استعارات الكورونا


من أعمال الفوتوغرافي البحريني حسن بن داوود


تلعب الاستعارة أدوارًا بالغة الخطورة والأهمية فى الخطابات السياسية والجماهيرية بعامة وفى تصدير وتبرير سياسات بعينها للجماهير. ومن أبرز الاستعارات المستخدمة فى الخطابات الجماهيرية على اختلافها، ما بين تلك الخطابات السياسية والإخبارية والإعلامية، استعارة العدو، ويكفى فقط أن تضع كلمة كورونا وبجوارها كلمة عدو على الشبكة العنكبوتية بالعربية و بسواها من اللغات ليواجهك سيل من تجليات استعارة «الكورونا بوصفها عدوًا، أو بوصفها العدو» بألف ولام التعريف.

لماذا تتم عسكرة الكورونا عبر العديد من الاستعارات هكذا؟ مثل «العدو الذى يُهدِّد البشرية»، و«جيش الأطباء»، و«من يقفون فى الخطوط الأمامية من الأطباء والممرضين»، و«هذا العدو المجهول الذى ليس لدى العالم من الأسلحة ما يواجهه به». وبالطبع لنا أن نتوقع أن تمتد الاستعارة لنصبح أمام «شهداء الكورونا» فى وصف الأطباء والممرضين الذين يسقطون صرعى لهذا الوباء وهم يحاولون علاج المصابين به. هل الهدف، إذًا، هو مجرد التعبئة الواسعة النطاق ضد المرض بوصفه عدوًا ينبغى محاربته والقضاء عليه فحسب أم أن هناك ما هو أبعد من ذلك على الصعيد العالمى، مما قد تجيب عنه الأيام المُقبِلة، مما يجعل هذه العسكرة للكورونا ليست إلا من قبيل تهيئة المسرح لحروب أخرى قادمة لا فى مواجهة أمراض أو أوبئة، وإنما حروب تشنها دول على دول أخرى، بسبب الكورونا وتداعياتها؟

لكن إذا كان الهدف من هذه الاستعارة ليس سوى الاستنفار من أجل مواجهة الفيروس والقضاء عليه، فلماذا تم التباطؤ فى اتخاذ التدابير اللازمة منذ ديسمبر من العام الماضى، وتُرِك له المجال لكى يتسرب إلى كل دول العالم على هذا النحو؟ هل كانت أمريكا تعتبره صديقًا لها أو حليفًا، ومن ثم صمتت وتغاضت وتعامت عن انتهاكاته كشأنها تجاه ما لا يُعد ولا يُحصى من الانتهاكات الإنسانية التى تتصور أنها تخدم مصالحها فإذا بها تُفاجأ ما بين عشية وضحاها أن ما حسبته صديقًا وحليفًا طبيعيًا لها على أعدائها، يتكشف عن وجه آخر هو وجه العدو تحت قناع الصديق الموهوم، فى صورة أشبه ما تكون بصورة انقلاب السحر على الساحر؟

إن المشهد لا أخلاقى بامتياز، وقد أتى فيروس كورونا ليفضح السقوط الأخلاقى الذى لطالما تخفَّى تحت أقنعة أخلاقية عديدة، وتحت أقنعة العديد من الاستعارات الأخلاقية التى كان يتم توظيفها توظيفات لا أخلاقية بالمرة، استعارات مثل استعارة الأسرة، فى عبارات من قبيل «الأسرة الدولية»، مثلاً، حين يُراد أن يتم تبرير تحالف معين بقيادة الولايات المتحدة ضد س أو ص من الدول التى يتم وصفها حين ذاك بأنها مارقة أو ضالة أو خارجة عن أعراف وتقاليد الأسرة الدولية، أو تصوير علاقة دولة بأخرى بأنها علاقة أخوة، أو علاقة اغتصاب على نحو ما حدث مثلا فى تبرير غزو العراق، أو شيطنة دولة بعينها، كما كان مع استعارة «إمبراطورية الشر» التى ظلت تُطلق على الاتحاد السوفيتى طوال فترة وجوده من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية وتابعيها من الأوروبيين، ثم إذا بتلك الاستعارة تتحوَّر قليلاً فى التاسع والعشرين من يناير من عام 2002 على لسان جورج بوش الابن لتصبح «محور الشر»، لا لتصف بالطبع الاتحاد السوفيتى، الذى كان قد سقط بالفعل منذ أكثر من عقد ولكن لتُورِّث صورته لمجموعة أخرى من الدول غير المُنصاعة للولايات المتحدة، وهى العراق وإيران وكوريا الشمالية، من أجل إسقاطها هى الأخرى بوصفها مصدر الشر المطلق ومن ثم استعداء العالم أجمع ضدها.

ومن استعارة محور الشر إلى شعار «الحرب على الإرهاب» الذى لم نعد معه أمام مجرد استعارة، وإنما أمام سردية كبرى من سرديات الولايات المتحدة السياسية التى تبتدعها لتبرير ما تريد تبريره من سياسات وأفعال وإجراءات، والتى كان من بين فصولها العديدة واللامتناهية فصل أو حلقة «أسلحة الدمار الشامل» لدى العراق، بكل ما انطوت عليه وتكشفت عنه من أكاذيب مخزية وفاضحة، وليصبح هكذا، وفق هذه الاستعارة السردية، كل ما لا يتوافق مع سياسات الولايات المتحدة ليس فقط عدوًا للولايات المتحدة، وإنما إرهاب للعالم بأسره. ومن ثم يصبح على العالم كله أو على العالم بأسره أن يحاربه مع الولايات المتحدة وإلا أصبح هو الآخر جزءًا من سردية الإرهاب، وفق منطق «من ليس معنا فهو ضدنا».

وهنا ينبغى لنا أن ننتبه جيدًا للغة التى تُستخدَم خلال الأزمات، ذلك أن اللغة المُستخدَمة فى مجال السياسة والاقتصاد، وخصوصًا فى فترات الأزمات كالحروب والكوارث، لا تتسم قط بالبراءة أو مجرد التقرير، وإنما غالبًا ما تكون لغة مثقلة بالأغراض، لغة لها وظائف وأهداف وغايات أخرى تتصل بإعداد المسرح وتجهيزه للعرض المرتقب، بعبارة أخرى إن المفردات والشعارات والاستعارات المُستخدَمة تقوم بعمليات تأطير وتهيئة وتمرير نفسى وذهنى للسياسات والسيناريوهات المُستهدَف فرضها على مستوى السياسة الداخلية، أوالخارجية، أو العالمية. صحيح أنه ما من لغة بريئة، بشكل عام، إلا أن عدم براءة اللغة يتزايد فى لحظات الأزمات، وهذا ما تثبته على نحو لافت دراسات تحليل الخطاب السياسى بشكل دامغ.

وهنا يُفترَض أن نُدرِك أن استعارة العدو للكورونا لا تقتصر فقط على مجرد مواجهة المرض، وإنما تتجاوز ذلك إلى تبرير إعلان حالة الحرب التى تتيح لأى دولة من الإجراءات ما لا يُتاح لها فى غير حالات الحرب، من حظر أو حجر، أو إخلاء، كما أنها أيضًا تفرض منطق لا صوت يعلو على صوت المعركة أو بالأحرى لا صوت يعلو على صوت الكورونا وما يتطلبه القضاء عليها من إجراءات.

إلا أن اللافت هو هذا التباين ما بين استعارة الكورونا بوصفها عدوًا أو بوصفها العدو بألف ولام التعريف بكل ما تستدعيه الاستعارة من فرض لسيناريو الحرب، وتلك الدعوة للبقاء فى البيت.

وهنا ينبغى لنا أن ننتبه جيدًا إلى هذه العبارة: «خليك فى البيت» «stay home» التى تحولت إلى مُناشدة عالمية، وما تتضمنه من أصوات ودلالات. وهل هى فقط بدافع الحفاظ على حيوات المواطنين أم أنها تخفى خلف وجهها الحنون البريء وجهًا آخر أو عدة وجوه أخرى؟

إنها عبارة مُفْعَمة بمشاعر أسرية حميمة، إذ إنها لا تصدر ولا يتم تداولها إلا فى محيط البيت، ومن ينتمون إلى بيت واحد، أى فى محيط الأسرة الواحدة، تقولها زوجة لزوجها، أو أم لابنها، أو زوج لزوجته، أو ابنة لأبيها... إلخ، إنها مُفْعَمة بذاكرة أسرية حميمية، فماذا حين تصدر عن حكومات العالم على هذا النحو الذى يُطِل علينا؟ ألا يعنى هذا أن هذه الحكومات تحاول إقناع مواطنيها أنها وهم أسرة واحدة؟ وما أقوله هنا عن اقترانات هذه العبارة ليس من قبيل الإفراط فى التأويل لمثل هذه الجملة الطلبية الالتماسية، إذ تُصادِق عليها كلمات أغنية «خليك بالبيت» من كلمات الشاعر اللبنانى جوزيف حرب وغناء الفنانة السماوية فيروز التى تبدو فيها زوجة محبة، أو عاشقة محبة، وهى تُخاطِب زوجها أو حبيبها فى نبرة استعطافية مُتْرَعة بالحب والحاجة إلى حضوره وونسه الإنسانى الحميم، ومشاعر الخوف من الوحدة والغربة الناتجة عن مغادرته وبقائها وحيدة، وخشيتها من أن يكون قد أحب أخرى، وكل ما يُصاحِب هذا من مشاعر الخوف من الفقد والافتقاد، والشعور بالضجر من بقائها وحيدة هكذا فى البيت، واستحلافه بحياته والدعاء له «الله يخليك خليك بالبيت»:

خليك بالبيت هلق حبيت

رح كون وحيدى وحدى فليت

الله يخليك خليك بالبيت خليك

خليك بالبيت هلق حبيت

رح كون حبيبى وحدى فليت

اللهى خليك خليك بالبيت خليك

خليك لا تروح مشتاقة ليك

خليك كتير حبيت عينيك

وما بعرف ليش وبغار عليك

الله يخليك خليك بالبيت خليك

ما تضل عالباب كرمالى فوت

ما خلى الليل طرقات وبيوت

ضجرانى وشوبو كتير سكوت

الله يخليك خليك بالبيت خليك

كما توجد أيضًا أغانٍ أجنبية عديدة لا مجال للاستشهاد بها هنا تؤكد حميمية تلك العبارة «خليك فى البيت» منها على سبيل المثال فقط أغنية شريل كرو «خليك فى البيت ما ما» «Stay at Home Mother»

إن الهدف من الاستشهاد بتلك الأغنية ليس بالطبع المماثلة بين وضعية تلك الحكومات ووضعية الحبيبة المُناشِدة والمُستعطِفة لحبيبها من أجل البقاء معها، وإن كان الأمر لا يخلو على مستوى النبرة وعلى مستوى بعض العبارات المُصاحِبة لهذه الجملة الطلبية من مثل هذه الدلالة، على نحو ما نجد فى مناشدات بعض الفنانين المُطالِبين لأبناء هذا الشعب بالبقاء فى البيت من استخدام عبارات من قبيل:

«قبل ما تنزل من البيت افتكر إن نزولك ممكن يجيب الوباء لأهل بيتك وكل اللى حواليك.. علشان أنت واللى حواليك غاليين علينا.. خليك قد المسئولية.. خليك فى البيت».

وإنما الهدف هو التأكيد على أن الجملة مُفْعَمة وحافلة بكل هذه الحميمية الداخلة فى نطاق الخطاب الأسرى أو الخطاب الحميم الذى لا يكون إلا بين مُحبِين أو بين من يجمعهم مصيرٌ مشترك كأفراد الأسرة الواحدة، إن هذه التداعيات مخزونة فى تلافيف تلك الجملة وتُمارِس فعاليتها على مستوى لا وعى المُخاطَبين بها من قبل حكوماتهم وأنظمتهم، هكذا تبدو استعارة الأسرة وهى تُطِلُّ برأسها من تلافيف هذه الجملة الطلبية البسيطة، لكن لماذا هل لأن الحكومات والشعوب فعلاً أسرة واحدة، أم من أجل التغطية على شيء آخر، وهو قصور تلك الحكومات الطبى والصحى فى مواجهة هذا الفيروس، ومن ثم الخوف من افتضاح قصورها، وما يمكن أن يترتب عليه هذا القصور من كوارث وتصاعد فى نسب الوفيات بما يهدَّد بقائها؟

أم أن هذه المُناشَدة التى تصل إلى حد الأمر، هى فى الوقت ذاته وبالأساس غطاء لتقصير الدول والحكومات فى المجال الطبي؟ ومن ثم يمكن القول إنها تحمل أبعادًا سياسية أخرى مُجاوِزة لصورة الأم الحنون للدولة التى تريد الحفاظ على حياة أبنائها وبناتها، إن استعارة «الدولة الأسرة» كامنة فى شعار «خليك فى البيت».

ومع ذلك، فإن هذه الجملة قد تُوهِم فعلا بهذه الحميمية لدى البعض ممن لن يضيرهم فى شيء عدم الخروج، ولكن ماذا عن أولئك الذين يتساوى لديهم ما يعنيه عدم الخروج مع الخروج، أى أولئك الذين لا يملكون قوت يومهم إلا من خلال الخروج، ألم يكن الأجدى قبل هذا الالتماس أو هذه المُناشَدة أن تتخذ الحكومات إجراءات تتيح وتوفر بالفعل لأولئك الذين تلتمس منهم البقاء ما يُغنيهم عن الخروج؟

كيف يستطيع هؤلاء الآباء أو أولئك الأمهات البقاء فى البيت وأن يكونوا «قد المسئولية»، وهم يرون أطفالهم جائعين، وهم عاجزون عن سد احتياجاتهم الأساسية؟ هل سيكونون حقًا آباء وأمهات «قد المسئولية» على النحو الذى تتحدث به الفنانة إسعاد يونس عن المسئولية التى ينبغى على هؤلاء العائلين أن يكونوا قدها، وأن يفكروا فى أهل بيتهم، أم أنهم لكي ما يكونوا فعلاً «قد المسئولية» عليهم أن يغامروا بحياتهم من أجل أطفالهم لكى لا يروهم وهم يموتون أو يتضورون جوعًا؟ هل المسئولية هى التفكير فقط فى الذات أم التفكير كذلك فى الآخر، واحتياجات الآخر؟ إن أسئلة من هذا النوع لا يبدو أنها قد طرأت أو خطرت على بال مثل هذه الحكومات حين قرَّرت أن تمارس حنانها، وتدعو الجميع للبقاء فى البيت، هذا الحنان الذى يذكرنا بحنان الوز فى المثل الشعبى المصرى الشهير، والذى ربما لا يعرفه كثيرون من الأجيال الأصغر سنًا الآن، وهو المثل القائل «زى الوز حِنيَّة من غير بز»، أى أنه حنان لا يتعدى مستوى القول والكلام.

لقد كان على مثل هذه الحكومات أن تُوفِّر أولاً لمن تطالبهم بالبقاء مورد العيش الذى يكفيهم شرور الخروج من البيت، أو على حد عبارة المثل الشعبى الحكيم أن توفر أولاً البز، قبل أن تبدو فى صورة الأم الرؤوم التى تحرص على سلامة أبنائها، وتدعوهم للبقاء بالبيت.

لكن للأسف وجدنا الغالبية العظمى من أصحاب الأعمال والرأسماليين يُغلقون مشاريعهم فى وجه عامليهم وموظفيهم بدلاً من أن يتكافلوا معهم، ووجدنا الحكومات تتغاضى عن هذا الأمر، فى الوقت الذى كان يمكن أن تتواصل فيه الحكومات وأصحاب الأعمال الخاصة من أجل التوصل لحلول غير مألوفة، حلول تُقنعنا بأننا فعلاً أسرة واحدة، ولسنا أولئك الذين يستخدمون خطاب الأسرة ليُحقِّقوا به مصالح ومآرب جماعة معينة على حساب جماعات أخرى أو مصالح ومآرب أسر بعينها على حساب أسر أخرى، تحت غطاء استعارة الأسرة التى يُقترَف باسمها ما لايعد ولا يُحصى من الجرائم على المستوى العالمى والإقليمى والمحلى.

وهنا دعونا نتساءل معًا ما الذى يمنع مثلاً من أن تصل الحكومات وأصحاب المشاريع ورؤوس الأموال على اتفاق يتم بموجبه صرف مرتبات عاملى وموظفى القطاع الخاص خلال فترة بقائهم بالبيت، على أن يتم خصمها لاحقًا من ضرائب أصحاب المشاريع، بدلاً من إطلاق دعوات من قبيل أن «موت البعض خير من انهيار الاقتصاد»، دون حتى تحديد احتمالات ما يمكن أن يبلغه عدد هؤلاء البعض، وبالتأكيد فإنه ما من أحد يدعو لانهيار الاقتصاد أوعدم الإنتاج حتى فى أحلك الظروف، ولكن بالتأكيد هناك حلول أكثر إنسانية من دعوات الموت، حلول من قبيل أن يتم التفكير فى أن تكون الأولوية فى توجيه دعم الدولة لمن هم أكثر عرضة للإصابة بالمرض ممن هم فوق الخمسين، وأن يتم تزويد من سيخاطرون بحيواتهم من الأصغر سنًا بكل أدوات ووسائل الوقاية، تُوفِّرها لهم الدولة بالتضامن مع أصحاب رؤوس الأموال. وما الذى يمنع أيضًا من أن يتم تخصيص مستشفى فى كل منطقة استعدادًا لأسوأ الفروض أو أن يتم تخصيص بعض العمارات غير المأهولة لتصبح أماكن للحجر يتم تجهيزها بالمعدات المطلوبة لكيما نكون أكثر فعالية واستعدادًا لأسوأ الاحتمالات، وهو تزايد انتشار هذا الوباء على نحو أكثر كارثية، خصوصًا أن احتمالات تحوره ليست بعيدة. باختصار إن لم نفكر الآن خارج المألوف وخارج الصندوق، وإذا لم نُغيِّر ونطوِّر من آليات استجاباتنا مع الأزمات، وإذا لم نتكاتف ونصبح أكثر إنسانية متى إذًا سنكون؟

إنها لحظة من لحظات الحقيقة التى يتكشَّف فيها المخزون الحضارى للأمم، وما نأمله هو أن نثبت لأنفسنا، قبل أن نثبت لأى أحد آخر، أننا فعلاً أبناء تلك الحضارة التى لطالما تغنينا بالانتماء إليها.

فهل نحن حقًا ورثتها أم أن الأمر لا يعدو ولا يجاوز بلاغة الأغانى والأناشيد؟


إنها لحظة للاجتهاد وللخيال الإنسانى الأخلاقى والخلاق، لحظة للتطهر والتكفير عن جرائم كنز الأموال ونهب الرأسمالية التى تصف نفسها بالوطنية لأراضى وموارد أوطانها وأوطان سواها ومص دم الغلابة، أفيقوا أيها النومى قبل أن نفيق على كارثة أخطر من كارثة الخامس والعشرين من يناير وما تلاها من اعتلاء عصابة الإخوان للحكم، وقبل أن يُواجَه العالم كله بهتلر، أو بأكثر من هتلر جديد يريد أن يُصدِّر للعالم كله رقصة الموت باسم أخلاقية الحفاظ على الاقتصاد، وعدم أخلاقية الرعاية، سواء رعاية الدولة أو رعاية الرأسماليات الوطنية.

إن الكورونا فى هذه اللحظة سردية من سرديات الموت، فهل يمكننا أن ننجح فى تحويلها إلى سردية من سرديات الحياة والإنسانية؟ هل يمكننا أن نكون أكثر تضامنًا وتكاتفًا وإعلاء لقيمة الإنسان وقيمة الحياة وقيمة العلم والمعرفة والثقافة والتعليم، وقيمة الاعتماد على الذات اقتصادًا، وصحة وعلاجًا؟

إن هذا هو ما سيجيب عنه المستقبل الذى سنصنعه بأنفسنا وباستجاباتنا التى نأمل أن تكون أكثر إنسانية فيما هو قادم مما عليه الحال حتى الآن.

وأخيرًا تحية للصديق الأستاذ الدكتور شاكر عبد الحميد الذى يأتى مقالى هذا كاستجابة وامتداد لمبادرته ودعوته فى مقاله عن «ما بعد الكورونيالية» للمثقفين جميعًا أن يتأملوا الموقف الكورونيالى بكل ما فيه من أبعاد وما سيولده وينجم عنه من آثار، وفى تقديرى أن من بين هذه الآثار اللغة المستخدمة خلال أزمة الكورونا لأنها لغة تحفل بالكثير على نحو ما رأينا وعلى نحو ما سوف نرى فى الفترات القادمة، فله منى خالص التقدير، على مقاله العميق والمُمتِع، وعلى نحته لمصطلح ما بعد الكورنيالية الذى أتوقع له انتشارًا واسع النطاق فى المرحلة القادمة.

0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email