غموض الضحكة المتعالية وسِرّها الدفين


أصدر الشاب البحريني محمد خلف روايته الأولى المطبوعة تحت عنوان "الضحكة المتعالية" وذلك في نوفمبر ٢٠١٩ عبر المؤسسة العربية للترجمة والبحث في بيروت.

هي رواية تمتزج فيها عوالم النفس الشعورية الواعية بعوالم لاشعورية، والفنتازيا والخيال والوهم، مع قيم ومواقف تحمل مشاعر اليأس والقبح والتشاؤم والقلق والجنون، والسخرية والضحك على أنظمة التفاهة في الواقع وفي العمل وفي العلاقات العابرة والعميقة. وأيضاً من خلال الجريمة والسجن والمصحّة النفسية والنظام القضائي. كل ذلك عبر حوارات واعية، لكن أغلبها حوارات الذات الداخلية واللاشعورية والأموات في القبور!، وعبر فقرات ومشاهد الرواية تمر أمامك وكومضات سريعة قصص ومقولات لكثرة من الأدباء والفلاسفة والصوفيين الذين توسّعوا كثيراً في مفاهيم الجنون والعبث واليأس وغيرها، لتنتقل فصول الرواية وبشكل مفاجيء إلى أجواء مختلفة، وإلى أحداث بوليسية وجريمة غامضة يبحث عن غموضها محققون على نمط أفلام "هيتشكوك".

في هكذا عوالم غامضة تُقدم الرواية وبالتدريج بعض "المفاتيح" التي تفتح أقفال هذا الغموض، كمجرور مغلق في أسفل أدراج المكتب الخشبي، حيث يرمز المجرور المغلق-عادة- إلى الخبايا الدفينة في اللاشعور، والمجهول الموجود في أعماق العقل.

(حاولَ تَفقد حاجياته.. ليتثبت من وجودها، إلا أن مجروراً-في أسفل أدراج المكتب الخشبي، لم يحصل على مفتاحه، ولم يفتحه يوماً، كانت عليه أماراتُ العبث، إذ هناك آثارُ شيءٍ حاد نازعتهُ على قُفلِه)، وهي إشارة فاضحة عن البحث على أسرار اللاشعور وفشله في ذلك!. فلقد كان ذلك المجرور (يستفِزهُ لمحاولة فتحه...إلا أنه ليس من أولئك الشخوص الذين يدفعهم الاستفزاز لفعل شيءٍ ما لوقفه أو تقليل جماحه...ومما يذكرُ أنه حاول ذات مرة فتحه بسكين المطبخ الكُبرى، إلا أن السكين لم تكن أكثر من أداة تهديد لم تساعده إلا على المستوى "النفسي"، إذ ليست أداةً نافعةً لمثل تلك المهمة).

مقابل هذا "المفتاح" هناك مفتاح آخر يكشف عن مضمون أسرار الأعماق وذلك من خلال عنوان الرواية "الضحكة المتعالية" حيث يتم بهدوء يثير شغف القاريء، في كشف حقيقة الضحكة ولمن موجهة!.

تأثير حكايات عالمية في هذه الرواية:

من مشهد إلى آخر في الرواية، تنكشف عوالم رواية "العالم سنة ١٩٨٤" لجورج أوريل، ووجود "الأخ الأكبر" الذي يراقب كل شيء، ولديه من المتعاونين والمخبرين ما تمكنه من القبض-بل واغتيال- كل من يتمرد على قوانينه وسياساته. وإذا بكَ في عوالم الأحلام الفرويدية(نسبة للعالم النفساني فرويد، مكتشف اللاشعور).أو عبثية وتفاهة الحياة لدى الروائي كافكا في روايته "المحاكمة". وهيمنة أجواء رواية "الجريمة والعقاب" للروائي دستويفيسكي ، وتحليل الجنون لميشيل فوكو، والمقاومة بالحيلة لجيمس سكوت، وبشكل واضح منهجية رواية غوته "آلام الشاب فرتر"، بل تمر عليك شذرات سريعة جداً لنظريات فلسفية وفكرية إسلامية كالمعتزلة والجبرية والقدرية والصوفية في مقاطع حول علاقة وخيارات وحرية الإنسان من عدمها، وبالطبع كل ذلك ضمن واقع وسياسة وقانون، وشعر وفن حديثين يستهزيء بطل الرواية منهم جميعًا.


شخصية الراوي :


من المهم في هكذا روايات نفسانية معقدة أن نحلل شخصية بطلها الراوي، حيث من خلالها يستطيع المتلقي استيعاب الغموض المحيط بأحداث الرواية، والمقصد المخفي من ورائها.

في سياق الرواية تتوضح شخصية بطلها النفسية والاجتماعية، فالراوي هذا (أحياناً يُقلِّبُ نفسه وهو يُفكِرُ في تفاهته وتشابهه، أو في تفرده ووحدانيته، ممنياً نفسه كما يفعلُ دائماً باختلافه وتميزه، لا لشيءٍ، إنما لأنه ظنّ وهو الصاعدُ إلى الطبقة الوسطى أنه كان أقل ثباتاً واعتياداً عليها من نظرائه الراسخين فيها، فهو رغم سِعة اطلاعِه مقارنة بهم؛ إلا أنه لم يكن واثِقاً من معرفته أبداً، فهو لم يختبرها في ميدان كونيٍّ خارج بلاده، وهذا ما أشعرهُ بدونية تضيقُ به... وأحياناً كان يستبدّ بمشاعرِه غرورٌ فعليٌّ بالازدراء تجاههم والاستهانة بهم).وأعتقد بأن هذه الفقرة من الرواية تكفي لمعرفة خبايا هذه الشخصية النفسية منها، والطبقية من حيث جذورها الفقيرة وهي تصعد لعوالم الطبقة الوسطى المفتوحة على ثقافات العالم. وفي فقرات أخرى تتوضح أكثر شخصية الراوي البطل، فهو (وجهٌ صافٍ عليه آثارُ الحزن والتفكير، لا يقطعُ سكون هذا الوجه غير انقباضاتٍ عشوائية تلازمُه منذ طفولته حين شُخِصَ بما يُدعى"متلازمة الانقباض" غير أنه ظنَ طويلاً أنه نسقها مع حركة تثبيته لنظارته الطبية).

أما على صعيد السلوك، فهذا الراوي المنعزل، الانطوائي، الحالم، الخيالي، المتوهم بوجود أسرار وغموض في شقة جاره. كان يعيش وحدته (وميعاد خياله اليومي) مع لفافات الماريجوانا وزجاجتَي النبيذ، حيث الدخول عميقاً نحو(تمثُلاتٍ تستبدُ بخياله)، رغم أنه كان يكره ابتذال زملائه لحظة شربهم لعلبةِ بيرةٍ وتقمّصهم أكثر أدوار الثمالة ابتذالاً. ولكن في عزلته يبرر هذا الابتذال مع نفسه، فرغم المفعول المركز للخمر إذا ما أضيفَ لأي ابتذال، فطالما راودت فراساً (إسم البطل) نصوص يلقيها حين ينفرد بنفسه، وكان يعده ابتذالاً "مغفوراً"، بل-حسب الحالة النفسية- كان وحده يظنه ابتذالاً (لكثرة العُقد في شخصه، ولطول بقائه وحده في قبوه)، لذا وأثناء هذا الانتشاء والنشوة المنعزلة كان الخمر بالنسبة له موضوعاً شائكاً من الناحية النظرية. وهنا تنحرف الرواية قليلاً لشرح نظريته حول الخمر: (فدرجة اشتراك الشعوب فيه واختلافهم في طقوس صنعِه من شتى أصناف النباتات والحبوب، استدعى منه تأملاً طويلاً، خاصة وأنه توأمُ الخُبز، أسطورياً وتاريخياً). بل عند هذه اللحظات المنتشية من سكرة الخمر كان يفتح دفتره الصغير الذي يدوّن فيه العبارات التي تعجبه، ويقرأ بصوت تمثيلي سَكرة أنكيدو في أسطورة جلجامش (كُل الخُبز يا أكيدو، أنه مادةُ الحياةِ، واشرب من الشراب القوي فهذا عادةُ أهل البلاد، فأكل أنكيدو من الخبز حتى شبع، وشرب من الشراب المُسكر سبعة أقداح فانطلقت روحه وانشرح صدره وطرب قلبه وأضاء وجهه ومسح جسده المُشعر بالزيت، وصار...).

إذن "فراس" وبهكذا صفات وحالات نفسية، أصبح الحلم والوهم الذي يتخيله، منفذاً لاشعورياً للاعتراف بمواقفه الحياتية (مرّت أشياء كثيرة في حلمه، وتذكر قولاً ظهرَ فيه "معتزلة، أشاعرة، جبر")، ولكن بين الحلم والوعي ربط هذه المدارس الفلسفية الإسلامية بالجنس حين تذكر مجاز الجبر والاعتزال في (قول الفقيه العباسي؛"الغُلام استطاعة المعتزلة لأنه يصلح للضدين، يَفعل ويُفعل به، والمرأة استطاعة المجبرة لا تصلح إلا لأحدهما")!.

هذه -تقريبا- البنية العامة للرواية، لتتشعب في سياقها البنى الصغيرة لأحداث الرواية.


الجريمة والعقاب:


من أهم شخصيات الرواية المرأة المرابية "فاتن غلام" جارة فراس في العمارة. وحكايتها تتشابه في بنيتها الكبرى مع رواية "الجريمة والعقاب" للروائي الروسي المعروف "فيودر دستويفيسكي". فالمرابية فاتن حامت حولها أساطير كثيرة حول قسوتها وتلذذها بإهانة المقترضين منها، تماماً كما المرأة المرابية في رواية الجريمة والعقاب التي كانت عديمة الضمير. وتُقدم رواية الضحكة المتعالية فاتن وصفاً لإباحيتها الرثة وجنسانية تظهر في حركات جسدها المسن. والراوي لا يحاول "التقليد الكربوني" الساذج لمضمون رواية الجريمة والعقاب، وإنما إضفاء بعض سمات المرابية الروسية عليها، وبالطبع إشتراك الروايتين في النهاية المعروفة بقتلها على يد بطلي الروايتين. بيد أن فاتن أصبحت صديقة لفراس وأجّرت شاليهها في جزيرة الجارم نظير مبلغ مبالغ فيه. وعندها يدخل في سياق الرواية الشخصية الثالثة المهمة، وهو العجوز "جابر" الذي تعرف على فراس في تلك الجزيرة، وهو الخيط الذي يوصل القاريء لمعرفة غموض وسِر "الضحكة المتعالية"، حيث توجه فراس لمكتبة صغيرة في شاليه فاتن، فوجد رزمة أوراق، تناولها وقرأ على صفحة الواجهة عنوانها "مسرحية الملك الضحاك"، وعلاقة ذلك بمجرور الدرج الخشبي الذي أشير له في بداية الرواية.

غوته ورسائل جابر:

من المعروف أن الفيلسوف والشاعر والروائي الألماني "يوهان غوته" قدم روايته المعروفة "آلام الشاب فرتر"، وهي قصة تسرد عبر رسائل متتالية. والرواية الرسائلية هي نوع أدبي من الرسائل تتكون القصة به من المراسلات الافتراضية؛ وأحيانا تعكس التجربة الذاتية، وبعيداً عن رواية غوته الرومانسية الكلاسيكية الشاعرية عن الشاب فرتر الذي أحب حباً مستحيلاً، وهو المرهف الإحساس والسريع الإنفعال الذي أطلق العنان لقلبه، وتحرر من قيود العقل، نقول بعيداً عن ذلك، ففي رواية الضحكة المتعالية، اقتباس بسيط من رواية غوته، والاقتباس الأكبر والواضح هو تحوّل الفصول التالية من الرواية إلى رواية الرسائل المتتالية التي حصل عليها فراس في رزمة أوراق العجوز جابر.

واضح من هذه الأوراق الخاصة بمسرحية الملك الضحاك بأنها رسائل وأحداث فنتازية لها علاقة بالأساطير والموروثات المعروفة، مع تحريفات وإضافات عليها، كعلاقة إبليس الملاك المتمرد على ربه، وقصة الجنة والخروج منها، وغيرهما. وكلما غاصت الأحداث نحو المزيد من الغموض يكون للمجرور حضور، حيث يحاول فراس فتحه بكل الطرق دون أن ينجح في معرفة خباياه من الأسرار، وخلاصة كلام جابر لفراس هي؛ "قبل كل شيء، عليك أن تكون مستعداً لاحتمالية كون كل شيء في رأسك فقط، وأن شعورك سيبقى دائماً مشابهاً للقفز في المجهول". وأعتقد بأن هذه هي الرسالة الواضحة والنتيجة المرتقبة لمعظم الرسائل التالية وأحداثها في الرواية.


الرسائل والروائي كافكا ونظام التفاهة:

يواصل فراس تفجير مكنونات شخصيته النفسية عبر الرسائل التي حصل عليها ضمن رزمة أوراق العجوز جابر، ويكشف عن فراغه الروحي وتفاهة الوجود والحياة، وينطلق في فضح ما بداخله من ضجر وعبث وحزن. ويشير في "إضاءة" تقول بأن كل هذه الحالات الإنسانية قدمها قبله أدباء وفلاسفة، ومنهم من شرح هذه الدنيا التافهة، كما قال فرتر (بطل رواية غوته) حيث اقتبس بتصرف فراس من رواية غوته. ففي إحدى الرسائل يقرأ فراس؛ (وأعلم أنك ستلوّح لي بالعلم، ولكن جلّ ما يعطينا إياه هو تطوير أساليب الحياة والمعرفة في هذه الدنيا التافهة). وقد وصف الشاب فرتر نفسه أيضاً بنفس الكلام تقريباً: (ألا إن العلم الذي أعرفه يستطيع كلُّ أن يجمعه ويحصله، لكن القلب الذي أحمله لا يتسنى لغيري أن يحمله).

وبنفس الأسلوب الرسائلي ينتقل فراس إلى رسالة أخرى، ليشير في مضمونها إلى ما ورد في رواية "المحاكمة" للروائي التشيكي فرانز كافكا الذي اشتهر بأسلوبه الت يمتزج فيه العالم الواقعي بالأحلام والكوابيس والصراعات النفسية الداخلية من القلق وعزلة الإنسان المعاصر واغترابه وتهميشه وتقزيمه. فرواية "المحاكمة" هي عن شخص يستيقظ ذات صباح ولأسباب لا تذكرها الرواية يتم اتهامه ومقاضاته على جريمة لم تحددها الرواية، وقبل المحاكمة يُترك "حراً" مع التلميح له بأن هذا الإجراء قد يكون مرتبطاً بعلاقة غير أخلاقية مع جارته. (في سياق رواية الضحكة المتعالية، تتداخل رواية الجريمة والعقاب من خلال المرابية فاتن التي قتلها فراس، مع رواية المحاكمة وأحداثها). وقد أجاد فراس في التعبير عن جوهر رواية المحاكمة والذي يعبر عن لغز الوجود الإنساني في هذا العالم، وأن التهمة الموجهة له- التي لا يعرفها البطل- هي لغز المصير البشري. وهكذا كانت أجواء حياة فراس؛ (فالهمسة صارت تمارسُ بعض الألاعيب معي ولا طاقة لي بها، إلا أنني كلما صمَمت أذني عنها شعرتُ بذنب يجتاحني). ويواصل فراس طوال هذا الفصل في سرد تفاهة الحياة والوجود، وكأنه يسرد مضمون كتاب "نظام التفاهة" للمفكر الكندي "ألان دونو" أستاذ الفلسفة، حيث يدور موضوعه حول فكرة محورية: نحن نعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة، تتعلق بسيادة نظام أدى تدريجياً إلى سيطرة التافهين على جميع مفاصل نموذج الدولة الحديثة!.


السخرية علاجاً للتفاهة:


بعد أن يفرغ فراس مكنوناته تجاه التفاهة، ينتقل في رسائله التالية إلى الاقتراب من سِر الضحكة المتعالية، ويعتبر (إرادة السخرية أشد تمثيلاً للمعنى، ولكن يا للسخرية، نحاولُ كتابة ضحكةٍ وأي ضحكة). وبدأ يفهم شيئاً كان يتعذر تفسيره، فلم (أعد أسمع ضحكة عادية ولا أخرى حزينة ولا بكاءً ساخراً، ولا قهقهة فاجرة فحسب، بل تعدّى الأمر ذلك وأصبحت أرى "السخرية" في بعض ذلك وغيره، بل صارت تغيب غالباً في وسط الضحك المبتذل). وهكذا حوّل فراس حتى لحظات الفرح والضحك إلى سخرية، وذلك بعد أن تيقن بأنه فَقَدَ قيمة الحياة، لذلك وجد لنفسه العلاج لإنهاء التناقض الساخر في حياته، وأصبحت السخرية لحظاته السحرية؛ (وأصبح التنقيب عن ذلك الشعور بالتحديد شغلي الشاغل، لقد صار ظمأً لا يشبع...صرت أنقبُ عنه في الموسيقى والفن والصحف والمجلات والحوارات والنقاشات العامة والأحاديث الجانبية ولوحات الإعلانات والقصص الشعبية والروايات العالمية والأديان، وفي قراراتي وأفعالي وانقباضات وجهي وكلماتي، وفي كل ما يمكن أن يُريحه آنياً ريثما يحفر ذاته من حديد).

هذه السخرية "المشروعة" كوسيلة مقاومة ضد التفاهة وقمع حرية الإنسان، تحولت لديه إلى سخرية واستهزاء لكل شيء، بما فيها الشخوص والأشياء التي من المفترض أن تكون داعماً لروحه المحطمة، وأن تكون ضمن ال