غموض الضحكة المتعالية وسِرّها الدفين


أصدر الشاب البحريني محمد خلف روايته الأولى المطبوعة تحت عنوان "الضحكة المتعالية" وذلك في نوفمبر ٢٠١٩ عبر المؤسسة العربية للترجمة والبحث في بيروت.

هي رواية تمتزج فيها عوالم النفس الشعورية الواعية بعوالم لاشعورية، والفنتازيا والخيال والوهم، مع قيم ومواقف تحمل مشاعر اليأس والقبح والتشاؤم والقلق والجنون، والسخرية والضحك على أنظمة التفاهة في الواقع وفي العمل وفي العلاقات العابرة والعميقة. وأيضاً من خلال الجريمة والسجن والمصحّة النفسية والنظام القضائي. كل ذلك عبر حوارات واعية، لكن أغلبها حوارات الذات الداخلية واللاشعورية والأموات في القبور!، وعبر فقرات ومشاهد الرواية تمر أمامك وكومضات سريعة قصص ومقولات لكثرة من الأدباء والفلاسفة والصوفيين الذين توسّعوا كثيراً في مفاهيم الجنون والعبث واليأس وغيرها، لتنتقل فصول الرواية وبشكل مفاجيء إلى أجواء مختلفة، وإلى أحداث بوليسية وجريمة غامضة يبحث عن غموضها محققون على نمط أفلام "هيتشكوك".

في هكذا عوالم غامضة تُقدم الرواية وبالتدريج بعض "المفاتيح" التي تفتح أقفال هذا الغموض، كمجرور مغلق في أسفل أدراج المكتب الخشبي، حيث يرمز المجرور المغلق-عادة- إلى الخبايا الدفينة في اللاشعور، والمجهول الموجود في أعماق العقل.

(حاولَ تَفقد حاجياته.. ليتثبت من وجودها، إلا أن مجروراً-في أسفل أدراج المكتب الخشبي، لم يحصل على مفتاحه، ولم يفتحه يوماً، كانت عليه أماراتُ العبث، إذ هناك آثارُ شيءٍ حاد نازعتهُ على قُفلِه)، وهي إشارة فاضحة عن البحث على أسرار اللاشعور وفشله في ذلك!. فلقد كان ذلك المجرور (يستفِزهُ لمحاولة فتحه...إلا أنه ليس من أولئك الشخوص الذين يدفعهم الاستفزاز لفعل شيءٍ ما لوقفه أو تقليل جماحه...ومما يذكرُ أنه حاول ذات مرة فتحه بسكين المطبخ الكُبرى، إلا أن السكين لم تكن أكثر من أداة تهديد لم تساعده إلا على المستوى "النفسي"، إذ ليست أداةً نافعةً لمثل تلك المهمة).

مقابل هذا "المفتاح" هناك مفتاح آخر يكشف عن مضمون أسرار الأعماق وذلك من خلال عنوان الرواية "الضحكة المتعالية" حيث يتم بهدوء يثير شغف القاريء، في كشف حقيقة الضحكة ولمن موجهة!.

تأثير حكايات عالمية في هذه الرواية:

من مشهد إلى آخر في الرواية، تنكشف عوالم رواية "العالم سنة ١٩٨٤" لجورج أوريل، ووجود "الأخ الأكبر" الذي يراقب كل شيء، ولديه من المتعاونين والمخبرين ما تمكنه من القبض-بل واغتيال- كل من يتمرد على قوانينه وسياساته. وإذا بكَ في عوالم الأحلام الفرويدية(نسبة للعالم النفساني فرويد، مكتشف اللاشعور).أو عبثية وتفاهة الحياة لدى الروائي كافكا في روايته "المحاكمة". وهيمنة أجواء رواية "الجريمة والعقاب" للروائي دستويفيسكي ، وتحليل الجنون لميشيل فوكو، والمقاومة بالحيلة لجيمس سكوت، وبشكل واضح منهجية رواية غوته "آلام الشاب فرتر"، بل تمر عليك شذرات سريعة جداً لنظريات فلسفية وفكرية إسلامية كالمعتزلة والجبرية والقدرية والصوفية في مقاطع حول علاقة وخيارات وحرية الإنسان من عدمها، وبالطبع كل ذلك ضمن واقع وسياسة وقانون، وشعر وفن حديثين يستهزيء بطل الرواية منهم جميعًا.


شخصية الراوي :


من المهم في هكذا روايات نفسانية معقدة أن نحلل شخصية بطلها الراوي، حيث من خلالها يستطيع المتلقي استيعاب الغموض المحيط بأحداث الرواية، والمقصد المخفي من ورائها.

في سياق الرواية تتوضح شخصية بطلها النفسية والاجتماعية، فالراوي هذا (أحياناً يُقلِّبُ نفسه وهو يُفكِرُ في تفاهته وتشابهه، أو في تفرده ووحدانيته، ممنياً نفسه كما يفعلُ دائماً باختلافه وتميزه، لا لشيءٍ، إنما لأنه ظنّ وهو الصاعدُ إلى الطبقة الوسطى أنه كان أقل ثباتاً واعتياداً عليها من نظرائه الراسخين فيها، فهو رغم سِعة اطلاعِه مقارنة بهم؛ إلا أنه لم يكن واثِقاً من معرفته أبداً، فهو لم يختبرها في ميدان كونيٍّ خارج بلاده، وهذا ما أشعرهُ بدونية تضيقُ به... وأحياناً كان يستبدّ بمشاعرِه غرورٌ فعليٌّ بالازدراء تجاههم والاستهانة بهم).وأعتقد بأن هذه الفقرة من الرواية تكفي لمعرفة خبايا هذه الشخصية النفسية منها، والطبقية من حيث جذورها الفقيرة وهي تصعد لعوالم الطبقة الوسطى المفتوحة على ثقافات العالم. وفي فقرات أخرى تتوضح أكثر شخصية الراوي البطل، فهو (وجهٌ صافٍ عليه آثارُ الحزن والتفكير، لا يقطعُ سكون هذا الوجه غير انقباضاتٍ عشوائية تلازمُه منذ طفولته حين شُخِصَ بما يُدعى"متلازمة الانقباض" غير أنه ظنَ طويلاً أنه نسقها مع حركة تثبيته لنظارته الطبية).

أما على صعيد السلوك، فهذا الراوي المنعزل، الانطوائي، الحالم، الخيالي، المتوهم بوجود أسرار وغموض في شقة جاره. كان يعيش وحدته (وميعاد خياله اليومي) مع لفافات الماريجوانا وزجاجتَي النبيذ، حيث الدخول عميقاً نحو(تمثُلاتٍ تستبدُ بخياله)، رغم أنه كان يكره ابتذال زملائه لحظة شربهم لعلبةِ بيرةٍ وتقمّصهم أكثر أدوار الثمالة ابتذالاً. ولكن في عزلته يبرر هذا الابتذال مع نفسه، فرغم المفعول المركز للخمر إذا ما أضيفَ لأي ابتذال، فطالما راودت فراساً (إسم البطل) نصوص يلقيها حين ينفرد بنفسه، وكان يعده ابتذالاً "مغفوراً"، بل-حسب الحالة النفسية- كان وحده يظنه ابتذالاً (لكثرة العُقد في شخصه، ولطول بقائه وحده في قبوه)، لذا وأثناء هذا الانتشاء والنشوة المنعزلة كان الخمر بالنسبة له موضوعاً شائكاً من الناحية النظرية. وهنا تنحرف الرواية قليلاً لشرح نظريته حول الخمر: (فدرجة اشتراك الشعوب فيه واختلافهم في طقوس صنعِه من شتى أصناف النباتات والحبوب، استدعى منه تأملاً طويلاً، خاصة وأنه توأمُ الخُبز، أسطورياً وتاريخياً). بل عند هذه اللحظات المنتشية من سكرة الخمر كان يفتح دفتره الصغير الذي يدوّن فيه العبارات التي تعجبه، ويقرأ بصوت تمثيلي سَكرة أنكيدو في أسطورة جلجامش (كُل الخُبز يا أكيدو، أنه مادةُ الحياةِ، واشرب من الشراب القوي فهذا عادةُ أهل البلاد، فأكل أنكيدو من الخبز حتى شبع، وشرب من الشراب المُسكر سبعة أقداح فانطلقت روحه وانشرح صدره وطرب قلبه وأضاء وجهه ومسح جسده المُشعر بالزيت، وصار...).

إذن "فراس" وبهكذا صفات وحالات نفسية، أصبح الحلم والوهم الذي يتخيله، منفذاً لاشعورياً للاعتراف بمواقفه الحياتية (مرّت أشياء كثيرة في حلمه، وتذكر قولاً ظهرَ فيه "معتزلة، أشاعرة، جبر")، ولكن بين الحلم والوعي ربط هذه المدارس الفلسفية الإسلامية بالجنس حين تذكر مجاز الجبر والاعتزال في (قول الفقيه العباسي؛"الغُلام استطاعة المعتزلة لأنه يصلح للضدين، يَفعل ويُفعل به، والمرأة استطاعة المجبرة لا تصلح إلا لأحدهما")!.

هذه -تقريبا- البنية العامة للرواية، لتتشعب في سياقها البنى الصغيرة لأحداث الرواية.


الجريمة والعقاب:


من أهم شخصيات الرواية المرأة المرابية "فاتن غلام" جارة فراس في العمارة. وحكايتها تتشابه في بنيتها الكبرى مع رواية "الجريمة والعقاب" للروائي الروسي المعروف "فيودر دستويفيسكي". فالمرابية فاتن حامت حولها أساطير كثيرة حول قسوتها وتلذذها بإهانة المقترضين منها، تماماً كما المرأة المرابية في رواية الجريمة والعقاب التي كانت عديمة الضمير. وتُقدم رواية الضحكة المتعالية فاتن وصفاً لإباحيتها الرثة وجنسانية تظهر في حركات جسدها المسن. والراوي لا يحاول "التقليد الكربوني" الساذج لمضمون رواية الجريمة والعقاب، وإنما إضفاء بعض سمات المرابية الروسية عليها، وبالطبع إشتراك الروايتين في النهاية المعروفة بقتلها على يد بطلي الروايتين. بيد أن فاتن أصبحت صديقة لفراس وأجّرت شاليهها في جزيرة الجارم نظير مبلغ مبالغ فيه. وعندها يدخل في سياق الرواية الشخصية الثالثة المهمة، وهو العجوز "جابر" الذي تعرف على فراس في تلك الجزيرة، وهو الخيط الذي يوصل القاريء لمعرفة غموض وسِر "الضحكة المتعالية"، حيث توجه فراس لمكتبة صغيرة في شاليه فاتن، فوجد رزمة أوراق، تناولها وقرأ على صفحة الواجهة عنوانها "مسرحية الملك الضحاك"، وعلاقة ذلك بمجرور الدرج الخشبي الذي أشير له في بداية الرواية.

غوته ورسائل جابر:

من المعروف أن الفيلسوف والشاعر والروائي الألماني "يوهان غوته" قدم روايته المعروفة "آلام الشاب فرتر"، وهي قصة تسرد عبر رسائل متتالية. والرواية الرسائلية هي نوع أدبي من الرسائل تتكون القصة به من المراسلات الافتراضية؛ وأحيانا تعكس التجربة الذاتية، وبعيداً عن رواية غوته الرومانسية الكلاسيكية الشاعرية عن الشاب فرتر الذي أحب حباً مستحيلاً، وهو المرهف الإحساس والسريع الإنفعال الذي أطلق العنان لقلبه، وتحرر من قيود العقل، نقول بعيداً عن ذلك، ففي رواية الضحكة المتعالية، اقتباس بسيط من رواية غوته، والاقتباس الأكبر والواضح هو تحوّل الفصول التالية من الرواية إلى رواية الرسائل المتتالية التي حصل عليها فراس في رزمة أوراق العجوز جابر.

واضح من هذه الأوراق الخاصة بمسرحية الملك الضحاك بأنها رسائل وأحداث فنتازية لها علاقة بالأساطير والموروثات المعروفة، مع تحريفات وإضافات عليها، كعلاقة إبليس الملاك المتمرد على ربه، وقصة الجنة والخروج منها، وغيرهما. وكلما غاصت الأحداث نحو المزيد من الغموض يكون للمجرور حضور، حيث يحاول فراس فتحه بكل الطرق دون أن ينجح في معرفة خباياه من الأسرار، وخلاصة كلام جابر لفراس هي؛ "قبل كل شيء، عليك أن تكون مستعداً لاحتمالية كون كل شيء في رأسك فقط، وأن شعورك سيبقى دائماً مشابهاً للقفز في المجهول". وأعتقد بأن هذه هي الرسالة الواضحة والنتيجة المرتقبة لمعظم الرسائل التالية وأحداثها في الرواية.


الرسائل والروائي كافكا ونظام التفاهة:

يواصل فراس تفجير مكنونات شخصيته النفسية عبر الرسائل التي حصل عليها ضمن رزمة أوراق العجوز جابر، ويكشف عن فراغه الروحي وتفاهة الوجود والحياة، وينطلق في فضح ما بداخله من ضجر وعبث وحزن. ويشير في "إضاءة" تقول بأن كل هذه الحالات الإنسانية قدمها قبله أدباء وفلاسفة، ومنهم من شرح هذه الدنيا التافهة، كما قال فرتر (بطل رواية غوته) حيث اقتبس بتصرف فراس من رواية غوته. ففي إحدى الرسائل يقرأ فراس؛ (وأعلم أنك ستلوّح لي بالعلم، ولكن جلّ ما يعطينا إياه هو تطوير أساليب الحياة والمعرفة في هذه الدنيا التافهة). وقد وصف الشاب فرتر نفسه أيضاً بنفس الكلام تقريباً: (ألا إن العلم الذي أعرفه يستطيع كلُّ أن يجمعه ويحصله، لكن القلب الذي أحمله لا يتسنى لغيري أن يحمله).

وبنفس الأسلوب الرسائلي ينتقل فراس إلى رسالة أخرى، ليشير في مضمونها إلى ما ورد في رواية "المحاكمة" للروائي التشيكي فرانز كافكا الذي اشتهر بأسلوبه الت يمتزج فيه العالم الواقعي بالأحلام والكوابيس والصراعات النفسية الداخلية من القلق وعزلة الإنسان المعاصر واغترابه وتهميشه وتقزيمه. فرواية "المحاكمة" هي عن شخص يستيقظ ذات صباح ولأسباب لا تذكرها الرواية يتم اتهامه ومقاضاته على جريمة لم تحددها الرواية، وقبل المحاكمة يُترك "حراً" مع التلميح له بأن هذا الإجراء قد يكون مرتبطاً بعلاقة غير أخلاقية مع جارته. (في سياق رواية الضحكة المتعالية، تتداخل رواية الجريمة والعقاب من خلال المرابية فاتن التي قتلها فراس، مع رواية المحاكمة وأحداثها). وقد أجاد فراس في التعبير عن جوهر رواية المحاكمة والذي يعبر عن لغز الوجود الإنساني في هذا العالم، وأن التهمة الموجهة له- التي لا يعرفها البطل- هي لغز المصير البشري. وهكذا كانت أجواء حياة فراس؛ (فالهمسة صارت تمارسُ بعض الألاعيب معي ولا طاقة لي بها، إلا أنني كلما صمَمت أذني عنها شعرتُ بذنب يجتاحني). ويواصل فراس طوال هذا الفصل في سرد تفاهة الحياة والوجود، وكأنه يسرد مضمون كتاب "نظام التفاهة" للمفكر الكندي "ألان دونو" أستاذ الفلسفة، حيث يدور موضوعه حول فكرة محورية: نحن نعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة، تتعلق بسيادة نظام أدى تدريجياً إلى سيطرة التافهين على جميع مفاصل نموذج الدولة الحديثة!.


السخرية علاجاً للتفاهة:


بعد أن يفرغ فراس مكنوناته تجاه التفاهة، ينتقل في رسائله التالية إلى الاقتراب من سِر الضحكة المتعالية، ويعتبر (إرادة السخرية أشد تمثيلاً للمعنى، ولكن يا للسخرية، نحاولُ كتابة ضحكةٍ وأي ضحكة). وبدأ يفهم شيئاً كان يتعذر تفسيره، فلم (أعد أسمع ضحكة عادية ولا أخرى حزينة ولا بكاءً ساخراً، ولا قهقهة فاجرة فحسب، بل تعدّى الأمر ذلك وأصبحت أرى "السخرية" في بعض ذلك وغيره، بل صارت تغيب غالباً في وسط الضحك المبتذل). وهكذا حوّل فراس حتى لحظات الفرح والضحك إلى سخرية، وذلك بعد أن تيقن بأنه فَقَدَ قيمة الحياة، لذلك وجد لنفسه العلاج لإنهاء التناقض الساخر في حياته، وأصبحت السخرية لحظاته السحرية؛ (وأصبح التنقيب عن ذلك الشعور بالتحديد شغلي الشاغل، لقد صار ظمأً لا يشبع...صرت أنقبُ عنه في الموسيقى والفن والصحف والمجلات والحوارات والنقاشات العامة والأحاديث الجانبية ولوحات الإعلانات والقصص الشعبية والروايات العالمية والأديان، وفي قراراتي وأفعالي وانقباضات وجهي وكلماتي، وفي كل ما يمكن أن يُريحه آنياً ريثما يحفر ذاته من حديد).

هذه السخرية "المشروعة" كوسيلة مقاومة ضد التفاهة وقمع حرية الإنسان، تحولت لديه إلى سخرية واستهزاء لكل شيء، بما فيها الشخوص والأشياء التي من المفترض أن تكون داعماً لروحه المحطمة، وأن تكون ضمن النماذج القابلة للتقييم والنقد، لا الإستهزاء والسخرية منها. لذلك أصبح صديقه الشاعر محمود "سخرية" وأخذ يستهزئ به، فمحمود هذا يبالغ في التأنق والتزين، حتى إنه (بدأ بوضع الكحل في عينيه، وكان يصرح بأن هذه من عادات العرب قديماً، وأن الكحل جيد للعين... هو شاعر يتقيأ الشعر من كثرته، فله عشرات الدواوين التي لم يسمع بها سامع، بل هي مؤلفات تقيأتها وكنستها السنون). لينتقل للسخرية على الرسام وديع، فهذا الرسام كان خطّاطاً متميزاً يجيد الخط الحر والديواني والرقعة والثلث... يعمل جسمه كله حين يعمل؛ رأيته ذات مرة يخط لافتة محل تجاري والسيجارة لم تخرج من فمه، يحركها عكس الريح).


من السخرية إلى الجريمة:


في هذه الجزئية من الرواية، انحرفت الرواية كثيراً - لدرجة الانحدار- من عوالم نفسانية جميلة إلى عالم الجريمة "المرعبة"، رغم أنها جزئية مهمة لفك الغموض المحيط بالضحكة المتعالية، فبعد قيام فراس بسرقة رسائل جابر، أخذت المرابية فاتن هذا الدفتر "السري" ورفضها كشف مضمونه، فتيقن فراس بأن فاتن قد أصبحت تمتلك مفتاح السر، وهي في نفس الوقت قفله. ومن أجل أن تستكمل نفس أحداث رواية "الجريمة والعقاب!"، فقد قرر فراس زيارة شقة فاتن المجاورة لشقته، وعندما هَمَّ بسرقة الدفتر من جديد منها ومقاومتها، سقطت على الأرض وماتت. عند هذا المفصل يتحول مسار الرواية إلى ما يشبه أفلام القتل والرعب. حيث يقوم فراس، وبهدف إخفاء الجريمة، بقطع جثة فاتن وسلخ جلدها وطحن جمجمتها وأسنانها وعظامها، وحرق كل آثار الجريمة. ورغم هذه التفاصيل البشعة والمقرفة، لكن فراس كان يمارس "ساديته" الدموية وهو "يبتسم" (خاصة حينما رأيت دماً، فهذا تطور جديد للهذيان، هذا خيال سريالي جداً)، بل واستحوذ على عقله فكرة القيام بجريمة جديدة مرضية له، جريمة يختارها بنفسه لا أن تُفرض عليه، ما دامت احتمالية القبض عليه أصبحت مسألة وقت، وأن إعدامه أصبح حتمياً، لذا عليه أن يختار فريسته هذه المرة من المحيطين به ممن يكرههم كأهداف محتملة. ورغم مشاهد القتل والسلخ إلا أن وصفه لحالته الفكرية والنفسية وهو يبحث عن فريسته المحتملة كان سرداً جميلاً وفيه من الخيال الخصب الكثير.


إنكشاف سر الضحكة المتعالية:


بدأ الراوي بعد سرقته لدفتر جابر يفك الشفرات والغموض، ترافقه طغيان واضح لأجواء وثيمات رواية "المحاكمة" لكافكا. فمن ضمن هذا الدفتر وجد قضية في ملف اتهام، قضية ستسبب مشكلة في النظام ككل، وفي العالم ككل، حسبما يتوهّم جابر في دفتره. فالرجل المتهم في القضية خفيف العقل أهان الهيئة القضائية، حيث رفض التهمة الموجهة إليه ووقف أمام القضاة ليدافع عن نفسه ويحاججهم ببساطته وخِفة عقله:

قال المجنون للقاضي؛ إنه متضرر من الهيئة القضائية، ومع غضب القاضي لهذه الإجابة من معتوه، لم يحتمل جابر المشهد وهو في قاعة المحكمة، وضحك، فضحك المعتوه معه، وضحك الجالسون في الخلف، وضحك بعض الواقفين على باب المحكمة. فغضب القاضي وصاح؛ "ما يضحككم؟"، فرد عليه جابر "أنت، أنت يا عدالتكم". وهكذا أصبح جابر كلما حضر جلسات القضية يواصل ضحكه دون توقف، كان يقول إن على النظام ككل أن ينهار، كيف تقاضي من كان خصمه القاضي؟. الضحكة المتعالية أصبحت معروفة وانكشفت، فهي ضد النظام القضائي برمته.

ومن أجل أن يوضح أكثر أهمية هذه الضحكة، يسرد الراوي وصفاً لحال البلاد التي كانت (تموج في حالة من الإسهال التشريعي والقانوني، إذ كانت القوانين واللوائح والقرارات تصدر بالجملة وبالحزم، وجميع صيغتها تدل على مشاكل معوية مثل؛ "يُمنع، ويجب، ويُلزم، ولا يُسمح، ويُغرّم، ويُجرّم".وهذه المحرمات أصبحت على كل شيء في البلاد)، بيع الشاي والورد والغناء في الشوارع، بل حتى استضافة الضيوف في المنزل للمبيت أصبحت يُجرّم عليها إذا لم يتم إشعار الحكومة مع تدوين أسمائهم وأعمارهم وأوصافهم وسبب الاستضافة، لدرجة (أصبح الهواء أكثر ثقلاً ونتانة بفعل القواعد والقوانين التي صارت تملأ كل ذراته.. خاصة مع ما صاحب ذلك من ارتفاع في الأسعار وفرض مبالغ مالية على مرتادي البحر والمارين بالشوارع والمقيمين بالبلاد).


الملاذ عبر الجنون:


يتم القبض على فراس بعد شجار في مقهى، وبعد التحقيق معه يقرر تحويله إلى مصحة للعلاج النفسي والعقلي، حيث اعتبروه مجنوناً نظراً لاعترافاته وهو في حالة ضحك مستمر دون توقف. ويواصل فراس "جنونه" في المصحة وهو يفضح ويمارس تعرية سلطة الطب العقلي ومؤسساتها وأجهزتها التي تكفل خضوع وامتثال المواطنين، تماماً كما حارب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو السلطة عبر الفضاءات الاستشفائية وأحزمة الاحتجاز، وذلك في دراسته المعمقة حول الجنون، وزيارته البحثية الميدانية لهذه المصحات العقلية التي فضح ممارساتها وسياساتها. وقد أصدر كتابه "المراقبة والمعاقبة" الذي حلل فيه أنواع العقاب والمراقبة، ومنها العقاب التأديبي تحت سلطة المعالج النفسي، حيث يعرض الأفراد تحت أقنعة مختلفة لضرب خاص من الاضطهاد، هو في الأصل اضطهاد سياسي. واعتقد أن الرواية في هكذا فضاءات من الجنون ومقاومة هذه المشافي العقلية، أصبحت تنحاز لرؤية فوكو والآخرين من النفسانيين ما بعد الحداثيين الذين لم يركزوا على النضال الطبقي وعلاقات القوة العمودية المركزية، بل صاروا ينزلقون إلى غور الجسم الاجتماعي والنفاذ إلى تكويناته "الميكروفيزيائية"، سواء في جسم الجماعات المجتمعية الصغيرة في المقهى والعمارة بشققها وساكنيها أو مكاتب العمل، أو خلف قضبان السجون وأسوار المشافي العقلية، أو في مضمار الرغبة والجنس. ( بتصرف من كتاب: فوكو والثورة الإيرانية- مدخل إلى أنطولوجيا الحاضر، للدكتور التونسي محمد الشيكر، ٢٠١٩م).

المقاومة بالحيلة ومنها فلسفة الضحك:


من المعروف تاريخياً، أن كثرة من شعوب العالم التي ناضلت من أجل الحرية والمساواة ومقاومة الظلم والاستبداد الاستعماري والعنصري وشتى أنواع التمييز، كانوا يستخدمون العديد من أساليب المقاومة، ومنها "المقاومة بالحيلة" لمواجهة أنظمة وقوانين وجيوش أقوى منهم عتاداً. وقد أبدع جيمس سكوت في كتابه "المقاومة بالحيلة، كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم؟" في شرح لكل هذه الأنواع من المقاومة بالحيلة. ومن وسائل هذه المقاومة الرمزية والمعنوية، استخدام النكت والسخرية والاستهزاء والضحك على هذه الأنظمة وقوانينها وسياساتها. وكان لهذه الوسائل تأثيرها البالغ في تحطيم معنويات المستبد والعدو الغازي والمحتل.

ويبدو بأن رواية الضحكة المتعالية قد تأثرت بهذه الوسائل من المقاومة ضد النظام القضائي كواجهة للاستبداد. لذا تمر علينا كثرة من الفقرات والحوارات والمشاهد التي تبرز دور "الضحك" كوسيلة للمقاومة. الضحك المرتبط بالجنون كتمويه وكإفلات من العقاب. فضلاً عن ذلك فإن هذه الحوارات والمشاهد تكشف المزيد من أسرار الغموض حول الضحكة المتعالية، كلما تم فتح المزيد من أقفال المجارير الخشبية المغلقة بإحكام شديد في بداية الرواية، فإذا بها تنفتح بسهولة في نهايتها.

فها هو فراس بعد هروبه من المصحة، وفي مكان على ضفاف واحة صحراوية صغيرة، يستقبله ناسك في السبعين من عمره:

قال لفراس: لا أظنهم سيتركونك.

قلت: من؟

قال الناسك: هُم.

قلت: من هم؟

قال: الذين تضحك عليهم.

قلت: أنا لا أضحك على أحد.

قال مبتسماً: لا أنت، بل الذين تضحك عليهم الضحكة المتعالية، لن يسمحوا لك بأن تكرِّس نفسك لها، لا أحد يريد أن يكون مهرِّجها.

وأصبحت الضحكة تستدرج أفكار ووعي فراس، (فكلما عرضتُ فكرةً على نفسي. كانت الضحكة تفصل فيها؛ فإن قبلتها، أبحرت فيها حتى آخر قهقهة). لذا أصبح لفراس- وهو في السجن أو المصحة- مريدوه ومؤيدوه ممن اقتنعوا بأن الضحكة المتعالية ضد المهرجين في هذا النظام يجب أن يُكرّس لها (والعمل وفق مشيئتها، ونحن مُريدوها، ومن ثم مُريدوك). إذن أصبحت الضحكة سلاحاً معنوياً (كانت رؤيانا واضحة جداً.. كانت الرمال تضحك مع النار وهي تبلعُ رجالاً يرمون أنفسهم فيها مبتسمين، ثم يلفظ أخدودها كتلةً من العظام المحترقة، ترميها وهي تسعر فرحاً.. وصوتُ قاضٍ يصرخ، وعويلٌ يتراكبُ حتى يضحك، ومحكوم بالإعدام يضحك عالياً، فتنفجرُ وجوه الجلادين والمتجمهرين، ويسيل القاضي على كتب القانون، وصوتٌ ضاحكٌ يقول "تنتصر؛ حين تموت ضاحكاً"). وفي سياق هذه المقاومة تطفح مقولات ورقصات صوفية، بل وتعبئة عقائدية لأهمية الضحك أمام استفزاز الظلم والاستبداد. وبين ومضة وأخرى كان فراس يكشف هذا الهدف السحري للضحكة. (كيف تكون السخرية تجلياً صوفياً للضحكة المتعالية أو ومضات فلسفية: ما الضحكة؟ -صوت اصطدام المادة بالمادة، ذلك الصوتُ النيء العاري والبسيط والصادق.

بل هي إلا قانون احتكاك المادة وتفاعلها، فكما يصدر صوتٌ حين تصطدم المواد ببعضها، يعلو من بينها ضحك خفي، مثلاً، حين يسقط متكبر بطريقة مهينة يُشبع الجو بالضحك، فيرددها البعض وينكرها آخرون. وعن أحداث الحياة فقد تصادفُ أحداثاً مترابطة تربطها غالب الأحيان إرادة السخرية، تربطها ساخرةً ضاحكة، فهل تستجيب لضحكتها؟ أم ترفضها حاداً؟ فمن قبلها عرف حقيقتها ومن رفض وعتى استخف بعقله).


بل الرواية بفنتازيتها تمكنت من تحويل الأموات في القبور إلى أحياء يتحاورون ويتجادلون مع بعضهم البعض، وكأنما ترمز المقبرة إلى الوطن والقبور بيوت فيها الإنسان غير مرحّب به، (فهذه الأرواح لم يعد الله تستقبلهم من لا تستقبله الدولة، ولا يعترف بمن لا تعترف به.. إن الدولة أخيراً جسّدت الله عن طريق أيديها وأجهزتها، فالشرطة أصبحت ضمير الناس، تعلّمهم الأخلاق وتراقبها، والقضاء أصبح يحكم في الأخلاق). وأصبحت هذه المقبرة "الوطن" غير معترف بها، (لأن المدفونين فيها ليسوا قطعاً أثرية، وليسوا أسلافاً مهمِّين، ولا يحملون أرقاماً وطنية). لقد كان الحوار بين الأموات في هذه المقبرة عميقاً وذا خيال خصب ومضامين فلسفية حول جوهر الوجود والعدم، فالوجود يعني وجود الوعي، وكأن ديكارت يتكلم؛ أنا أشك .. أنا أفكر إذن أنا موجود. وحول السكون والحركة في المكان والزمان، والموت والرغبة في الحياة، بل والحنين لأسطورة الخلود والعودة الأبدية الفرعونية للجثث المحنَّطة مرة اخرى للحياة.

تنتهي الرواية بمشهد اقتحام شقة فراس، وموته تحت ضربات رئيس المصحة العقلية ومساعديه، مع موت صديقه حامد معه، وهما يضحكان ويعلنان بأنهما قد أخفقا تماماً !!.

2 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email