التعددية الأحادية .. رواية (الديوان الأسبرطي نموذجا)



في تقريرها لمنح جائزة البوكر للرواية العربية لعام ٢٠٢٠ قالت لجنة التحكيم على لسان رئيسها محسن الموسوي: (تتميز رواية "الديوان الإسبرطي" للكاتب الجزائري عبد الوهاب العيساوي بجودة أسلوبية عالية وتعددية صوتية تتيح للقارئ أن يتمعن في تاريخ احتلال الجزائر روائياً، ومن خلاله تاريخ صراعات منطقة المتوسط كاملة، كل ذلك برؤى متقاطعة ومصالح متباينة، تجسدها الشخصيات الروائية).

إن المطالع للرواية وبالذات من جهة تعددية الاصوات سيرى أن هذه التعددية غير موجودة بهذا الشكل الذي تقوله اللجنة.

اعتقد أن لجنة التحكيم لم تفطن إلى أن تعددية الأصوات ليست هي فقط تعددية أسماء الشخصيات ومواقفهم وألفاظهم.

فإذا مثلا قال س أنه دخل المكان الذي فيه ص فرآه هناك، ثم جاء دور ص ليحكي فقال أنه بينما كان داخل المكان دخل عليه س. فليست هذه تعددية الأصوات.

إنه فقط تضييع للحبر والورق والوقت والجهد وزيادة صفحات الرواية دون داع، إذ كان بإمكان الراوي والحال كذلك، أن يلجأ ببساطة لتقنية الراوي العليم طالما أن تعددية الأصوات لن تقول ببساطة إلا ما يقوله الصوت الواحد.


لنتذكر هنا ميخائيل باختين في كتابه (الخطاب الروائي)، إنه لا يسمي التعدد تعدد أصوات فقط بل إنه يسميه تعدد لغات الرواية. حيث اللغة هنا بالنسبة له، أي باختين، ليست بمعنى Language بل بمعنى أسلوب Style. يرى باختين: "أن الأسلوب ليس للكاتب، بل للجنس الأدبي نفسه، وفي الرواية ذاتها هناك تعددية أساليب".


تعالج رواية (الديوان الأسبرطي) الفائزة ببوكر ٢٠٢٠ من بين خمس روايات وصلت إلى القائمة القصيرة، تداعيات الحملة الفرنسية على الجزائر عام ١٨٣٠ على لسان خمس شخصيات رئيسية هي:

(ابن الميار) المتيم بالعثمانيين و الوسطي الذي يحاول أن يجد طريقا بين الثورة والمسايرة، (حمة السلاوي) الذي يؤمن بالثورة على الترك والفرنسيين على السواء حتى يلتحق بالثائر الأمير عبد القادر الجزائري، (دوجة) المكرهة على البغاء وعاشقة السلاوي، (ديبون) الصحفي الفرنسي المسيحي المؤمن بأن الحملة الفرنسية هي من أجل إعلاء كلمة الرب في الأرض حتى تخيب آماله بعد أن يكتشف ألا غرض لها إلا الهيمنة والسلب والنهب، (كافيار) المهندس الفرنسي المرافق للحملة والذي يعبد شخصية نابليون ويحلم بإعادة مجده بعد هزيمة معركة واترلو مع الانجليز في ١٨١٥، عن طريق احتلال الجزائر في ١٨٣٠.


لأول وهلة قد يوهمنا النص بأن ثمة تعددية أصوات ريثما نكتشف أنها ليست إلا تعددية أحادية تعيد تقريبا بالحرف أحداث الرواية كل مرة على لسان واحد من الخمسة.


كانت هذه الشخصيات برأيي من الجمال و الغنى والتعدد في المنبع والدور لتقدم رواية تقوم على تقنية الراوي العليم لو أن الراوي - خاصة بما يمتلكه من لغة رهيفة وملهمة - اختار ذلك وبضمير الغائب، بدلا من السرد المونولوجي الأستبطاني المكرر بضمير المتكلم الذي جعل الرواية كلها من أول صفحة إلى آخرها ليست سوى عملية تذكر ما جرى لا عملية قص أحداث ما جرى و هذا افقد الرواية الكثير من الديناميكية والحركة، وجعلنا ما أن ننتهي من أول جولة موزعة على الشخصيات الخمس، حتى نتوقع بالضبط ما الذي ستقوله كل شخصية من الآن فصاعدا في الجولات التالية.


لقد كتبت عدة روايات كما نعلم بتقنية تعدد الأصوات، لكن العماد في ذلك هو إلى أي حد يجعل ذلك العمل الروائي يقدم فعلا ديمقراطية السرد وتعددية المنظور بحيث يكون العمل الروائي غير مقتصر فقط على التقاطعات المكررة التي يعيد فيها س ما قاله ص بل يوظف هذه التقاطعات لتشكل تقدما في بناء الحكاية بناء عموديا يواصل مراكمة الاحداث وليس فقط بناء أفقيا يقوم على قصها من ذوات متعددة، وإلا كانت تلك تعددية مظهرا أحادية جوهرا .

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email