رحيل على جرعات الألم والأمل


كان يبادر بتحية مميّزة لكل أصدقائه وزملائه اليساريين واليمينيين والإسلاميين: "ويش رفيقي"، وهو يتحّرك من مكتبه في استراحة قصيرة بعد جولة تجميع وإعداد الأخبار الخارجية التي يلتقطها بين الفترة والأخرى بصحيفة الأيام في تسعينات القرن الماضي، متجها إلى الكفتيريا لشرب فنجان شاي مع السيجارة التي تتضاعف أعدادها مع (الرفاق) الذين يتصادف وجودهم لنفس الغرض. في الممر الطويل المؤدي إلى الكفتيريا في مبنى الجريدة القديم بالجفير، يُلقي نكتة على من يصادفه في نفس الاتجاه، ثم يطلق قهقهاته المعروفة بصوتٍ عالٍ يسمعها الجميع .. ولابد أن أحدهم يفصح: إنه البوسطة.

يواصل طريقه وهو يردد أغاني فرقة الطريق العراقية، وخصوصًا النشيد الأممي الشهير، الفرنسي الأصل، المترجم إلى أكثر من مائة لغة.. يردد شطرًا واحدًا من المقطع الأول:

"هُبُّوا ضحايا الاضطهاد

ضحايا جوع الاضطرار

بركان الفكر في اتّقاد

هذا آخر انفجار

هيا نحو كل ما مر

ثوروا .. حطّموا القيود

شيِّدوا الكون جديدًا حرًّا

كونوا أنتم الوجود..

بجموع قوية..

هبّوا لاح الظفر..

غدُ الأممية

يوحّد البشر.."

(2)

هو أحمد البوسطة، أبو فهد، ابن رأس الرمان، ابن البحرين، لاعب منتخب البحرين لكرة القدم، مدرس وناشط في شبابه ومناضل وطني وقومي وأممي حتى مماته، رحل عن دنيانا يوم الثلثاء السادس عشر من يونيو 2020 بعد صراع مع مرض أقعده سنوات في الفراش، وكان متمسكا بكل مبادئه دون أن يتنازل عنها أو عن بعضها، بغض النظر عن رأي البعض منا في تلك المبادئ والآراء. يغادرنا أحمد على جرعات بطيئة مؤلمة حتى الثمالة، لكن هذا المرض لم يتمكّن من روحه المرحة ونفسيته المتقدة حبًّا للحياة على عواهنها. رأى فيه البعض أنه مشاكس ومشاغب، بل وذهب بعضهم بعيدًا بالقول أن البوسطة "ضارب الدنيا بجوتي"، كما يقال شعبيًا، أي غير مكترث بتقلبات هذه الحياة، وقد دفع الثمن غاليًا هو وعائلته التي تستحق التحية والتقدير لوقوفها وصبرها الجميل معه في أوجّ مرضه الملعون في أحلك الظروف القاسية.

التقيت مع البوسطة لأول مرة في صحيفة "الأيام" نهاية عام 1992 بعد عودتي إلى البحرين وبدء عملي المهني في الصحيفة. وبسرعة عقدنا صداقة شبه دائمة نظرًا لمعرفة بعضنا البعض، عن بعد، إبان الحركة الطلابية البحرينية وفروع الاتحاد الوطني لطلبة البحرين في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. وبعد أن جارت الدنيا عليه وغادر للعمل في الإمارات، التقيت معه على عشاء في منزله بالشارقة بحضور الأستاذ عبدالجليل النعيمي والدكتور حسن مدن، حيث كان الثلاثة يقيمون هناك هناك قبل الانفراج الأمني والسياسي.

(3)

رشيق هو قلم البوسطة. يمضي كالمشرط يشرِّح جسد الواقع، لذلك مُنعت له الكثير من المقالات في الصحافة المحلية والخليجية. أذكر أنه وبعد صدور العدد صفر من مجلة "الديمقراطي" في فبراير 2003، وهي مجلة شهرية كانت تصدر عن جمعية العمل الوطني الديمقراطي "وعد"، وكنت رئيس تحريرها حتى مايو2006، وقد كان أحمد في قائمة الكتاب المقترحين للكتابة في المجلة. كتب أول مقال له في "الديمقراطي" بالعدد الخامس- اكتوبر 2003، وكان بعنوان "معايير..ليس إلا.."، تحدث فيه عن حرية الصحافة باعتبارها "المحك، أو المقياس – الترمومتر أو المعيار لجميع الحريات الأخرى، وأي انتهاك لها هو المؤشر الأول على تشظي الحريات العامة". وفي يونيو 2005 كتب البوسطة مقالا بحق "الوسط" و"الديمقراطي" مجلة وعد : "وجدت فيهما متنفسا لحرية التعبير من دون قيود أو وصاية أو تدخلات من أي كائن وشعرت للمرة الأولى في حياتي الصحافية أنه لا يوجد سلطان على الكاتب فيهما إلا ضميره".

(4)

يعيد بوفهد دندناته التي كان يرددها في الأيام، في البهو الواسع القريب من مكتبه في صحيفة "الوقت" بحياتها القصيرة المؤسفة (2006-2010) مع زملاء أغلبهم كانوا في "الأيام" يعرفون الجزء الأكبر من نكاته وطقوسه اليومية، بما فيها طقوسه الرمضانية، لكن قهقهاته في "الوقت" تتمتع بصدًى عالٍ تمنحها طبيعة المبنى ترددات متتالية تعلي من أصل الصوت. لم يتردد العاملون في "الوقت" من توكيله وزميل آخر بتمثيلهم في المفاوضات مع الإدارة التنفيذية الجديدة للصحيفة حول مسألة الأجور التي تأخر دفعها لعدة أشهر بسبب الأزمة المالية العاصفة.

"يا عشقنا ...فرحة الطير اللي يرد لعشوشه عصاري.. يا عشقنا من سوابيط العنب ونحوشه عصاري وكاعنا فضه وذهب واحنه شذرها وشحلات العمر لو ضاع بعمرها يا عشقنا يا عشقنا يا عشقنا".

يعشق البوسطة العراق بناسه وفنِّه، ولا يردد كلمات وألحان غيره من الفنون إلا قليلا، فالعلاقات بين البحرينيين والعراقيين مميزة على مدار الزمن وفي كل الأوقات، خصوصا في الحركة الطلابية وفروع المنظمات التي تنشط بين الطلبة في الدول العربية والأوروبية والاشتراكية. ولعشقه العراق، غاص البوسطة في الكثير من تفاصيل حياته وتاريخة، فحصد معرفة بما قرأه وما سمعه من رفاقه العراقيين. قبل خمسة عشر عامًا، وتحديدًا في 15 يونيو 2015، كتب أحمد البوسطة مقالا في صحيفة الوسط البحرينية عنوانه "بحرٌ يدفن بحرًا"، لم يفوّت فيه فرصة إدخال العراق وهو يتحدث عن العفريت البحريني "لمسلسل".. كتب في مقطع من المقال:

"و..لمسلسل هذا عفريت من عفاريت البحرين، ويبدو أنه اختراع رأس رماني، شأنه شأن "طنطل العراقي" الذي يسكن في الجنوب بحسب الحكايات العراقية، فـ "طنطل" قبيح الوجه، ضخم الجثة والقامة، وله رجلان كبيرتان، ومن فرط ضخامته يضع رجلا على ضفة النهر والثانية على الضفة الأخرى ويلتهم كل شيء أمامه، فيخيف الناس، والناس تهابه وترتعد كلما سمعت سيرته".

(5)

ربما يأتي اليوم الذي يُنصَف فيه الفقيد أحمد البوسطة، المحترق عشقا في وطنه، بعد أن قسى عليه الزمن كثيرًا كثيرًا كثيرًا، كما فعل البعض منا شيئا من ذلك. في تلك الأجواء الصعبة عليه، وبعد أن أسرَّ لي صديق مشترك عن حاجة أحمد للعمل، اقترحت الأمر على الراحل عبدالرحمن النعيمي، وكنا وقتها قد أسسنا مع بعض الرفاق المركز الوطني للدراسات. وافق النعيمي فورا وأخبرتُ أحمد بحاجتنا له في المركز. في اليوم التالي، فاجئني النعيمي بصرف مبلغ من المال قبل أن يبدأ أحمد، مع أن وضع المركز المالي "مش ولابد"، لكنها مناقبية النعيمي واعتبار ذلك واجبا إنسانيا بالدرجة الأولى وليس مِنّة. يقول الصديق المشترك أن أحمد بكى مساء ذلك اليوم. وحين جاء الوقت المناسب وكانت صحيفة الوقت على وشك الصدور، مارس النعيمي علاقاته الطيبة مع إدارة "الوقت"، فكان للبوسطة ما أراد بعودته إلى عرينه الصحفي، واشتغل مهنية بعمله في صحيفة محترمة أبدعت بحرفنة، لكنها نُحِرت في بداية الطريق يوم الصحافة العالمي من عام 2010.

رحم الله أبا فهد، فقد غادرنا على جرعات طويلة الأمد من القهر والألم وطموح جامح للعيش في وطنٍ حرٍ لا يرجفُ فيه الأمل...وسيأتي.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email