من القضايا المهمة في مجالات مثل: النظرية السياسية، سوسيولوجيا الأفكار، الدراسات الثقافية.

الحرية تنضح، قبل كل شيء، من الأوضاع التي تتلاقى لتسمح للفن كي يزدهر، وليس من ميول وأهواء الفنان السياسية أو غير السياسية. هذا يغري المرء للقول بأن الفنان أو الروائي يكون في وضع مشابه لشخصية ما، كما يحدّدها كونديرا على نحو نموذجي: فريدة، مع ذلك هي ليست العنصر الغالب. ببساطة تضيف إلى فاعلية الجماعة. هذا هو الفارق الهام الذي ينبغي تعيينه لإدراك كيف أن الأدب والحرية يتفاعلان ويغذّي أحدهما الآخر منذ فجر التاريخ.

الجوهر الفرداني والجمعي للرواية تم تناوله جيداً. الرواية تكون في أحسن أحوالها وهي تمثّل الازدواجية بل وحتى الطبيعة المتناقضة من الحالات الإنسانية، وتضيء احتمالات الحياة العديدة، وعلى نحو حر تضم أنواعاً أدبية متعددة. على نحو معاكس، السياسة تنزع إلى توليد أمور يقينية وخيارات صارمة.

الشخصيات المسيّسة في روايات كونديرا تنزع إلى أن تتبنى مواقف أيديولوجية، حتى لو كانت الأهمية النسبية للسياسة، بالنسبة لها، جديرة بالإهمال.

إن نقد كونديرا للسياسة يمكن أن يُرى كغطاء لشيء جوهري أكثر: فردانيته الراديكالية، المتجذرة في ارتيابه العميق لأي تمثيل للفكرة الجماعية القائلة بأن الأيام القادمة ستكون مفعمة بالفرح والتفاؤل.

آراء كونديرا عرضة لاتهام مزدوج باللامسؤولية السياسية: لأنه كان يرفض أن يشارك بشكل مباشر في المناقشات السياسية في زمنه، على الأقل مع أي من الخطابات السياسية المنافسة. ولأنه حين يصوغ وجهات نظر سياسية، سواء على نحو ملتو وغير مباشر أو مما يمكن أن يُرى كمسافة فنية أسمى، هو يميل إلى أن يتناول الاختلافات بين العالمين (الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي الديمقراطي) كقضية مبالغ في تقديرها. إن وضع كونديرا هو خلافي ومثير للجدل بالنسبة لأولئك الذين يريدون منه أن يكون أكثر وضوحاً وفعالية في شجب شرور الشيوعية، وفي الثناء على (أو على الأقل الإقرار بوضوح بالمزايا غير القابلة للمناقشة لـ) الديمقراطية الليبرالية. إنهم يريدون منه أن يختار، نهائياً وعلى نحو حاسم، المعسكر الذي ينتسب إليه سياسياً.

كونديرا يرفض المفهوم القائل بأن العالميْن الديمقراطي والشيوعي هما في تعارض مطلق. ربما من وجهة نظر سياسية أو اقتصادية. لكن بالنسبة للروائي، نقطة الانطلاق هي الحياة الملموسة للفرد.

بالنسبة للكاتب، إنه غير مثير للجدل أو الخلاف تماماً التأكيد على أن التجربة الإنسانية ينبغي ألا تكون ممهدة لأبعادها السياسية والاقتصادية. موضوعات مثل الحب، الجنس، القلق أمام الموت، الصداقة، الغيرة، الجشع، الغضب، الحزن، وحشد من صفوف الكتّاب والفنانين منذ زمن سحيق، يمكن لجميعها أن تقدَّم بوصفها إنسانية على نحو أعمق وجوهري أكثر من السياسة. لكن التأويل الآخر ضمني هنا: بعض أبعاد التجربة الإنسانية، والتي لا تنشأ على نحو مباشر أو قبل كل شيء من الحقول السياسية أو الاقتصادية، لها رنين ثقافي إلى حد أنها في النهاية تجعل العالمين (الشيوعي والديمقراطي) يبدوان متشابهين جوهرياً إلى حد أن، في النهاية، التشابهات التاريخية الحقيقية تفوق الاختلافات. هنا، المجتمعات، وليس مجرد التجارب الفردية، تبدو متماثلة.

كونديرا لا يتبنى موقف "الفن من أجل الفن". إنه يحاول أن يجد موضعاً والذي منه يستطيع أن يتوسع في موقفه من السياسة بينما يظل، على نحو مخلص، معادياً لما هو سياسي.



0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email