"ويش يا رفيقي".. أحمد البوسطة سلاماً



صورة أخرى لصحافي مهني..

مخلص في عمله توارت خلف صورة منمطة ..


في صيف العام 1975، كان الراحل أحمد البوسطة ضمن لاعبي منتخب البحرين لكرة القدم المشارك في بطولة قارية في طهران جنباً إلى جنب مع من سيصبحون لاحقاً نجوم الكرة البحرينية وعلى رأسهم حارس المرمى الأسطوري حمود سلطان الذي أعجز أبرع نجوم وهدافي تلك البطولة من منتخب العراق وهما "كاظم وعل" و"آرا أمبرسوم" حتى الدقائق الأخيرة من مباراة صعبة ومثيرة فاز بها العراق بهدف يتيم جاء بشق الأنفس.

أقام الفريق معسكرا تدريبياً لمدة 15 يوماً في فندق "سفيدي كناري" في ميناء بندر بهلوي مطل على بحر قزوين الذي يفصل أذربيجان الإيرانية عن أذربيجان السوفيتية في ذلك الوقت، قبل الانتقال إلى شيراز لخوض غمار البطولة.

كان من الممكن أن يوالي الشاب أحمد البوسطة نجم فريق رأس الرمان مسيرته في كرة القدم مثلما هي الحال مع بقية زملائه في ذلك المنتخب، فلقد كان أحد نجوم فريق رأس الرمان في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ممن كان جمهور النادي يؤثرونه باسم التدليل.. "حماد". لكن الدروب تباينت والمصائر اختلفت عندما اختار حماد الدراسة الجامعية وتوجَّه إلى الاتحاد السوفيتي لهذا الغرض بعد شهور قليلة من تلك البطولة، وللمفارقة بدأ الدراسة التحضيرية للغة الروسية في باكو عاصمة أذربيجان، أي على الضفة الأخرى لبحر قزوين المقابلة حيث كان مع زملائه اللاعبين قبل شهور].

هكذا ترتسم أولى ملامح مسيرة حياة البوسطة باختيار يرتبط بالتحدي قليلاً. فالدراسة في الاتحاد السوفيتي أو روسيا وقتذاك لم تكن مثلما هي اليوم، مجرد خيار أكاديمي بحت، متاح وسهل، بل كان اختياراً سياسياً بالدرجة الأولى وتحديا لا لسلطات الدولة بل لسلطة المجتمع وثقافته التقليدية إلى حد كبير.

لقد ظل التحدي والصعاب متلازمين في حياة أحمد البوسطة، فالعمل لم يكن خيارا سهلا في البحرين عندما عاد من دراسته في ذلك الوقت بشهادة الماجستير في الصحافة، يكفي أنك آت بهذه الشهادة من بلد كان يصنّف في خانة الأعداء في تلك الأزمان وينظر إلى من درس فيه بالكثير من التوجس والريبة. لقد كان خريجو الاتحاد السوفيتي في تلك الأيام يعانون كثيرا في الحصول على وظائف بعد تخرجهم حتى لو كانوا أصحاب تخصصات نادرة.

كانوا بعد انتظار يمتد لسنوات احياناً، لا يجدون من مفر سوى الشكوى عبر الصحف اذا سمحت الفرصة. هكذا، كتبت عن بعض هؤلاء في ثمانينيات القرن الماضي عندما كنت أعمل في أخبار الخليج وكان جلهم خريجي كليات طب وبعضهم درس على أيدي أشهر طبيب وجراح عيون في العالم سايتوسلاف فيدروف. لقد نال البوسطة ما نال أصحابه من خريجي الاتحاد السوفيتي من صدود وأبواب مغلقة، لكنه لم ينتظر بل قرر التوجه إلى الإمارات.

استقر في الإمارات وعمل في صحافتها لسنوات عدة وأصبح له معارف وأصدقاء هناك، وعاد للبحرين أواخر الثمانينيات، لكنني لم ألتق به وأتعرف عليه عن قرب إلا عندما جمعنا العمل سوياً في صحيفة "الأيام" التي انضممت لها في مايو 1990 فيما سبقني هو إليها إذ كان من الفريق الذي أسس الصحيفة التي انطلقت في مارس 1989.


مهنية

تسمو على العواطف


وفيما كان ذهني يحمل صوراً مغيمة للاعب شاب في ملاعب كرة القدم البحرينية في منتصف السبعينيات، كان هو قد غادر حماد اللاعب وغدا الصحافي والمثقف القادم من خلفية سياسية راديكالية صلبة. لقد أهله ذلك بالطبع لكي يبرع في عمله في أقسام الشؤون العربية والدولية في الصحف التي عمل فيها سواء في الإمارات أو البحرين، لكن ليس قبل أن يمر في أطوار نكاد نمر فيها جميعا في عملنا الصحافي.

كانت واحدة من ملامح الظرف والطرافة في شخصية حماد تتجلى في موقف متكرر عند فرز الاخبار من مكائن "التليبرنتر" المعروفة لدى صحافيي الشؤون العربية والدولية باسم "التكرز" التي كانت الصحف وقتذاك تستلم من خلالها أخبار وكالات الأنباء. فإذا كان البوسطة هو من سيتولى عملية الفرز في نوبة العمل الأولى بالقسم، يحدث أحياناً، أن نصف الأخبار التي ستخرج من الوكالات ستجد طريقها إلى سلة المهملات والتفسير بسيط: فكل خبر مرتبط بشخص أو بلد لا يحبه البوسطة أو لا يتفق مع سياساته، سيرميه في سلة المهملات دون أسف. فيما بعد سيكون المشهد الكوميدي المتكرر هو تقليب رئيس قسم الشؤون العربية والدولية في "الأيام" وقتذاك الزميل العزيز سامي الرزاز في الأخبار التي تم فرزها وعلامات دهشة تعلو محياه لقلتها قبل أن يتساءل: "مين فرز الأخبار النهاردة؟ البوسطة؟" قبل أن يغرق الجميع في الضحك.

يمكن رد هذا التفصيل الطريف إلى حدة لم نسلم منها جميعاً في يوم، لكن البوسطة كان بارعاً في عمله وبإمكانه أن يغطي صفحات الشؤون العربية والدولية لوحده بالأخبار والتقارير المحررة بلغة صحافية احترافية وأن يزيد عليها بمقال أو افتتاحية ايضاً. وكان يملك من الإخلاص في العمل ما يجعله يترك إجازته ومنزله ويهرع إلى الصحيفة في أي طارئ أو متى ما سمع من متابعاته عن تطور أو حدث ما مثلما فعل عشية غزو الكويت في 2 أغسطس 1990 ويوم الإعلان عن انهيار الاتحاد السوفيتي في فبراير 1991 الذي تابعه من خلال محطات الإذاعة الروسية. فلقد جاء مسرعاً إلى الصحيفة وتولى تحرير نصف إن لم يكن أكثر من المواد الأخبارية التي نشرتها الصحيفة عن ذلك الحدث التاريخي في بلد درس فيه وأحبه وارتبط به عاطفياً. لكن المهنية تسمو على العواطف، هنا، يتكشف جانب ظل متوارياً في شخصية البوسطة بالنسبة للكثيرين يتمثل في مهنيته العالية وإخلاصه في العمل.


كاتب

المقال والافتتاحيات


أبعد من هذا، كان كاتب مقال وكاتب افتتاحيات جيداً. لقد قرأ الجمهور افتتاحيات كتبها البوسطة لكن لم يتسن له معرفة الافتتاحيات المكتوبة بقلمه لأن الافتتاحيات عادة ما تنشر باسم الصحيفة وليس باسم كاتبها. لم يكن من ذلك النوع الذي يتهرب من مسؤوليات العمل بأي حجة ولا يتحايل بأي شكل ولا يخترع الاكاذيب والأعذار لإلقاء المهمات وأعباء العمل على الآخرين، بل كان يحمل الأعباء عن الآخرين بكل أريحية ولا يترك العمل إلا بعد ان يكون قد أنجز كل مهماته على أكمل وجه. هكذا، ففي ليلة صدور العدد الأول من صحيفة "الوقت"، قضى حماد تلك الليلة في مبنى الصحيفة.

تلك صورة أخرى لا يعرفها كثيرون عن حماد الذي أصبح أسير صورة نمطية اشتهرت عنه وسط أصدقائه ومعارفه والصحافيين ونخبة المثقفين يتداخل فيها الثبات على الرأي والتمسك به بالعناد والصلابة مع لازمة تربطه بما يعتبره الكثير من هؤلاء موضة قديمة وهي يساريته.

في صحيفة "الوقت" عمل طيلة السنوات الأربع لصدورها رئيساً لقسم الشؤون العربية والدولية مع زميلين فقط هما أبو ذر الغفاري حسين وفيصل عبدالله، وكان هذا أقل من نصف العدد الطبيعي لمحرري الشؤون العربية والدولية في أي صحيفة، لكن هؤلاء الثلاثة كانوا يغطون 4 صفحات يومية من صفحات الشؤون العربية والدولية بالإضافة إلى ملحق سياسي أسبوعي من ثماني صفحات، يضاف إليه مقال أسبوعي في صفحات الرأي. لقد صادف كثيرا في أيام أن يعمل حماد وحده في القسم إذا ما خرج أحد زميليه في إجازة وكان الآخر قد عمل في وقت مبكر ليتسلم هو مناوبة الليل.

مثل هذه المهنية والإخلاص في العمل بات نادراً في صحافتنا التي غلب عليها الاستسهال مع ضعف كبير في مهارات محرري قسم الشؤون العربية والدولية بشكل خاص وباقي الأقسام تباعاً. إنها خصال تكشف عن نوعية من الصحافيين ومن البشر عموماً سرعان ما تجعلهم يتحولون إلى ضحايا جاهزة في وقت لاحق. وإذ كان البوسطة من النوع التلقائي في ردود فعله ويتميز بالنقاء وصفاء النية، فإن تعبيره عن آراءه وبشكل صريح وتلقائي دون خوف أو وجل وبقليل من الدبلوماسية، أنسى جميع من حوله مهنيته وقدراته وجعلهم يربطونه فقط بما يعبر عنه من آراء وباندفاعه في قول ما يعتقد دون مجاملة.


تلقائية

واندفاع وعناد "راس رماني"


لكن تلقائيته هذه وسجيته الخالية من الخبث هي ما جذبني له رغم شيء من الحدة التي كان يعبّر بها أحيانا عن آرائه او عن ضيقه أو غضبه من موقف أو من تصرف ورغم الصورة النمطية التي رسمها له من حوله. من اقترب منه وعرفه جيداً، سيدرك أن تلك الحدة مضافا إليها العناد "الرأس رماني"، أمر يغدو مع الوقت والعشرة جانباً محبباً وباعثاً على الضحك والتسلية. لهذا، وفي الوقت الذي كان الآخرون يتحاشون النقاش معه تفادياً لرأيه الصريح، كنت أتسلى وإياه بهذا العناد "الراس رماني" ونحوله سوياً إلى دعابات وشفرات في أحاديث تأخذنا إلى كل شيء: إلى التاريخ والقصص الصغيرة من الطفولة وقصص رأس الرمان او المحرق أو طرائف الحياة في روسيا أيام الدراسة والنكات التي يلقيها بالروسية ويترجمها للعربية.

تلقائيته وشجاعته حد التهور أحياناً في التعبير عن رأيه، لم تجلب له سوى المعاناة. لقد تعرض حماد للغبن كثيراً، ولأن الخصومة الشريفة أمر نادر لدينا [تعبير ملطف عن مفردة غائبة]، فلقد لحقه الغبن كثيرا في رزقه ولم تفعل تلك الصورة النمطية عنه سوى أن عملت على أن ينسى الجميع مهنيته وخصاله في العمل والأهم أن هذه التلقائية والاندفاع في التعبير عن الرأي بدون مجاملة ليست سوى تعبير عن رأي لا أكثر.

مع العشرة والعمل تحت سقف واحد مجدداً في صحيفة "الوقت"، صار حماد الذي علمته تجارب العمر أن يخفف من اندفاعه في التعبير عن رأيه سواء في تفاصيل العمل أو في الحياة او السياسة، يغرق في شغفه الأثير. فلقد كان يعمل دون كلل في قسم الشؤون العربية والدولية ويتولى توزيع المهام بينه وبين زميليه ويحرر ملحقا أسبوعيا من ثماني صفحات ويتواصل مع مراسلي الصحيفة ويكتب مقاله الأسبوعي بشكل منتظم.

ومع العشرة ومرور الوقت، أصبحت عبارته الأثيرة التي اشتهر بها "ويش يا رفيقي" هي مؤشر وترمومتر حالته النفسية. ولأنه من النوع الذي لا يبرع في مواراة مشاعره، فلقد كانت نبرته وهو يلقي بعبارته هذه هي المفتاح الذي أفهم منه مشاعره بمجرد أن يلقي بها. فان كانت قصيرة ومختزلة، سألته: "ويش فيك يا رفيقي..؟". وان كانت طويلة تصحبها تنهيدة فرح وابتسامة بادرته "ويش حماد شكلك فرحان.. فرحنا وياك".

وإن هبط إلى مكتبي يشكو من أمر ما أو شخص ما، استمعت له حتى يصل إلى لحظة يلقي فيها بعبارات "راس رمانية" شهيرة ألفتها منه ومن المرحوم سلمان الحايكي تمثل خاتمة لفورة الغضب. لحظتها، يتغير مسار الحديث بكلمة طريفة او ساخرة، فمع مرور الوقت والعشرة، يدرك من عرفه جيداً أن فورات الغضب هذه ليست سوى عارض لن يلبث أن يزول ليحل محله أي شيء: الطرف والحكايات ولربما بعض من البوح المؤلم يتخفف به من آلام يكتمها.

أغلقت جريدة "الوقت" في مايو 2010 وتفرقنا وما عدنا نلتقي إلا لماماً. وما إن حل العام 2011، إلا وقادتني قدماي إلى الإمارات للعمل واستقرت أحوالي فيها. مرت بضع سنوات قبل أن يرن الهاتف النقال في مكالمة معتادة من صديق عزيز، وإذا به يبلغني أن شخصاً بقربه يريد أن يسلِّم عليًّ.. ثوان مرت قبل أن يرن في أذني صوت آتٍ من بعيد يهتف: "ويش يا رفيقي".. اذهلتني المفاجأة فهتفت معوجاً لساني بلكنة راس رمانية: "حماد.. شحوالك يا رفيقي".. كان كعادته يضحك ويوالي السؤال عن الصحة والأحوال.. بعد عبارات اطمئن كل منا على حال صديقه، مرر السماعة لثالث كان بصحبتهما فاذا به المرحوم فوزي الشاعر. من يومها غدت هذه المكالمة حدثاً متوقعاً استمر لبعض الوقت قبل أن ينقطع.

قبل أسابيع من رحيله، ألح عليَّ شعور باللهفة لمحادثته والاطمئنان عليه، لا أدري إن كانت تحوم حولي تعويذات ما، لكنني متأكد أنني كنت أود محادثة صديق عزيز أحبه وأقدره، لكن ها إني أرثيه مودعاً: "ويش يا رفيقي.. بتروح؟ حماد.... سلاماً وتحية أخيرة".


1 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email