"الرأسمال" الوطني في عالميته


لعل الرأسمالية العالمية، كما الحال دائماً، تجد في الدين (بمختلف تجلياته) القوى التي يمكنها دعم جشعها من جهة، ومن جهة أخرى تساعدها على تثبيت تخلف مجتمعات العالم «المتخلف» في تخلفها، وتقنين استهلاكيتها ومواصلة نهب ثرواتها.

على الرغم من أنانية الرأسمالية ووحشيتها، فإن الزمن يجعلها بحاجة لمن يعينها على تثبيت ركائزها وضمان مصالحها، ولن تجد مثل المحافظين المتعصبين، من أصحاب الدين، يفعلون لها ذلك، أولئك الذين يبحثون عن أقرانٍ يسعفون مشاريعهم بالخسارات الفادحة، التي تتكبدها الشعوب. فمنذ أن أُطلقَ التعبير، المنسوب لأكثر من شخص، بينهم، باكونين وفولتير، أوائل القرن التاسع عشر، الذي قال «لن ترتاح أوروبا إلا بعد شنق آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسّ»، لم يتوقف تكاتف رأس المال مع القوى الدينية (حشراتُ الأرض تبدأ عبثها بجذور الأشجار، مَنْ يكترث بالشعوب ويعبأ).

2

بعد أن حدثنا كارل ماركس كثيراً عن (فائض القيمة)، التي تنهض بها الرأسمالية وتعيش، جاء علينا زمانٌ يتبلور فيه الشكل الجديد للرأسمالية، ويصقل لنا حرياتنا الاستهلاكية، في ما نحن نتمرغ في (القيمة المضافة).

3

مفهومان وقيمتان لا مشترك بينهما إلا كاهل الفقير والأكثر فقراً. كلتاهما يستدرك بهما الرأسمالُ حماية حصته وصيانتها.

4

«فائض القيمة»/ «القيمة المضافة»، يتوجب علينا دراسة المسافة الرأسمالية التي استهلكتنا لتصل بنا إلى هذا، لنتعرف على ضرائب المجتمع المتحضر في مجتمع متخلف، ونقبل بها صاغرين، كل ذلك لأجل ألا تُخدش حصةَ أصحاب المال، فقد أصبح لديهم من الوسائل والأدوات ما يمنحهم حق حماية مصالحهم، بالقانون. القانون نفسه الذي سوف تواصل صياغته وفرضه المؤسساتُ التي ستواصل المعارضات العربية مقاطعتها، وتركها مرتعاً لمن يعرف من أين تؤكل الكتف، فيفيد ويستفيد. أخذوا فائض القيمة في بواكير العصر الصناعي، عندما كتب كارل ماركس في «رأس المال» عما يفعله أصحاب المصانع وهم يوظفون أموالهم، ويجنون ريعها أضعافاً من إنتاج المستضعفين، وهناك مَنْ اعتبر ذلك حقهم الصراح. والآن بعد أن تجاوزت الإمبريالية تطورها الأعلى، وصارت الرأسمالية تتمثل في الشركات عابرة القارات، محروسةً بأعتى قوانين العولمة حامية الرأسمال، وتحكّم «الاقتصاد الريعي» في حاضر ومستقبل حياتنا بلا منافس، ثمة من يقترح علينا تسديد القيمة المضافة، بوصفها حق الرأسمال، الحاكم والمالك، الذي يذود عن نفسه، بأنفسنا.

5

ليس بوارد تفادي المصادفات، التي تضع محاولات التفسير الاقتصا- تاريخية، التي اقترحها علينا السيد كارل ماركس. وهي مصادفات بوسعها تفسير ما يحدث لنا بدرجة من الدرجات المادية. وهي مادية اعتمدها السيد ماركس للإمساك بطرف ما يحدث للناس في مراحل مختلفة من حياتهم الاجتماعية. فالرأسمال العالمي، الذي هو وطني بالضرورة، (كما يمكننا القول بالعكس أيضاً)، لن يجد محيصاً له من ابتكار وسائل تقليص خسائره، أو تفاديها على وجه التقريب، وهو يسحق الحياة الإنسانية المنتجة، بالعديد من قوانين المال التي لا تعرف الرأفة بالناس، وهم يكدحون في حقول عملهم المختلفة. وإذا صادف أن السلطات الحاكمة (وهو العدو الأول منذ كارل ماركس والتاريخ من قبله)، تفكر في تثبيت حكمها ومواصلة مكاسبها المادية في اللحظة نفسها، لن تتردد في الاستعانة (لئلا أقول انتهاز العمل) بالمنظور الماركسي في سبيل تحقيق ما تسعى إليه من سبل، تراكم مداخيلها، متخلية عن النظرة الطهرانية، التي سبق أن حالت دون التعاطي مع الاجتهادات الماركسية، ذات الطبيعة الثورية المنافحة عن حق العامل في حياته الكريمة. الحياة الكريمة الآن هي المصلحة العليا للرأسمال المتحكم والحاكم في الحياة الراهنة. فالرأسمالية، على كل حال، دأبت على النظر إلى الماركسية على أنها (دين) الطبقات العاملة. وبما أنها لا ترى في الدين سوى مطية الذهاب إلى السلطة، والتثبت من الإمساك بها، فسوف يتحتم علينا تفهم عنايتها بالنظريات، عموم النظريات الاجتماعية والاقتصادية، بوصفها الأجنحة الفولاذية التي يمكنها التحليق بها، وعسف الطبقات الأخرى بها. من هنا سوف تكون «القيمة المضافة»، «قيمة فائضة» مشروعة، لا مندوحة من تحصيلها للحاكمين على حساب المحكومين.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email