البوسطة.. السخريّة الجادّة



الصورة الفوتوغرافية التي أطلّ منها دائما على أحمد البوسطة: الصباح الأوّل لجريدة الوقت، هناك في الدور الثاني لمبنى الجريدة، نائماً على فراش مؤقت للذين ظلّوا يقظين لحظة طباعة العدد الأوّل، الثلاثاء ٢١ فبراير ٢٠٠٦م. لم ينم بعدها، ظلّ يعمل حتى آخر يوم أغلقت فيه الجريدة من العام ٢٠١٠م. إلّا أنّ اللقاء الأوّل كان في مبنى جريدة الأيام في التسعينيات، ما كنتُ أعرف اسمه، جاء جوارنا تسبقه سخريته من أشياء لا أعرفها-من أشياء لا أشخاص- وكلام وضحكة فيها فراغات هواء وسعلات منْ تمكّنت السيجارة منه. قلت يومها: لماذا يسخر وهو يعمل في صحافة تحتاج إلى الكثير من الجدّ! لا أنسى: كان أنيقاً في لباسه.

بقيت تلك الصورة عندي له حتى نهايات العام ٢٠٠٥، الاستعداد لإصدار جريدة جديدة باسم: الوقت. رأيته هناك بلحمه ودمه، بسعلاته وسخريته! وعبارة صارت تحيته لأصدقاء وزملاء الوقت: ويش يا رفيقي؟! لكنّي هذا المرّة رأيته بصورة آخرى، يقود فريقه حتى منتصف الليل لإنجاز ما كلّف به متصنّما أمام الكمبيوتر، متصلا بشكل لافت بالتحرير والاخراج. يكتب فيصبح شخصاً كأنّك لا تعرفه، شخصاً آخر لا جهة عنده إلاّ للجدّ! تلك من لحظات السعادة التي أتمثلها بحضوره دائما: السخريّة الجادة!! وأنّ هذه السخرية التي يُطلقها بين حين وآخر على الأشياء لا الأشخاص، لحظات تنفيس عميق عن سيرة لم تسر كما يريد- شأن الحياة- فرافقها كتفاً بكتف، وزاحم ألمها برسائل مشحونة بالسخرية الجادة، لا يهتمّ لانتقاءاتها كي يؤلف سيرته منها، ويقول: هذه سيرتي! ولا بتلميحاتها: تغريه بالحلو فيقذفها بالمرّ ويضحك. وربّما سخريته لألم، لشيء لا أحد يعرفه، منْ يستوعب ألم الشخص القريب منه حتى يستوعب غيره؟! وهو- أحمد البوسطة- مع كلّ ذلك جاد في الإلتفات لألم الآخرين، يضعهم في داخل سياجه، يدافع دونهم ويجاهر بمهندسي الألم.

عرفت جيداً أن سخرية البوسطة لم تقلل من عاطفته اتجاه آلم الناس، ولم تجعل من النظر إلى صور ألمهم عادة. هذا معنى أن يكون الشخص صحفيّا حقيقياً. كأنّي أراه يقول حتى للألم: ويش يا رفيقي؟!

1 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email