عازف الناي



العازفونَ على الناياتِ قد مرقوا

لم يبقَ إلا رمادُ اللحنِ والورقُ

مَرُّوا على غيمةِ الصحراءِ وانهمَروا

عزفاً تراقصَ فيهِ الضوءُ والغسقُ

وغادروني على شطآنِ ذاكرتي

قلْ لي إلى أين أمضي أيها الأفقُ؟

خلفي ركامُ مواعيدٍ مؤجّلةٍ

ونصبَ عيني شراعُ الضوءِ يندلقُ

إنْ لم أثقْ بهزيمِ الرعدِ في رئتي

وبالأعاصيرِ في صدري .. بمن أثقُ؟

أنا المسافةُ ما بينَ الخواءِ وما

بين اكتنازِ الرؤى .. والبحرُ والشفق

أعرتُ جُنْحَيَّ للريحِ التي اندلعتْ

ودمعةُ الشمسِ نحوَ النبعِ تنزلقُ

وعندما جمحَتْ مزلاجُ نافذتي

فرّت عصافيرُ قلبي .. وهي تنعتقُ

وحين غنّيتُ عرّى النهرُ قافيتي

وصار حرفَ الرويّ الماءُ والودقُ

وحينما احترقتْ أوراقُ تذكرتي

أنا الذي كنتُ فوقَ الجمرِ أحترقُ

وحينما اشتعلتْ سيجارُ خارطتي

تثاءبتْ طرقٌ واغرورَقتْ طرقُ

فربّما غاصَ في أحلامِهِ أرِقٌ

وربَّ فارغِ همٍّ عضَّهُ الأرقُ

ظللتُ أمشي بخفٍّ واحدٍ سقطتْ

أقراطُ أذنيهِ، سهواً، وهو ينطلقُ

في النهرِ أفعى ولكنَّ الذي بيدي

قلبٌ يؤرجِحُهُ المرسى أو الغرقُ

أراقبُ الماءَ هل يُفضي بنهنهةٍ

وينفضُ الرملَ عن وجهي فأنهرقُ؟

لا تسألْ النايَ عن أسرارِ آهتِهِ

ما كلُّ بابٍ إذا فَتّحْتَ ينغلقُ

يا عازفَ النايِ .. خلفَ البابِ عاصفةٌ

تستأذنُ البوحَ، والمصراعُ يصطفقُ

لا تقرعْ البابَ، لا تزعجْ عناكبَهُ

فكلُّ مَن طرقوا .. في خيطِها علِقوا

لا تشحذْ القفلَ، في المفتاحِ ذاكرةٌ

مبحوحةُ الصوتِ بالأجراسِ تختنقُ

إنَّ الذين أراقوا ماءَ ذاكرتي

لو أنهم أوصدوا الحلمَ الذي طرقوا

جاءوا خِفافاً إلى صدرٍ حشاشتُهُ

سقفُ السماءِ عليها كادَ ينطبقُ

فليتَهم خَلدُوا للريحِ أو ثمِلوا

وليتَهم بفحيحِ الأمسِ ما نطقوا

فقلْ لمنْ سرقَ الأوتارَ من كبدي

ولم أزلِ لخريرِ اللحنِ أسترقُ:

لو أنَّ لي جهةً أخرى أروّضُها !

لو أنّهم، حين أخفَوا صاعَهُم، صدقوا !

————————

جعفر المدحوب

0 مشاهدة