كاندينسكي وشونبرغ : صداقة الفن والحياة


بقلم : أدرينا غيرلنغ



في عام 1911 كان الفنّان التشكيلي الروسي (فاسيلي كاندينسكي) Wassily Kandinsky يحضرُ، للمرّة الأولى، حفلاً موسيقياً في فيينا، بصحبة رفاقه في جماعة (الفارس الأزرق)، للاستماع إلى المؤلف الموسيقي النمساوي (أرنولد شونبرغ) Arnold Schoenberg .

موسيقى (شونبرغ) وُصفتْ بأنها لا مقامية، و أنها تتجاوز اللحنية التقليدية وثوابت الموسيقى الكلاسيكية.

يقول الفنان التشكيلي (فرانز مارك) في رسالة كتبها إلى الفنان التشكيلي (أوغوست ماكيه) يصف له موسيقى (شونبرغ) : "هل تستطيع أن تتصوّر موسيقى تختفي فيها اللحنية تماماً؟".

هذا الشكل الفني "الجديد" الذي ابتدعهُ (شونبرغ) استحوذَ كلياً على اهتمام (كاندينسكي)، فقد كان متأثراً بشكل محدد بنظريات (شونبرغ) حول الموسيقى، والتي قرأها باختصار في برنامج الحفل الموسيقى، وهي نظرياتٌ تتشابه في الواقع مع نظرياته حول الفن، كان متأثراً إلى حد انه كتبَ في نفس الليلة رسالة إلى (شونبرغ)، مع أنه لم يسبق له اللقاء به شخصياً، قال فيها :

" عزيزي البروفيسور (شونبرغ)، أعذرني للكتابة إليك دون أن أحظى بشرف معرفتك الشخصيّة، لقد حضرتُ للتو حفلتك الموسيقية هنا، ومنحتني متعة حقيقية. بالطبع أنتَ لا تعرفني، هذا لأنني لا أعرضُ أعمالي الفنية على الجمهور، ولم أعرض في فيينا منذ مدة طويلة. على أية حال، اننا نتشاركُ نفس الافكار والأحاسيس والأهداف التي نسعى إليها، فلقد استطعتَ أن تتوصلَ في أعمالكَ الموسيقية ما كنتُ أشعرُ به دائماً تجاه الموسيقى".

الملاحظة المقتضبة التي ظهرت في برنامج الحفل أصبحت جزءاً من مقالة بعنوان (التماثل الثماني والخماسي) كتبها (شونبرغ) ونشرها في (المجلة الموسيقية) . هذه المقالة كانت أيضاً فصلاً من كتاب كان (شونبرغ) يكتبهُ بعنوان (نظريات الهارموني) Theory of Harmony .

في نفس الفترة كتبَ (كاندينسكي) مقالةً بعنوان (الشكل والمضمون)، ويمكن ملاحظة حماسة (كاندينسكي) الشديدة لأعمال (شونبرغ).

لقد أبدى الفنان والمؤلف الموسيقي في كتاباتهما تعارضهما مع "الثوابت" التي أرساها النقاد الأكاديميون في الفن التشكيلي والموسيقى، مما أجبرَ الفنانين والموسيقيين على مواجهتهم.

حصل (كاندينسكي) على مقالة (شونبرغ) ، وترجمها إلى الروسية ونشرها مع مقالته، حتى دون أن يحصل على إذن للنشر من المؤلف الموسيقي، و من ثم أضافَ هوامش إلى أقسام مقالة (شونبرغ) .

هذه هي إحدى الملاحظات التي دونها (كاندينسكي) والتي ظهرت كهامش مع المقالة : " يؤمنُ (شونبرغ) بالحرية المطلقة، والإيمان العظيم بأهمية التطور الروحي " .

يمكن للمرء أن يلاحظَ مقدار الاحترام الشديد الذي يكنّه (فاسيلي كاندينسكي) لهذا الرجل ولأفكاره .

ارتبط (فاسيلي كاندينسكي) و (أرنولد شونبرغ) بصداقة حميمة، وتواصلا عبر كتابة الرسائل بشكل مستمر خلال الفترة من يناير 1911 إلى يونيو 1914.

(كاندينسكي) وصديقه (فرانز مارك) كانا يصدران مطبوعة خاصة بجماعة (الفارس الأزرق)، وينشران فيها الكثير من الكتابات. (كاندينسكي) نفسه كتبَ العديد من المقالات في نظرية الفن، وأعاد نشر مقالات كتبها أشخاص يكن لهم الاحترام العميق، أحدهم بالطبع كان (أرنولد شونبرغ ).

كثيراً ما كان يجري الحديث في مراسلاتهما الأوليّة حول مطبوعة الجماعة التي كانت تنشر مقطوعات موسيقية ورسومات (لشونبرغ) .

ورغم انهما كانا يتراسلان باستمرار، إلا أنهما لم يلتقيا إلا نادراً، وفي كثير من الأحيان كانا يعربان عن رغبتهما في لقاء الآخر، ولكنهما كانا مشغولين تماماً .

كان الصديقان متأثرين بأفكار بعضهما، فلا (شونبرغ) ولا (كاندينسكي) رضخا لشروط النمط الفني الواحد. (كاندينسكي) كان يجربُ باستمرار، ويدمجُ الفن التشكيلي بالموسيقى وبالرقص، وبدأ في تأليف الموسيقى لمقطوعات للمسرح الموسيقي (الليبرتو) أيضاً. والعمل الوحيد الذي بقى إلى يومنا هذا هو المعنون (الصوت الأصفر) الذي بدأ فيه عام 1909 .

وأبدى (شونبرغ) اهتمامه بالتأليف للمسرح الموسيقي، وبدأ في عام 1909 كتابة موسيقى درامية باسم (اليد المحظوظة) أنجزها في عام 1911، ويقال أن هناك تشابهاً ملحوظاً في العملين الموسيقيين .

في عام 1914 مع اشتعال الحرب الكونية الأولى عاد (كاندينسكي) إلى موسكو. خلال هذه الفترة كان معزولاً عن العالم الخارجي، وغير قادر على التواصل مع صديقه.

في عام 1922 عاد (كاندينسكي) إلى برلين حيث كان يقيم (شونبرغ)، لكنه أصيب بخيبة أمل حين عرف بأن (شونبرغ) عاد إلى فيينا. وبدأ في كتابة الرسائل إليه، ولكن هذه الرسائل سرعان ما توقفت، حينما أرسل (شونبرغ) رسالة في عام 1923 يعربُ فيها عن استيائه لما سمعه من أحد المعارف المقربين من أن (كاندينسكي) يتخذُ موقفاً معادياً للسامية، إلا أن (كاندينسكي) رد بسرعة مدافعاً عن نفسه، ومندهشاً من كون صديقه القديم يصدق مثل هذا الكلام. وتوقف الاثنان عن الكتابة إلى بعضهما.

في عام 1927، وأثناء فترة الإجازة، التقى الرجلان مرة أخرى وتصالحا، وبدءا في مواصلة صداقتهما، كأن شيئاً لم يكن. وكانت آخر رسالة كتبها (كاندينسكي) إلى (شونبرغ) مؤرخة في عام 1936 .






__________________________________________________

هوامش المترجم :


1 - فاسيلي كاندينسكي: هو رائد الحركة التجريدية في الفن التشكيلي، ولد في 4 ديسمبر 1866 في موسكو من عائلة ثرية ومثقفة. تعلم في صغره العزف على البيانو والتشيلو، درس الاقتصاد والفلسفة في جامعة موسكو. تأثر في بداية حياته بأعمال الفنان الانطباعي كلود مونيه وموسيقى فاغنر التي يقول عنها (أن موسيقى فاغنر اجتاحتني اجتياحاً عفوياً كان من العمق بحيث استطعت من خلالها أن أرى كل الألوان المحببة إلى قلبي بعيون روحي الهائمة في أرجاء المكان، وأن أبصر خطوطها المتوحشة التي أوصلتني إلى حافة الجنون من خلال حركتها وقدرتها على رسم عدد من اللوحات أمام ناظريّ). في عام 1892 تزوج من ابنة عمه آنا تشيمكيان. هاجر إلى ألمانيا في عام 1896 لدراسة الفنون التشكيلية وهو في الثلاثين من عمره. في عام 1903 بدأ يقيم علاقة سرية مع تلميذته غابريلي مونتير وكانا بانتظار إجراءات طلاق زوجته، ولكنه لم يتزوجها أبداً، وهجرها بعد علاقة عاطفية استمرت أربعة عشرة عاماً. مع عام 1911 أسس مع صديقه الفنان التشكيلي فرانز مارك حركة تشكيلية جديدة عرفت باسم جماعة (الفارس الأزرق)، وألف في ديسمبر من نفس العام كتابه (الروحانية في الفن المعاصر). في عام 1916 التقى نينا فون اندريفسكايا، وهي ابنة جنرال في الجيش الروسي، وتزوجها في العام التالي، وأنجبت له ولداً اسماه فيسفولد، توفى وهو رضيع في عام 1920. في ديسمبر 1921 غادر كاندينسكي وزوجته روسيا إلى الأبد وهاجرا إلى ألمانيا حيث حصل على الجنسية الألمانية، وعمل مدرساً في مدرسة (الباوهاوس Bauhaus (معهد الفنون والهندسة الألماني ) حتى إغلاقها في عام 1933 من قبل السلطات النازية التي أمرت بإزالة كل أعمال كاندينسكي من المتاحف الألمانية. في العام 1933 فر إلى باريس هرباً من المد النازي، وحصل في العام 1939 على الجنسية الفرنسية. عاش أخر أيامه قرب باريس معزولاً جداً في شقة صغيرة وتوفي في 13 ديسمبر 1944 بعد إصابته بتلف في أنسجة الدماغ الوعائية عن عمر يناهز 78 عاماً .

2 - أرنولد شونبرغ: هو أحد أعظم المؤلفين الموسيقيين في القرن العشرين، أحدث بنظريته الموسيقية (اللامقامية) ثورة حقيقة غيرت وجه الموسيقى في أوائل القرن العشرين، ولد شونبرغ في 13 سبتمبر 1874 في فيينا، أخذ دروساً في الكمان وهو في الثامنة من عمره. تتلمذ على يد أستاذه وصديقه المؤلف الموسيقى الكسندر فون زيملنسكي. في عام 1899 ألف مقطوعته المتميزة (الليل المتغير) لسداسي الآلات الوترية. في عام 1901 تزوج ماتيلدا، أخت زيملنسكي، وأنجبت له طفلين. سافر في نفس العام إلى برلين ثم عاد إلى فيينا في عام 1903 بعد أن حصل على وظيفة مدرس للموسيقى، والتقى برفيقيه المؤلف الموسيقي ألبان بيرغ والمؤلف الموسيقي أنطون ويبرن، وبرزوا جميعاً كرواد للموسيقى (اللامقامية). في عام 1907 قدم نظريتيه في "اللامقامية" و"فن الاثني عشر بعد نغمي" (تسمى أيضاً الموسيقى السريالية)، وكانت مقطوعته الرباعية الوترية الثانية أول استخدام لنظرية اللامقامية التي خلصت الموسيقى من سطوة المقام الطبيعي. خلال هذه الفترة بدأ يمارس الرسم ويعرض أعماله مع جماعة (الفارس الأزرق). في عام 1911 نشر كتابه المهم (نظرية الهارموني)، وقبل بوظيفة مدرس للموسيقى في برلين، وهناك ألف أحدى روائعه الموسيقية (المهرج الممسوس) Pierrot Lunaire . في عام 1915 عاد إلى فيينا وتوفت زوجته في هذه السنة فتأثر كثيراً لموتها. في عام 1924 تزوج غروترد كوليش، ونزح هو وعائلته إلى باريس في 1933 هرباً من المد النازي، وفي العام التالي هاجر إلى الولايات المتحدة وحصل على وظيفة مدرس موسيقى بولاية بوسطن وقاد أوركسترا بوسطن السيمفوني في عام 1934. ونظراً لاعتلال صحته انتقل في العام التالي إلى لوس أنجلوس على أمل أن يعمل مؤلفا موسيقياً للأفلام، ولكن بدلاً من ذلك عمل محاضراً في جامعة كاليفورنيا خلال الفترة من 36 – 1944. في عام 1941 حصل شونبرغ على الجنسية الأمريكية، لكنه في العام 1946 أصيب بجلطة في القلب كادت تودي بحياته، وتوفي في 13 يوليو 1951 عن عمر يناهز 77 عاماً .

3 - جماعة (الفارس الأزرق) Der Blaue Reiter أسسها فرانز مارك وكاندينسكي في ميونيخ عام 1911 ، وسميت بهذا الاسم لأن كلا الفنانين كانا يحبان استخدام اللون الأزرق في أعمالها، ونظراً لشغف مارك برسم الخيول، وشغف كاندينسكي برسم الفرسان. كانت الجماعة تضم الفنانين أوغست ماكيه، كوفكا، روبير ديلوناي، غابريلي مونتير، باول كلي، إلكسي جاولنسكي، هنريخ كامبندونك، وألفرد كوين. توقفت الحركة مع بدء الحرب العالمية الأولى بعد مقتل أغوست ماكيه في معارك منطقة الشمبانيا بفرنسا في 26 سبتمبر 1914، ومقتل فرانز مارك إثر انفجار مخزن للذخيرة قرب "فردان" بفرنسا في 4 مارس 1916 وهو في السادسة والثلاثين من عمره .

4 - اليد المحظوظة Die Gluckiche Hand : قصة مؤلفة للأوبرا، حول زوج وزوجته يستضيفان رساماً في بيتهما، وسرعان ما تقع الزوجة في حب الرسام، الذي يصيبه شعور بالذنب لهذه العلاقة، فيبدأ في حرق أعماله ويشنق نفسه. وهذه القصة شبيهة إلى حد كبير بحادثة اكتشاف شونبرغ خيانة زوجته ماتيلدا مع أستاذه الفنان التشكيلي ريتشارد غيرستل، الذي أقدم أيضاً على الانتحار بطعن نفسه وشنق نفسه أمام المرآة بعد عودة ماتيلدا إلى زوجها. شونبرغ هو أيضاً فكر في الانتحار بعد اكتشافه هذه العلاقة لكنه عدل عن هذه الفكرة وبدأ في تأليف أوبرا اليد المحظوظة في عام 1908.

5 - اللامقامية ) Atonality تعنى القضاء على إحساس المستمع بالمقامات الكبيرة أو الصغيرة، أي الاستغناء عن الدور الذي تلعبه الأصوات الأساسية للسلالم الموسيقية، والتي تسيطر على العمل الموسيقي، وكذلك القفلات التي تعتمد على الهارمونية للعودة إلى المقام الأساسي وإعطاء الإيحاء بالنهاية أو الاكتمال أو الاكتفاء وذلك لأن المقامات والأبعاد الموسيقية قد استنفدت أغراضها في العصور السابقة ولم تعد تساير الزمن الذي يسوده القلق والتوتر والحروب .


6 - نظام (الاثني عشر بعد نغمي) Twelve Note System أو الدوديكافونية، هو أحد الاكتشافات العظيمة في الموسيقى الحديثة، وهو فن يعتمد على أساس لا مقامي ورياضي، دون اعتماد المؤلف الموسيقى على الإلهام والقريحة، وبذلك صار بوسع المؤلف الموسيقي أن يستفيد من إمكانية ترتيب وتركيب الأصوات على نحو تراجعي أو جانبي أو مقلوب .

11 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email