رحلتي إلى التبت الصغرى "لاداخ" أرض الممرات الوعرة (1)

لا بأس من الحديث عن الفشل الجميل في بعض الأحيان، إذ إن رحلتنا الفوتوغرافية لولاية جامو وكشمير لم تسر كما خططنا لها، فقد فرضت الحكومة الهندية حظر التجوال في أثناء وجودنا فيها، بعد أن صدر مرسوم رئاسي في الـ 5 من أغسطس 2019 يلغي المادة 370 من الدستور التي تمنح حكماً ذاتياً خاصاً لولاية جامو وكشمير ذات الغالبية المسلمة، كان الوضع يرتسم بشكل كارثي على ملامح الناس إذ إن مناخ الخوف كان هو العلامة الحاكمة في كل شيء، حتى رجال الشرطة لم يكن خوفهم أقل من الناس العادية المشحونة بجحيم فاغر من الغيظ و الغضب، كنت أراقب المشهد من خلال شرفة الفندق المطلة على الشارع الحيوي لأهم أسواق محافظة كارجيل.

كثّفت الحكومة الهندية آنذاك تدابيرها الأمنية خشية اندلاع أعمال عنف وشغب، كان هذا شيئاً متوقعاً إذ اعلنت كل الرموز السياسية بجميع أطيافها وطوائفها ذات الغالبية المسلمة في كشمير معارضتها للقرار مهما كلف الأمر.

لهذا كان علينا تقييم الوضع واتخاذ القرار في شأن استمرار الرحلة أو تعليقها و حزم معداتنا للعودة للوطن، فقد أخبرنا نزار حسين ممثّل المكتب المنظِّم لرحلاتنا الداخلية عن صعوبة السير على البرنامج المعدّ للتصوير في تقسيم «سريناغار» العاصمة السياسية لكشمير، ويسميها البعض عاصمة كشمير الصيفية، لكنها - في ظرف سياسي بهذا الحجم وبجَردة سريعة لتاريخ الصدامات السياسية فيما بين أناس ذلك التقسيم و الحكومة الهندية وبحسب وصف بعض المراقبين في الإعلام المحلي الهندي - تعد الدائرة الأشرس والأكثر رعباً ودموية.

لهذا كان لزاما عليه أيضاً - أقصد هنا نزار حسين -اطلاعنا على آخر المستجدات على الأرض التي كان أبرزها إعلان الحكومة مقتل أكثر من عشرة مسلحين على الأقل كانوا يحاولون الهجوم على قواتها ومطالبتها للسياح بضرورة العودة إلى ديارهم فورًا، كما عُلّقت خدمات الإنترنت وسْط أنباءٍ عن اعتقال عدد من كبار الشخصيات وفرض الإقامة الجبرية على آخرين كان من بينهم عمر عبد الله وهو رئيس وزراء سابق لجامو وكشمير.

كان تفكيري حينها بعد سماع كل تلك التفاصيل في حجم معدات التصوير وأجهزة الكومبيوتر التي ستشكل تهديداً صريحاً لسلامتنا، كنا خمسة فوتوغرافيين أنا وحسن الطيف «التانغو» عرّاب الرحلة، والصديق إبراهيم الفرحان و ناهي علي و مجتبى سلّمت، الكل أجمع حينها على قرار العودة للديار وتفادي أي فكرة تشي بالاستمرار، خصوصا بعد أن تلقينا خبرًا يشبه الاحتجاز لفريق الفوتوغرافي العماني حمد الغمبوصي من الجهات الأمنية التي طلبت منهم مغادرة «سريناغار» في أسرع وقت ممكن، كانت كل تلك المعطيات كفيلة بتعزيز فكرة تعليق الرحلة.

خيبة ثقيلة و إحباط لا مثيل له ساد أَنْفُسَ رفاق الرحلة، أشعل كلٌّ من «التانغو» و ابراهيم الفرحان سيجارة لاستيعاب الموقف، لكن الأول دخن بشراهة، سيجارة وراء أخرى كأنه كان يصوغ بيان الرفض لفكرة تعليق الرحلة والعودة بخفي حُنَيِن كما يقال، خرجت منه كلمة واحدة «ما بنرجع» كنت قد ترجمتها في الحين : إذا رغبت في أن تكون مصوراً حقيقياً فإنه يتعين عليك أن تكون شجاعاً بما يكفي لخوض المغامرة، كما يتعين عليك أيضاً أن تكون مجنوناً جداً لتعزيز فكرة البقاء بالقرب من العاصفة، لكنه لم يُبقِ كلمته مبهمة بل أفصح بقوله : «سنغيّر مسار الرحلة» لنبتعد عن مسارات التوتر، جلسنا حينها مع نزار لإعادة صياغة مسار الرحلة بعد تداول المقترحات وتصنيف الدوائر بحسب المناطق التي من المتوقع لها أن تشهد حالات من التوتر والعنف، لتكون الوجهة دير«Rangdum» الواقع على رأس وادي Suru بالقرب من قرية صغيرة تدعى Julidok، لم نكن نعرف أي شيء عن هذا الدير أو هذه المنطقة ولم يكن في وسعنا البحث في تفاصيلها بسبب العزلة الكونية التي عشناها لانقطاع خدمة الإنترنت، ما نعرفه - فقط - هو أنه يقع على ارتفاع 4031 م فوق مستوى سطح البحر.

أسرّ لنا نزار وقتها بأنه يمكن التوافر على شريحة إنترنت خاصة بالمناطق غير المشمولة بقرار قطع خدمة الإنترنت، فقط علينا الاستعجال في الخروج من المنطقة قبل اشتعالها بالتظاهرات التي لا يمكن التكهن بحجمها وبطبيعتها، كانت الطرقات مشحونة برجال الأمن المزودين بالعصيّ والقضبان الحديدية وبعض البنادق.

في الصباح الباكر حزمنا الحقائب والمعدات ووضعناها في السيارات، أخذ كلٌّ منا مكانه كان «التانغو» وإبراهيم الفرحان و نزار حسين في السيارة الأولى، وكنا أنا و ناهي و مجتبى في السيارة الثانية، إلا أن الأخير وأعني هنا الفوتوغرافي مجتبى أسرّ للكون كله بصوت عال : ”يعني ما بنتريق“ في إشارة لوجبة الفطور، فكان الرد من «التانغو» بمزاج هادئ : خل نطلع يا أخي، ضحكنا حينها وانطلقنا نحو الممرات المقترحة للخروج من كارجيل .. تخطينا أول نقطة أمنية وصولاً لآخر نقطة و حاجز أمني .. الحقيقي منها و الوهمي أيضاً، لم يكن صعباً الخروج من تلك المناطق المشحونة بفتيل التوتر بل كان الأصعب هو دخول ناس كشمير إليها.

خرجنا بسلام، ليأتي صوت الصديق مجتبى بعد أن قطعنا مسافة بالسيارة : ”كارجيل بعيدة الآن، لنتناول وجبة الفطور“ ضحكنا حينها كالمجانين، هذا الرجل لا يصدق .. شهيته مفتوحة طوال الوقت، كأنه أراد أن يقول لنا نحن الآن في هذا الفضاء أحرار تماماً، لا قلق لا خوف ولا ظل شرطي أو رجل أمن.

لنستمتع بهذا الفضاء البديع في كل شيء .. جبال خضراء و وديان ساحرة، مشاهد وصور لا تكفّ عن التخلّق ولا يمكنك بلوغ اكتمالها.

لنتوقف قليلاً .. قال مجتبى، قلت في داخلي حينها سنتأخر وربما يهبط سواد المساء سريعا، وفي هذا شيء من الخطورة، لكن .. نعم لنستمتع بهذا الفضاء الذي يستدعي الخيال الحرّ وسط تلك الوديان والجبال التي تكتظ و تفيض بـحركة الماء، التي كانت أشبه بشرايين لآلة موسيقية تعزف مقطوعتها الطبيعة، فقط عليك أن تغمض عينيك وتختبر ثقافة الإصغاء لديك واستنفار المخيلة، فالمتخيل صورة أيضاً.

أذكر بأنني كنت منشغلا باستحضار مقطوعة «موسيقى الماء» التي ألّفها الإنجليزي جورج فريدريك هانْدل بطلب من الملك جورج الأول وهي عبارة عن مجموعة من حركات الاوركسترا تم عزفها من قبل 50 موسيقيًا على متن زورق بنهر التيمز، استمعت واستمتعت بها في أثناء بحثي عن مشاركة فرقة قلالي البحرينية في مهرجان «أصوات البحر» ببرلين 2014.

فَجأة سمعت صوت مجتبى وهو يصرخ مكرّراً اسمه، مختبراً ترداد صوته : مجتبى، مجتبى، مجتبى، أدرت رأسي نحوه وإذا به قد صعد حافة جبلية صغيرة فاردا ذراعيه مستمتعاً بارتطام الهواء البارد في كتلته الجسدية، كان الصديق ناهي يكرر تحذيره له : أيها المجنون «العقل زينة» انزل بسلام. ضحكت وأنا أراقب المشهد وخاطبته : كفّ عن تكرار اسمك فقد لوّثت به روعة المكان وسكينته، لكن ردّه كان سريعاً : صدقني أيها القميش الحياة أقصر ممّا تتصور، اصعد وسجّل في تاريخك شرف التجربة .. لم أتردد وصعدت رغم الخوف والارتباك، إذ لم أكن شجاعاً بما يكفي لفعل ذلك، لكنني فعلتها وأنا أردد في داخلي مقولة الكاتبة الأمريكية هيلين كيلر «الحياة إما مغامرة جريئة أو لا شيء» وبالفعل كانت تجربة أداء الصراخ الحرّ أكثر من رائعة.


من خلال العضوية المميزة لشركة نيكون (NPM) حصلت على الدعم اللازم من الوكيل المعتمد (شركة أشرف) وتم تزويدي بالعدسات اللازمة لتغطية الرحلة .. شكر خاص للسيد / طارق عبدالرحمن الرئيس الاقليمي لخدمة عملاد نيكون.


فضل «التانغو» وإبراهيم الفرحان و نزار حسين عدم التوقف، إذ ليس من المحبّب السير في الظلام، خوفاً من خطورة الممرات المعتمة وصعوبتها وتقلبات الطقس وتفادياً لحوادث الانزلاقات الجبلية أو الترابية، استأنفنا المسير نحو «Rangdum» لكن توقعات «حسن التانغو» في محلها، فعلى الرغم من تقدمهم علينا بساعة تقريباً، إلا أننا وجدناهم عالقين أمام سيول المياة المنهمرة من أعلى الجبل بحيث أصبح من الصعب مرور السيارات.

اقترح نزار حسين أن نترجّل وترك سائقي السيارات يبحثون أمر العبور، كان علينا أن نعبر خلال المياة وبالفعل حاول كل واحد منا إيجاد طريقه للطرف الآخر من المعبر، البعض منا انتزع الحذاء الذي كان ينتعله لكنني لم أفعل، فضّلت أن أمرّ وأنا منتعلُ إياه لأنني لا أثق بمجهول باطن الماء، لهذا شعرت بتجمد حاد ومضاعف في قدمي طوال مسار الرحلة لم أكن موفقاً في هذا القرار أبداً.

بعد تجاوز عدد من الممرات المظلمة في تلك الأَوْدِيَة وصلنا النُّزُل، كان متواضعا جداً لكنه الأوحد في هذه المنطقة كما أنه مزود بورقة إرشادية كتب فيها : هناك طريقة واحدة تعد الأمثل للنوم في هذا النزل وهي أن تلقي بنفسك كجثة، أنا هنا أمزح طبعاً، لكن هذا ما فعلناه فالتعب لم يكن ليوصف ساعتها.


عند الظهيرة، قصدنا دير«Rangdum» كان البعض من رُهبان الدير يقفون في استقامة وصمت وقد ارتدوا الزي الخاص بالرهبنة، كان من بينها الرداء الأصفر الذهبي و الرداء الأرجواني الداكن وآخر برتقالي، أخبرنا نزار حسين بأنهم يعيشون حالة حداد فقد فقدوا منذ أيام قليلة أحد رهبانهم.

هو دير بوذي يعد من بين الأقدم والأشهر في منطقة التبت - أضاف نزار بالقول - حيث يعود تأسيسة لأواخر القرن السادس عشر، كما أنه ينتمي إلى طائفة Gelugpa المعروفة أيضا باسم ذوي القبعات الصفر، يقال بأن الفيلسوف جي تسونغكهابا (1357–1419) هو من وضع قواعد وفلسفة تلك الطائفة.

دخلنا الرواق الأول للمعبد، كان علينا أن نضع في اعتبارنا ثقافة احترام الأماكن المقدسة و الالتزام بالآداب الإنسانية العامة، وتفادي كل ما يمكنه أن يسيء إلى حرمة تلك الطائفة ومعتقداتها.

الثقافات تختلف لهذا عليك الحذر في أن تكون سبباً أو مصدراً في خدش فضاء العبادة هناك. خلعنا أحذيتنا كي يُسمح لنا بدخول الرواق الرئيسي للمعبد، كنت أمعن النظر في تفاصيل المكان .. جدران المعبد، البوابات العتيقة المزخرفة التي كانت تتخللها، قطع القماش الملونه المتدلية من سقف المعبد، الأجراس الصغيرة ورايات الصلاة المكتظة برسوم الحيوانات وبعض النصوص التي كتبها بوذا.

كنت ألمح الكثير من الرايات على طول الممرات الجبلية التي مررنا بها، يسمونها «رايات الصلاة» ويسمونها أيضاً بـ «الأعلام المباركة» لكن بركاتها لا تأتي من الله، كما أنه لا وجود لبرزخ أو مبعث أو تلك السلسلة من العذابات أو آخرة، فقط عليهم الإيمان بذلك الرجل المتيقّظ «بوذا».

كانت السكينة أرفع من أي شيء في هذا المعبد، لهذا لن أكون مبالغاً إذا ما تورطت في مقاربة تلك الحالة بفلسفة الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسووا في كتابه «القلق» حول فكرة «المكان»، ذلك لأن مفهوم «المكان» عنده دائما ما يصاغ بالمعنى المجاوز للـ«مكان» بماديته المحسوسة، ليشكّل مدخلاً إلى الـ «لامكان».

كنت أتلفت ممعنا النظر في سقف المعبد، تفاصيله الصغيرة، زواياه الخشبية المكتظه بعدد من الطبول والأبواق الطويلة وأشياء أخرى، ليأتي صوت الصلوات موغلاً فيما يشبه العويل الطويل، ربما خيّل لي ذلك كونهم يعيشون حالة الفقد، ليتشكّل بعدها ما يمكن وصفه بموسيقى اِستغراق الروح المرتحلة برشاقة «لمكان» آخر.



الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email