هل المثقف معجبٌ بالسلطة؟


المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد

ما الذي يجعل المثقف معجباً بالسلطة؟ وهي سلطة تسعى بكل وسائلها لاستدراج المثقف لأن يكون معجباً بها، ليس فقط لكي يكون بوقاً مكيناً لها، ولكن لضمان حياده الرجراج، الذي يسمح بتمرير مرارات الناس، واحتمالها الظلم والظلام.

ومن أجل تفادي طاقة المثقف، يحرص النظام دائماً على ضرورة عدم اتخاذ المثقف موقف المناقض، الرافض، المعارض، الناقد لمشاريعه. وهي المشاريع التي لا تكون دائماً فوق مستوى الشبهة. النظام يريد، على الأقل، أن يضمن، صمت المثقف، فالصمت، في هذا السياق، رغم أن صمت المثقف سيكون، أحياناً، أكثر بلاغة في الجهر بنقد السلطة. وحسب محيي الدين بن عربي: «كل صمتٍ لا يحتوي الكلام لا يعوّل عليه». وإذا لم تكن تعوّل على مثقفك، عليك مراجعة بنيتك الأساسية في العمل السياسي.

2

السلطة، في مفهومها العملي، هي النقيض الفكري للمثقف، غير أنها لا تنظر إلى المثقف أكثر من نظرتها للرعية. والرعية في عُرف الدولة الشرقية، ملكيّة كانت أم جمهورية، ليست أكثر من كائنات ممتثلة، وعلى المثقف، حسب السلطة، أن يكون في مقدمة الرعية الممتثلة، بل أن يكون في رأس قيادة الرعية، وهو بالمفهوم الديني، الكبش الذي يكرز للقطيع نحو المسار الذي يتوجب على الرعية الذهاب إليه، بامتثال وخضوع وخنوع، ومن دون مساءلة.

قاسم حداد

3

كيف للمثقف إذن أن يكون معجباً بالدولة، وهي التي ترى إليه بمثل هذه الدونية المجردة من الإنسانية. والذين يجرون الكلام عن المثقف المرتهن إلى السلطة، في حيزنا العربي، يبالغون في التوصيف الملتبس للمثقف، فللسلطة العربية مثقفوها الأشاوس، الذين لا يمكن وصفهم بالمعجبين بالسلطة، وإنما هم السلطة نفسها، وهم القيادة الحكيمة ومستشاروها الجديرون بما تتمتع به السلطات، ليس على الصعيد المادي المعلوم، ولكن خصوصاً على صعيد النظر وطريقة التفكير ومعتقدات العمل. والمثقف منهم بالتالي لا يعود مثقفاً بالمفهوم «الغرامشي»، المثقف النقدي، أو بالتوصيف الجدلي الذي اقترحه أدوارد سعيد، لذا لابد من التوقف عن الخلط بين المثقف ورجل السلطة.

4

وتفادياً لمواصلة الكلام عن المثقف باللغة السلبية التي تسلبه طبيعته الاجتماعية والحضارية، يتوجب علينا التوقف والكفّ عن الكلام الاتهامي، الذي يتبرع به الكثيرون، وهم يواصلون النظر إلى المثقف باعتباره طبيباً لكل مرض. وعلينا التريث كثيراً قبل الانخراط في ورشة الكلام على المثقفين، باعتبارهم كائنات خرافية، ليست من الإنس ولا أقل من الأنبياء. في تقديرنا أن المثقف كائن حيوي، بالغ الحساسية تجاه الخطأ والانحرافات في محيطه الاجتماعي، لا يكفّ عن النظر في واقعه، كثير الاحتراق قليل الكلام، لا يتكلم إلا لكي يمسح زجاجة الرؤية عند الآخرين. لا يرتهن لما يتداوله الآخرون، ولا يرى في هذيان الناس عدسة صالحة للرؤية، ومثلما رفضَ أن يكون بوقاً للسلطات جميعها، فهو لن يكون بوقاً لسلطة المجتمع، بل ربما يرى في المجتمع مخلوقاً فجاً، قليل النضوج ونادره أيضاَ.

أنطونيو غرامشي فيلسوف ومناضل ماركسي إيطالي

5

لماذا يكون المثقف معجباً بالثورة في المطلق ومن غير أن يثير الأسئلة؟ وهي الثورة التي يصح لها الانفجار الجهنمي من دون أن تأخذ الإذن من المثقف. فالثورة لها أوانها ومواعيدها، ذلك حق الثورة علينا. غير أن من حق المثقف، هو الآخر، أن يذهب إلى الثورة مع أسئلته، من دون أن يعلن إعجابه المسبق بها. فليس في الثورة ما يغري المثقف، سوى حق الناس في الحرية والعدل والكرامة. غير أن هذه الشروط ليس من شأنها أن تكون واضحة الملامح كلما تفجرت نفوسُ العامة، وطاشت أرواحُ الأبرياء في الشارع غير المتكافئ بين الرعية، وهي تأخذ المبادرة، والسلطة شاكيةً سلاحها ضد الناس. للمثقف عدسته الخارقة التي يتوجب على الرعية الثقة بها، والإصغاء إليها، وعدم الانخراط في قبول الأوهام التي سوف تسارع السلطة لتشويه الجميع والمثقفين في مقدمتهم، فيما هي تعمل على مقاومة الانفجارات المشروعة التي يعلنها الناس. تلك هي حرية المثقف في أن يقول ما يرى، على أن يرى ما يقوله الشارع. ففي غمرة الانهماك الجهنمي للثورة، سوف يكون التفكير آخر العناية الشعبية، فربما تكون أنت على حافة الحياة والموت في لحظة واحدة، ساعتها تكون في انتظار موتك الوشيك، فلا تعود قادراً على المشاركة في التخطيط لجنازتك. لذلك يتوجب أن تجعل الآخرين يفكرون في تلك التفاصيل الحاسمة لحظة المنعطفات. الموت والحياة في لحظة واحدة. الحرية الوشيكة والحتف الداهم. وإذا اضطر الثوري أن يصير سياسياً، فإن المثقف ليس كذلك.

6

حين نفهم لماذا لا يكون المثقف معجباً بالدولة، بقي أن نتفهم لماذا لا يكون المثقف معجباً بالثورة أيضاَ. فليست الثورة كائناً طهرانياً يستدعي التبجيل والتقديس. الثورة، بوصفها أكثر عمومية من الدولة، ستكون أكثر منها عرضة للمثالب ساعة الحركة. وبالتالي سيكون للمثقف الحق في النظر، وإعادة النظر، في كل ما يجري في الشارع، ربما لأن الشارع سيكون مفتوحاً أكثر من السلطة، بوصفها دولة، بحيث يحتاج، الشارع، للمراجعة والنقد. وإذا لم يكن لأصحاب الثورة أن يسمعوا، بالتفهم التام، أصحابَ الثقافة والمعرفة، سيكون عليهم مراجعة قدرتهم الحضارية لفهم معنى الثورة في سياقها الجدلي. فللثقافة حقٌ على أصحاب الثورة، أكثر من حق أصحاب الثورة على الناس. وإلا فسوف نكون على شاكلة أصحاب الدولة وهم يفرضون هيمنة سلطتهم على رعيتهم، بامتثال ناجز. والحق أن الاختلاف والتميز الذي يعلنه أصحاب الثورة، فيما يخرجون على سلطة الدولة، ينبغي أن يكون نقيض الامتثال والخضوع الذي يعتمده أصحاب السلطة على رعيتهم. وبما أن غرامشي كان قد اعتنى بالمثقف العضوي في زمانه، ثم جاء أدوارد سعيد لاستكمال ذلك بتجربته الشهيرة، ذات المنفى، عن صور المثقف، فينبغي لنا عدم الإيمان المطلق بمنظوراتهما الصادرة مما يعتقدان، (غرامشي وسعيد) بصوابيتها الدائمة. فتلك الاجتهادات التي ناسبتْ تلك اللحظات، من المحتمل أننا سنحتاج الاجتهادات الأخرى.

ميلان كونديرا، روائي فرنسي من أصول تشيكية

7

ليس في الدولة ما يغري المثقف بالإعجاب.. تلك هي الحقيقة التي علينا التثبت من مشروعيتها، لكن أيضاً ليس في الثورة ما يغري المثقف بالإعجاب المسبق، من غير مساءلة ومراجعة وكثير من الشكوك، التي تغربل الكثير والمزيد من الاجتهادات، التي يتبرع بها أصحاب الثورة، وهو أمرٌ مشروعٌ ومفهوم، لكن من دون أن يكون مقبولاً دائماً.

8

ثمة الصراع على التاريخ، والثورة هي لحظة الكتابة النورانية للتاريخ، ميلان كونديرا أشار ذات نص إلى: (أن صراع الإنسان ضد السلطة، هو بالدرجة الأولى صراع الذاكرة ضد النسيان). فليس من المصادفة أن يتذكر المثقف إحداثيات التاريخ البشريّ برمته لحظة المجابهة، في اللحظة التي تعمل «سلطة الدولة» جاهدة، ليس على تناسي ذلك التاريخ فحسب، ولكنها خصوصاً تعمل، وبالوعي الكامل وسبق الإصرار والعناية، على محو ونسيان التاريخ الراهن لهذه الشعوب المتفجرة، محاولة أن يكون تاريخ الدولة هو الحاكم المتحكم في مسار الأحداث. حتى أن أصحاب سلطة الدولة لا يذكرون، أعني لا يتذكرون سوى ما يفعلون وما يريدون أن يفعلوه في الناس.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email