الراقص المتمرد على السلطات

اللوحة من أعمال الفنان حامد البوسطة

أحمد البوسطة.. المشاغب الذي حسبته الشخص العابر في بادئ الأمر، فما إن هب بالمرور من جهتي وهو يخرج متأبطا دخانا كثيفا، حتى أفسحت له الطريق بحركة عفوية في ممر جريدة الأيام الضيق، فلم ينس أن يخصني بابتسامة وأتبعها: (مشكور رفيقي) كما لو أني أملك ذلك الممر، وأنه يعرفني من زمن، فتعلق معه، تعرف حينها أن هذا النابض بالتمرد ليس مثل العابرين الكثيرين في الصحيفة.

تستطيع أن تميِّز صوته من (قسم الخارجي) - ونحن نجلس في قسم المحليات في مبنى الأيام القديم- فهو الوحيد الذي لا يتسلل صوته بل يأتيك بغتة كجارح فنعلم أن ليس ثمة خلاف أو عراك إنه البوسطة يحاول التعامل مع أكاذيب أخبار الوكالات ومتطلبات واقع النشر اليومية، سيصبح هذا الصراخ لاحقا الدرس الناجز في كيفية المحافظة على جذوة المهنة مزدهرة داخل أرواحنا، المهنة بمعناها العميق والرصين.

لم يسدِ أحمد البوسطة نصيحة لأحد بل لعلي أزعم بأنه كان ضد فكرة النصيحة المهنية أو حتى الفكرية، كان يقاوم الأجوبة الجاهزة بالأسئلة الساخرة مرة والغاضبة في أغلب الأحيان، كان يقاوم كل أشكال السلطات .. السلطات بمعناها المبدئي الشامل. كان يمارس مهنته ويطرح أفكاره كصعلوك لكنه من حيث يعلم حافظ على تطابق ما يقول ويدعي، مع سلوكه في الحياة حيث عالج الفجوة مبكراً وهذا ما يجعلني أثق في أن البوسطة لم يندم على شيء لأنه عاش كما أراد أن يعيش وكما آمن، وهو ما لم يستطع علاجه أغلب أبناء جيله والأجيال التالية.

كما تمكّن البوسطة من التمرد على بريستيج الموسوعية الثقافية التي كانت رائجة بين جيل الخمسينيات ليثيروا إعجاب الأجيال السابقة وليجدوا لهم مكانا بينهم، نظر لها بوصفها سلطة ينبغي التمرد عليها لأنها ستحرمه من حقه في حب الصحافة والكتابة الصحافية كتخصص لا شريك له، فتمكن من أن يكتب المقال والتقرير والأخبار بصورة مهنية ملفتة ومخلصة، سنقف عندها مطولاً حينما نسترجع درس الصحافة في البحرين.

فاجأني البوسطة في مطلع القرن الجديد وهو يرقص ويغني أمام باب جريدة الأيام تاركا أنغام أغنية وطنية تتدفق من سماعات سيارته البسيطة، ويدعوني لمشاركته، فقلت له أليس من المبكر أن نبدأ الاحتفال.

فرد علي: (اسمع الموسيقى بقلبك وليس بعقلك لئلا تشوه اللحظة فنحن نستحق أن نرقص فرحا بعد الرقص الطويل مذبوحين من الألم)، كانت النصيحة الوحيدة التي بادرني بها البوسطة ولا أزال أشم رائحة الدخان الهائل الذي كان ينفثه في تلك اللحظة، ولعمري إنها كانت رقصته الأخيرة.

أي نقد لاذع سيقترحه البوسطة على الواقع الصحافي في البحرين وهو يذهب إلى (سرير الأرض) -مفترشا موهبته، مهنيته، إنجازاته، ومؤهلاته الجامعية - عاطلا عن العمل خاليا من أي ضمانات، ونحن نسمع كل يوم ملء الآفاق الدعم الرسمي للصحافة والصحفيين عرفانا بجهودهم وتضحياتهم ودورهم!!.

يقول محمود درويش في رثاء ممدوح عدوان: (الشرف؟ يسأل المترجم: ما معنى هذه الكلمة؟ فلم أجدها في الطبعات الجديدة من المعجم)، فما الذي لن نجده في المعجم بعدك يا أحمد.



2 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email