ضد العنصرية والتمييز والتعصب


هذا نداء لكل من يؤمن بضرورة خلق نقلة مفاهيمية وفنية في أعمالنا وأقوالنا وأفعالنا، معتقدين بحقيقة أن الفن والشعر والفكر لهم دورمهم في تغيير المفاهيم والسلوكيات.

وهو أيضاً دعوة لكل من يعتقد بقبول وتقبل كل الألوان في تشكيل وجداننا وحياتنا بطوق لا نهائي من ألوان قوس قزح ـ ودون التعمق في تاريخ الحضارات حول تأثير الألوان على الفكر والذوق والسلوك ـ ولنتخذ من مرحلتنا الإنسانية المؤلمة أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية كبداية، حيث انتعشت حركة الفن المعارض للفاشية والنازية باعتبارها مرحلة مهدت لتغيير المفاهيم والسلوكيات، فقد تحوَّل اللون الأبيض رمزاً للسلام والحب، وتحوَّل اللون الأسود رمزاً للحرب والقبح والظلم، وهكذا تحولت حمامات السلام "البيضاء"فقط في اللوحات وبقية الفنون كتعبير عن التقدم والحرية، وغابت تقريباً حمامات السلام "السوداء" من هذه التعبيرات.



ما بعد العنصرية:


وجاءت نضالات الشعوب المقهورة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية من أجل التحرير والاستقلال ورفض التمييز العنصري،وكانت -ولاتزال- العنصرية على الصعيد الفني والثقافي مرتبطة مجازياً باللونين الأبيض للمستعمر والمحتل، واللون الأسود رمزاً للمضطهد والمقموع والمقهور والمستعمِر.

إن أغلب الأعمال المبدعة والأقوال الأدبية الخالدة كانت تقدم هذه النضالات ضمن هذه الثنائية المتعارضة بين الأسود والأبيض،وبالطبع هناك من المبدعين الذين قدموا أعمالاً وأقوالاً وفكراً تناقضت مع هذه الثنائية السائدة. وهنا نحن نحاول أن نشارك هؤلاء المبدعين بأن تتحول مفاهيمنا وأخلاقنا وسلوكنا وأعمالنا وأقوالنا وأفكارنا وأشعارنا ورسوماتنا وأفلامنا وشعاراتنا وتعبيراتنا، وكذلك قوانيننا وتشريعاتنا، بما يعكس إيماننا بأنه آن الأوان أن تعكس الألوان رقي الإنسان وحضاراته ما بعد عصور العبودية والعنصرية.


العنصرية والأورو-مركزية:


صحيح أن العنصرية لا يمكن حصرها بين اللونين الأبيض والأسود،أو مدلولاتهما فقط. لأن حقيقتها تكمن في جوهر النزعة "المركزية الأوروبية" التي تمنح التفوق للعنصر الأوروبي الذي صادف أن يكون أبيضاً على حساب باقي أجناس البشر والذي صادف بأن أصبحوا من ألوان أخرى. وهذه الحقيقة تمتد من التاريخ والفكر والفلسفة والتعليم والدين وبشرة الأنبياء أيضاً.

وحتى مع انتصار العلم في راهننا فإن مشكلة مركزية الجنس الأبيض وتحيزه لذاته انسحب على الكثير من المبتكرات المعاصرة على حساب باقي أجناس الملونين. فعلى سبيل المثال؛ في إنتاج الهاتف الذكي كان الأوروبي الأبيض يضع ضمن لوغاريتماته في التعرف على الوجوه، لذلك كانت هذه الهواتف تعاني من مشكلة التعرف على وجوه الجنس الأصفر، وهذا الموقف انقلب فيه الأوروبي الأبيض على موروثه العنصري السابق عند تصميمه للتصوير الضوئي الملوَن الذي كان سائداً منذ أربعينيات القرن المنصرم،فتركيبة المواد الكيميائية التي تم وضعها لتحميض الصور صممت على نحو تساعد على التعرف بيسر على ملامح الوجوه البيضاء، ثم الوجوه الصفراء والملونة الأخرى بدقة أقل، ولكن عندما تصل للوجوه السوداء فإن ملامحهم الدقيقة تختفي تماماً من الصور عند تحميضها. وقد تكون هذه مشاكل تقنية، ولكن في العمق منها يكمن جوهر عنصري أورو-مركزي ضد كل من ليس أبيضاً.



أحداث الولايات المتحدة الأمريكية:


ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية في الآونة الأخيرة (مايو ٢٠٢٠) من قتل عنصري، وما أدى ذلك إلى انكشاف مأساوي للقبح الموجود تحت قمة رأس الجليد الرأسمالي الديمقراطي النيوليبرالي الأمريكي وحتى الأوربي بل والعالمي، من ترسخ العنصرية وتوحش التمييز وتهميش طبقي وسياسي واقتصادي واجتماعي وأخلاقي وفكري، وهذا ما أدى الى طغيان هويات فرعية كالعنصرية والدينية والمذهبية والطائفية والعشائرية والقبلية والعرقية والتمييز فيما بينها،والتي ترسخت كسِمة للسياسات الشعبوية المُغذية من سياسات وتصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، لدرجة إيمانه ودعمه الواضح للشعبوية، ليس في بلده فحسب، بل امتدت مساندته أيضاً إلى تلك السياسات الشعبوية في دول أخرى من العالم.

وحيث أننا أمام مشهد كوني تطغى فيه الهويات


الدونية، الجميلة في تنوعها، غير أن صعودها


المنفلت اصبحت تهدد جوهرها الإنساني


وتحول دون بزوغ هوية كونية جامعة مشتركة


بين البشر، توحد الشعوب سواء على


مستوياتهم الاممية أو ضمن نطاقاتهم


الوطنية، لمواجهة التحديات الكبرى الجديدة


التي أصبحت تهدد الإنسان في جوهره


الوجودي وعلى بقاءه على هذه الأرض، وفِي


بقاء هذا الكوكب كحاضن للحياة في تنوعها


الجميل. ومن هنا يأتي هذا النداء


بالبدء في الإجراءات التالية:


أولاً: الإجراءات الاقتصادية و الإعلامية:


ينبغي على بعض الشركات والمؤسسات الاقتصادية والسينمائية والفنية وغيرها أن تُغير من منهجها العنصري الذي كان يمارس وما يزال يمارس لدى بعضها ضمن سياسة أصبحت معروفة للعالم أجمع،سياسة "التلاعب بالعقول" بحيث تتم تغذية العقل اللاشعوري بتفوق الإنسان الأبيض واعتباره "السوبرمان" والمنقذ للخير ضد الشر الذي يمثله الإنسان غير الأبيض. هذا السياسة "اللاشعورية" عليها أن تزول من أجل خلق عالم بدون عنصرية. فقد انتهى عصر التلاعب بالعقول سينمائياً حيث القوة والعقل الذكي والخير ليس بالضرورة لدى الإنسان الأبيض. وكذلك على سبيل المثال في الصناعات الإستهلاكية المعمرة كالسيارات والثلاجات وغير المعمرة سريعة الاستهلاك، فعلينا ألا نعكس اللونين الأسود والأبيض فقط في هكذا صناعات، بحيث يكون الطاغي هو اللون الأبيض، ويصبح اللون الأسود مجرد تابع أو كالإطارات السوداء حاملة للسيارة، لذا لماذا لا تنتج سيارات تنسجم ألوان إطاراتها فنياً مع لون السيارة. إن الانقلاب الفني والصناعي هذا سيؤدي إلىانقلاب في الذهن واللاشعور بحيث لا يتحول اللونان الأسود والأبيض في صناعة هذه الأفلام والسلع والإعلانات والدعايات إلى ما يعزز قيم وثقافة عنصرية بغيضة في أذهان البشر ولا شعورهم-وبالاخص الشباب والصغار- الذين هم إشراقة مستقبل البشرية.

لماذا لا يتم تغيير تسميات وأشكال الأسماء والألعاب؟. فقائمة المجرمين مثلاً لماذا لا يتم تغيير إسمها من "القائمة السوداء" إلى أي إسم آخر لا علاقة باللون الأسود؟!، لأن الجريمة لا علاقة لها باللون الأسود، بل الإجرام يحدث من قبل كل أنواع البشر بألوانهم المتعددة.

وحتى على الصعيد أنواع الرياضة البدنية والعقلية، فمثلاً؛ لماذا في لعبة السنوكر لا يفوز الفريق إلا حين تغرق الكرة "السوداء" وتبقى الكرة "البيضاء"على الطاولة كرمز للانتصار؟. وهكذا في حالات مماثلة تستخدم أدوات رياضية باللونين الأسود والأبيض وكأنهما هما اللونان الوحيدان في حالة صراع دائم بينهما!.

لذا المطلوب من شركات العالم وفي كل مجالات الحياة، بأن يضعوا في اعتبارهم أثناء صناعة السلع والإعلانات، مراعاة تأثير اللونين الأسود والأبيض، كلونين لهما علاقة مباشرة ذهنية، وعلاقة لا شعورية غير مباشرة ولكنها مؤثرة في تعزيز القيم والثقافة والعقل العنصري والتمييز بين البشر على أساس اللون والأصل والجنس والعرق.

ثانياً: الإجراءات السياسية والتشريعية:


في وضعنا الراهن طالما يرمز اللون الأبيض إلى السلام والخير والأمن، واللون الأسود يمثل القبح والحرب والشر، فإن ذلك لاشعورياً يخلق في العقل والسلوك بأن الإنسان الأبيض هو رمز الخير والسلام، وما عداه من ألوان البشر يمثل الشر والإرهاب. لذا المطلوب أممياً ووطنياً تعديل الاتفاقيات والتشريعات بعدم ربط مفاهيم السلام والحب والخير باللون الأبيض، وربط الحرب والإرهاب والشر باعتبارها ممارسات "سوداء" بحق البشرية. فالخير والشر لا علاقة لهما بألوان الحياة ولا بألوان البشر.

وحيث أن العنصرية الراهنة بدأت ترفع رأسها في الولايات المتحدة الأمريكية، فإننا نعتقد بأن على هذه الدولة أن تبادر في تنفيذ العديد من الخطوات السياسية، بل وحتى "الرمزية" كتغيير تسمية البيت "الأبيض"، وغيره مما لها علاقة بتعزيز العنصرية في المجتمع والتاريخ والفكر والسياسة الأمريكية.


ثالثاً: إبداعياً على الصعيد الفني والفكري:


إذا ما توافقت البشرية، بمؤسساتها الأممية والوطنية، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتعليمية والإعلامية والقانونية والتشريعية والقضائية والتنفيذية والنيابية، القادرة على تغيير البنى التحتية للاقتصاد والسياسة والاجتماع والقانون والاتفاقيات، في التعديلات المنشودة التي ستغير المفاهيم، وإلغاء كل المصطلحات والألفاظ وحتى المعاني التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة باللونين الأسود والأبيض، وهذا ما يدعم ويساهم في إنجاح البنية الفوقية للمجتمعات ذات العلاقة بالإبداع الفني والفكري، وذلك بأن يواصلوا مسيرتهم الإنسانية البعيدة عن أفكار العنصرية، بعدم استخدام اللونين الأبيض والأسود في إبداعهم الفني والفكري كرمزين ومجازين وإشارتين لمفاهيم السلام والحرب، والكراهية والحب،والجمال والقبح، والخير والشر، وغيرها. والبحث عن ألوان أخرى ضمن تنوع ألوان قوس قزح. وذلك بهدف تعزيز حلم البشرية بتحقيق المساواة، وإلغاء التمييز العنصري في الفن والثقافة والعقل والسلوك واللاشعور.

مرة أخرى نؤكد بأن المشكلة لا يمكن حصرها بين الأبيض والأسود،بل تمتد إلى كافة الألوان، ولذلك، ومن أجل القضاء على ما في الألوان من تحيزات وتفضيلات نرى أهمية أن يتم تخليصها من دلالاتها الأخلاقية التي التصقت بها في جميع الثقافات. فالألوان لا أخلاق لها أو بها، كما ليس للألوان أي دلالات معيارية موحدة مشتركة بين كل الشعوب والثقافات حتى يتم اعتماد أي منها كرمز للخير والشر،أو للتعبير عن الجمال والقبح.

أملي أن يتضامن كل إنسان على هذا الكوكب مع هذا النداء لتحقيق حلم البشرية في مجتمع خالٍ من العنصرية والتمييز والتعصب.



0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email