لكي (لا) تغضبوا أكثر .. أبعد من بركات، أقرب من درويش

حقا، وعلى سبيل بدء فيلم الرعب بافتتاحية السيمفونية الخامسة للعظيم بيتهوفن (هذا العام ميلاده الــ٢٥٠)، تلك الضربات الرهيبات الأربع، "دن .. دن .. دن .. دنننننن". والتي ستصبح منذ تلك اللحظة موسيقى ضربات القدر ونقرة مطرقته على رأس كائننا الهش، حتى في مسلسلات اطفالنا الصغار وهم يمثلون التمثيل. على هذا السبيل من المجاز بشأن المجاز بشأن المجاز إلى ما لا نهاية، لنسأل أنفسنا - بعيدا عن اتهامات سليم بركات - نحن الشعراء والكتاب: متى كنا آباء صالحين؟ لنسأل ربنا أيضا، هل تغفر لنا أننا لم نكن آباء صالحين يوما؟ بما أنك خلقتنا في فتنة المجاز، لا فتنة الأولاد والأموال؟.

كل رد على سليم بركات لتبرئة درويش وإلباسه مسوح الدراويش الأطهار، محاولة ليست لتبرئة درويش بل تستبطن تبرئة أنفسنا أمام أنفسنا والعالم، أننا لم نكن يوما، لا بل لحظة، آباء صالحين.

لا أقصد فقط الشعراء على شرط قدامة بن جعفر، حيث الشعر كلام موزون مقفى، أقصد الشعراء بكل ما ومن حول الفن والشعر والكتابة، على شرط أرسطو، كل المشتغلين بالمجاز، شعرا، سردا ونقدا وفنا.

أقصد أولئك الذين كان سلفه أفلاطون قد اعتبرهم مواطنين غير صالحين لدولة الحقيقة. جعل الفنانين خارج الجمهورية - (على قول) - رغم افتتانه بهوميروس، بل ربما بسبب هذا الافتتان. أقصد بالشعراء الكتاب والفنانين، و حتى الفيلسوف سقراط الهائم على وجهه في طرقات أثينا، القرية الظالم أَهْلُهَا، يهذي بمجازات الحكمة والفلسفة وزوجته تبحث عمن يشتري لها ولأبناءها خبزا يسد فم الجوع.

حتى في لحظة موته وهي تبكي غياب عائلها، كان يبتسم سعيدا باكتمال مشهد موت مجيد سيبقى خالدا له في ذاكرة الأبد. حقا أية نذالة هي عبادة المجاز. كم مرة سمعتم امرأة تشكو شاعرها أو فنانها أو كاتبها الذي لا وقت لديه ليبني مسكنا أو يصلح مصباحا، أو يأخذ طفلا للحلاق؟ دع جانبا أنه يخرج كيس القمامة كل مساء.

هو يفعل ذلك ليكون وحده لدقائق. لا أعني طبعا او ربما أن الشعراء والكتاب والفنانين لا يصورون ربما مع أولادهم في رحلة أو عيد ميلاد أو نزهة على شاطىء أو جولة في السوق. أبدا. فهم والحق يقال يحبون الصور كثيرا، مع أولادهم وغيرهم، لكن أقصد فقدان تلك الالتفاتة الصادرة من قلب القلب، الخالية من شرود المجاز، تلك العين التي تنظر لا العين التي تنتظر إلهاما يهبط في كل لحظة على فرس من أجنحة النبوة.

هل يلتفت الشعراء والفنانون إلى ما / من حولهم؟ دون غرض له علاقة بالفن المحض؟ حتى هذه اللحظات العائلية، (أية عائلية؟)، هم غير مخلصين لها، إلا بما هي مادة فنية، أو بما هي نوستالجيا قادمة، تصلح لقصيدة أو نص مرئي أو مكتوب، وفي أحسن الأحوال هي مجرد لحظة مجاملة سيشارك فيها الفنان متبرما، ريثما يذهب مسرعا إلى الصورة التي يسعى إلى إكمالها، أو النص الذي تركه معلقا على دُرْج الصبر ريثما ينتهي من مجاملة عابرة ويعود مسرعا إلى حيث متعته التي لا تضاهى.

تلومون سليم بركات؟ ارجعوا إلى أنفسكم، "فاقتلوا أنفسكم - البقرة 54" فأنتم أيها الفنانون، - سواء قال سليم أم لم يقل - آباء فاشلون - وأعني الآباء أكثر من الأمهات الشاعرات.

في استقصاء ما كتبه الشعراء عموما في حب العائلة، كم شاعر رجل كتب في ذريته نصا، مقابل كم شاعرة فعلت ذلك. الكفة ستميل بثقلها لصالح الشاعرات ولا ريب.

تدافعون عن محمود درويش؟؟ ههههه!! يا لمجازكم الذي لا ينفد!! عنكم تدافعون وتدفعون تهمة تحاصركم في حبل الوريد. كلما رأيتم أقران أبناءكم في المجمل - عدا استثناءات - محظيين بآباء أكثر منكم أبوة بالمعنى الاقتصادي والاجتماعي.

آباء رسموا بالمنطق حياة لأبناءهم فيما ظللتم مشغولين حتى لحظة الفناء بسيناريو طويل لا ينتهي. ثمة نجاحات لا أنكرها هنا أو هناك لأبناء الفنانين والشعراء، لا دور لكم فيها، ولا شكر تستحقونه عليها، فهي صنيعتهم وحدهم.

وإذن فليكن بركات خائنا - إن شئتم - ودرويش مغدورا، فهذا ليس بيت القصيد. إنما بَيْتُهُ أنكم لا أبناء ولا بنات لكم سوى بنات أفكاركم ولا عائلة لكم سوى (مجازات بها ترون)، ومع كل "مرافعة" عن درويش لا تكشفون سوى عن هلع الإنكشاف أمام أخطر راء لما أنتم عليه، أعني ذواتكم.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email