شيء من مُحْكَى أحمد .. ليس على سبيل الرثاء


نحن عامة ميالون إلى أن نرى الإنسان قويا وفاتنا. يصعب علينا - مهما ادعينا التكيف - أن نراه في حال غير ذلك. عاجزا ومسكينا. وما أن يسقط أحدنا فريسة المرض أو الإعاقة حتى ننظر إليه عن بعد بعين التمني والشفقة. حتى أكثرنا علمانية حتى لا أقول إلحادا يبدو قدريا مستسلما لمصيبة الجسد يندب حظ المصاب. أين يذهب إيماننا بقوة العلم؟ هل هذا الولع بالقوة والصحة والعافية النشطة فيه جينات جدنا الأكبر جلجامش؟ ولا خلاص لنا منه؟ كان جلجامش سعيدا مرحا بصحبة أنكيدو في الحرب والحب و في العمل والفراش.

لكن ما أن أصيب أنكيدو بمرض غامض حتى يئس جلجامش من شفائه وأخذ يعوي كحيوان طفل. ينتف شعر رأسه ويضرب صدره. حتى ملأ صراخه برأري العالم. هذا ما نختلف فيه عن الغرب. هناك لو كان الإنسان مقطعا لكنه حي لجلسوا يصغون إلى كل قطعة من جسده. لو كان أحمد أوروبيا لما مات حتى يستنفدوا كل وسيلة لمشيه. أو استنطاقه حتى يبوح بسيرته كاملة وحقيقية لا ظنية. شاهدت أكثر من مرة معاقا أوروبيا بلا أطراف يحاضر للأصحاء في عقيدة التحدي!!. هل يمكن ألا نكون بهذه الدرجة من التسليم والانهيار؟ لا أعتقد. لأنه في أكثر من مثال رأينا أحبتنا يذوون ويموتون ليس ميتة واحدة بل عدة ميتات كما كان أحمد يموت كل يوم. كأنني أسمع امرؤ القيس يقول متحسرا وهو في مرضه: (وما خِلتُ تبريحَ الزمانِ كما أرى / ‏تضيق ذراعي أن أقوم فأَلبسا ‏فلو أنها نفسٌ تموت جميعةً / ‏ولكنها نفسٌ تساقط أنفسا!!) فلم نحسن أن نفعل لهم شيئا. بل ولا أن نسمع منهم حكاية لا تعوض. لا تسيئوا الظن. هذه ليس دعوة للذنب ولا لجلد ظهور هي أصلا نالت كفايتها من سياط الجحيم. هي فقط دعوة للتفكير. فحين نستشهد بتغريدة مضى عليها خمس سنوات كتبها شخص كان حيا بيننا وقادرا على الكلام ولم يصب بعد بالصمم مثلا او البكم فهذا يعني أننا بعيدون عنه إلى هذه الدرجة. أكاد أرى في أحمد مستقبل ما سيؤول إليه كل واحد منا، أعني نحن بالذات ماكينات الكلام حين نصاب بعطل محتمل.

لا أدري إن كان أحمد شيوعيا فربما كان كذلك. لكني عموما ميال دائما إلى عدم تصديق ما يصف الإنسان نفسه به. من يحتاج إلى أن يصف نفسه بأنه اسلامي أو شيوعي فهو ليس كذلك. الكلام هنا يخفي ازدحام الانتماءات قي داخله أكثر مما يشير لانتماء بعينه. شخصيا أحسب أحمد وجودي النزعة مصابا بالشيوعية. أقول النزعة الوجودية لأن الهوية في نظري تقاس بما ننزع إليه لا بما نحن عليه فعلا. ولا أعلم أصلا إن كان هو قد قرأ في الوجودية لكنه كان يتمثلها حقا.

تلك الحياة العاصفة التي في عمق اكتراثها بالآخر هي حياة فردية مستقلة إلى أبعد الحدود. تلك النزعة التي لفرط إيمانها بالحياة وصلت إلى اعتبارها مجرد تجربة ليس إلا. بل إلى حد اعتبارها عبئا. إلى حد أن أحمد كان بقليل جدا من الاهتمام بصحته وذاته وتجرع دواءه بانتظام كان يمكن ألا يصاب بما أصيب به لاحقا ما جعله نصف جسد حي. برغم أن أحمد لم يكن بوهيميا كما قد نتصور.

لكن تلك النزعة إلى طريقة (مش العزا) كما يقول مثلنا الشهير، تغلب عليه. بالنسبة لي لم يكن احمد الذي عرفته بدءا عن بعد هو كذلك. كان أول تعرفي عليه في تسعينيات القرن العشرين عن بعد من خلال مقالاته بجريدة الأيام في سلسلة يقارب فيها إشكاليات البطالة بدأب واستمرار كمن يصر على إيصال رسالة دونها جدار لا يخرق. كان ثمة إكراهات - ضمنية على الأقل - تلك الفترة تستدعي الاصطفاف إما مع الحراك الديني السياسي وهو ما لم احمد يؤمن به بحكم شخصيته أو مع الحكومة وهو أيضا ما لم يكن أحمد سيفعله أو البقاء على حياد ما و الاكتفاء بمراقبة الأمور وهو ما لم يكن أحمد الوجودي النزعة ليقبل به.

في هذه الفترة بالتأكيد شهد اليسار البحريني انقساما فكريا حادا لا زالت آثاره حتى اليوم بين مجموعة اندمجت كليا فيما سمي بحركة العريضة الشعبية وبين مجموعة ارتأت أن الإسلام السياسي لا يقل خطرا عن الاستبداد. في وسط هذه التقاطعات اختار أحمد أن يكتب مقالا محليا جدا مع أنه لم يكن يشغل تلك المهمة في الجريدة إذا ما عدنا إلى سيرة مقالاته السابقة منذ انضم الى الجريدة.

سنظلم أحمد كثيرا جدا إن اعتبرناه مجرد معارض فهو ليس كذلك. وبالتأكيد لم يكن مواليا. لقد كان أحمد وكفى. ثم قرأت أحمد بجريدة الوقت فترة صدورها. سيكون تعرفي الثاني إلى أحمد عن قرب عندما قررنا نحن كمجموعة من الإعلاميين والكتاب في مارس ٢٠١٢ وعلى إثر تداعيات ألمت بالجسم الثقافي والصحفي والأعلامي بعد ٢٠١١ قررنا تأسيس ما أطلقنا عليه مجموعة بحرين ١٩ تيمنا بالمادة ١٩ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الخاصة بحرية التعبير.

منذ البداية اخترنا اسم مجموعة لا جمعية ولا جماعة. وكان أحمد ملازما لنا في كل أنشطتنا في أكثر من موقع. رأيت في أحمد ذلك الشخص الذي كنت احترمه. تلك المعارضة الصارخة لكن بشيء من البرود الذكي والإصغاء. او لأقل تلك المسايرة الممانعة كما نبهر الطعام عند الحاجة بالقدر اللازم من الفلفل دون زيادة أو نقصان. اللازم فقط. حتى في تعامله مع أقسى حالات الاحتجاز الأمني. لم يكن يتحدث بحقد أو ازدراء عن رجل أمن. كنا من حوله نشاهد عبثه أو عدميته ربما سعداء بما هو عليه!!.

كنا نرى في تمرده الوجودي ما يشبع رغبة دفينة في داخل كل منا لأن يكون كذلك. لكن نحن تمنعنا قيود المنطق والعقل والخوف. تلك القيود التي لم تكن تعني لأحمد شيئا إطلاقا. لقد كان يعوض ما لا يستطيع كتابته من غضب بأن يحياه. كان دائما غاضبا من شيء ما، مبتسما مع ذلك. زرته في المستشفى مع زملاء مجموعة بحرين ١٩ في بداية محنته التي أدت لاحقا إلى بتر نصف جسده تقريبا قبل العملية.

قلت يومها لا خوف على أحمد فهو قوي. قالت إحدى الموجودات معلقة: وإذا كان قويا لم لا يملك العزم على الالتزام بانتظام في تناول الدواء،؟ كان سؤالها ذلك مثل قنبلة في أذني. هل كان علي أن أحذر أحمد من عبثية تأخذه إلى قتل نفسه. التدخين. التعب. ترك الدواء. أم علينا معا كان ذلك واجبا اخلاقيا؟ هل يجب أن أشعر بالذنب لأني حسدت أحمد على هذه البوهيمية التي ضَمِنْتُ لنفسي مكانا بعيدا عنها؟ كانت الزيارات الأخرى في بداية خروجه من العملية مبتورة اطرافه. وجدت فيه لا تزال التماعة ذلك اللا اكتراث المعهود برغم صعوبة تلك اللحظة. قال لي البعض إن الإنسان إذا بترت أطرافه يظل الدماغ إلى فترة طويلة نسبيا يعطي إشارة بوجودها!! ثم زرته مرتين أيضا في منزله مع المجموعة ذاتها. كان طريح الفراش تماما ومع ذلك قويا و ساخرا إلى أبعد الحدود. مع حزن وانكسار لا تخطئه العين.

تجدد الأمل حين قيل إن تركيب أطراف صناعية في ألمانيا أو إيران لا يكلف الكثير وأن العمل جار على دعم عملية كهذه. كان حرمان أحمد من الحركة بالنسبة لي يعادل حرمان بيتهوفن من السمع. كان أكثر ما يؤلم بيتهوفن ليس الصمم بحد ذاته لكن أن يصاب به وهو كموسيقار الأكثر حاجة إلى السمع.

أي عبث هذا؟ أحمد الأكثر استمتاعا بالحركة والنشاط الدائم هو الذي تبتر أطرافه السفلية. حقا كان ذلك مرعبا. لم ينجح مشروع فكرة تركيب أطراف صناعية له لأسباب قيل أنها تتعلق بحجم الجزء المبتور. كنت قد شاهدت عداء الأولمبياد الجنوب إفريقي بيستوريوس يتأهل للنهائيات باستخدام أطراف صناعية متفوقا على عدائين سليمين!!. ظننت أن ثمة أمل لأحمد ربما. لكنه لم يكن. لا أتذكر متى كانت آخر زيارة له في بيته مع مجموعة بحرين ١٩ في مناسبة يوم الصحافة العالمي ٣ مايو. أكثر ما يحزنني جدا في فقده أننا لم نستفد في حياته من قدرته المذهلة على التذكر وعلى رواية التفاصيل. كنا لو فعلنا ذلك وبدون تصنيف مسبق لهوية الرجل، لكان لدينا (مسند أحمد سياسي وإعلامي وإنساني) و لاستمتعنا بكتابة سيرة بحريني عاش على تخوم الإيديولوجيات وعاصر أكثر من مرحلة بكل مخاضاتها وكان سيمثل لنا زادا لا ينفد في معنى أن تكون بحرينيا. لقد خسرنا أحمد جسدا. وها نحن نخسره حكاية كبرى. ولا عزاء لنا.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email